تزداد أزمة الكهرباء في لبنان تفاقماً، ويتنقل ملفها الحارق من حكومة الى حكومة ومن عهد الى آخر دون أن تجد سبيلها الى الحل. ويعاني القطاع من جملة مشكلات على المستويات المالية والتقنية والإدارية. واشتد تأثيرها السلبي مع حلول موسم الاصطياف، وادرجت ملفاً أساسياً في حكومة فؤاد السنيورة الجديدة التي وضعت في بيانها الوزاري سلسلة معالجات تدريجية ومبرمجة لمشكلة الكهرباء على الآماد القصيرة والمتوسطة والطويلة.
في تقرير وضعه الوزير السابق للكهرباء موريس صحناوي منذ شهرين، أشار الى المديونية القياسية للمؤسسة والبالغة 5. 2 مليار دولار تناهز تسعة المليارات دولار مع احتساب الفوائد، فضلاً عن حوالى400 مليون دولار هي العجز المالي السنوي، معيداً ذلك الى تكلفة الإنتاج المرتفعة الناتجة عن ارتفاع ثمن المشتقات النفطية وهدر 23 في المئة من الانتاج.
ولفت التقرير الى أن معامل الانتاج انتهى عمرها الافتراضي وهي تستهلك محروقات إضافية، فضلاً عن عدم اكتمال شبكات التوزيع التي تساهم في خفض الهدر التقني للطاقة والبالغ 15 في المئة، علماً أنه يتراوح بين 3 و10 في المئة على مستوى العالم.
أما المشكلات الإدارية فتتلخص بمحدودية صلاحية مجلس الإدارة وخضوعه للتدخلات السياسية، وغياب الرؤية المستقبلية والتعامل مع المشكلات عبرردات الفعل، فضلاً على النقص في المستخدمين والجدارة، وعدم فعالية الإجراءات الإدارية في ظل العمل اليدوي وضعف المكننة وغياب التقارير المالية أو الإدارية أو عدم موضوعيتها.
التوجه الى الخصخصة هو الحل لأزمة الكهرباء كما يرى الوزير السابق موريس صحناوي الذي قال ل«البيان» «إن الخصخصة هي الحل الأنجع لمشكلة الكهرباء وهذا الموضوع طرح في حكومات الرئيس رفيق الحريري، لكن التدخلات السياسية أبقته حبراً على ورق حتى اليوم. لكن لتجنب عدم تفاقم المشكلة والحد من الأعباء التي تتكبدها خزينة الدولة يجب اعتماد هذا الحل وهذا القراريتطلب إرادة سياسية موحدة نأمل أن توفرها الحكومة الجديدة التي وضعت خطوات فعالة لحل الأزمة في بيانها الوزاري».
ومع استمرار انقطاع الكهرباء وتزايد ساعات التقنين يتأثر قطاع السياحة لا سيّما في المناطق الجبلية التي يتوافد إليها السياح الخليجيون والعرب الذين يستأجرون الشقق أو يملكون المنازل والفيلات الخاصة بهم ما يضطرّهم في بعض الأحيان إلى الاستعانة بالمولدات الكهربائية، كما يحصل في بلدات بحمدون وعاليه وبرمانا وبيت مري التي يستقر فيها صيفاً مصطافون من السعودية والإمارات والكويت وقطر.
ولظاهرة المولدات الكهربائية، الاختراع اللبناني منذ أيام الحرب الأليمة حتى اليوم، أضرار بدأ يعاني منها الناس رغم فائدتها في تزويدهم بالنور. فهي تهدد حياتهم الصحية والنفسية، بفعل تعرضهم للانبعاثات السامة المصحوبة بالضجيج والارتجاجات.وتتلقى وزارة البيئة عشرات شكاوى الانزعاج من مولدات الكهرباء التي تعمل من دون توقيت محدد خلال ساعات الليل والنهار، إضافة الى هدير الصوت المصحوب بارتجاجات ناتجة عن عدم استخدام كواتم الصوت وركائز مطاطية تمتص تلك الارتجاجات، الى جانب الدخان المنبعث من دون ان يخضع للتصفية قبل إطلاقه الى الهواء.
وفي هذا الصدد عبر رئيس لجنة الطاقة والمياه النيابية محمد قباني«ان تقنين الكهرباء قاس يؤلم الناس ويؤذي الاقتصاد الوطني. فالمواطن والسائح على حد سواء يضطر الى شراء النور ما يؤثر على الحالة الاقتصادية والحركة السياحية في البلد».وقال قباني في لقاء مع لـ «البيان» «ان التقنين واستمرار أزمة الكهرباء يؤشران الى أن القطاع لا يزال دون معالجات جدية، وهي بالتالي تزداد تفاقماً. إلا أن خلف التقنين كارثة يعيشها قطاع الكهرباء وأوضاعاً مهترئة في المؤسسة المسؤولة بنيةً وأداءً.
لقد جرت في الفترة الأخيرة معالجة أزمة الكهرباء من خلال شراء الوقت بالمال، دون معالجة جدية وهذا ليس حلاً ولا يمكن أن يستمر طويلاً. لامعالجة فاعلة للمشكلة الآنية، ولا مباشرة فعلية في الحل الجذري. فهناك اهتراء في معامل الانتاج وهدر متزايد و يقدر ب700 مليون دولار سنوياً وهو يؤدي الى زيادة الدين العام بشكل متواصل، وتقنين قاس يعاني منه الناس ويضر الاقتصاد الوطني».
من جهة أخرى، قامت الحكومة اللبنانية مؤخراً باتخاذ قرار على صعيد الكهرباء في جلستها ما قبل الأخيرة تقضي بتأمين سلفات شهرية بمعدل 55 مليار ليرة شهرياً على أن تصرف هذه السلفات في أول كل شهر من يوليو وأغسطس وسبتمبر لتغطية عجوزات فروقات أسعار المحروقات حتى نهاية موسم الاصطياف باعتبار أن الحكومة لاتستطيع صرف السلفة دفعة واحدة لعدم إقرار الموازنة للعام الحالي من جهة، ولعدم قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على إنجاز موازنتها لهذا العام نتيجة فقدان التوازن بين الإيرادات والنفقات بسبب العجز الكبير الذي حصل في العام الماضي جراء الارتفاعات الكبيرة بأسعار الفيول أويل والمازوين بين تقديرات الكهرباء والواقع المحقق في الأسواق العالمية.
هذا الحل المرحلي لايخفي مشكلات كثيرة مرشحة للظهور لاسيما بعد تأخر تنفيذ اتفاقية الغاز مع سوريا لتأمين احتياجات معمل البداوي، وبأسعار تشجيعية تقل مابين 10 و20 في المئة عن الاسعار العالمية التي توفر حسب تقديرات إدارة الكهرباء ما بين 11 و12 مليون دولار شهرياً. هذه المشكلة تنتظر مفاوضات جديدة بين السلطات اللبنانية والسورية باعتبار أن الأزمة السياسية القائمة بين البلدين بعد الانسحاب السوري ترافقت مع مطالبات بإعادة النظر بالاتفاقات اللبنانية السورية المتعلقة بالأمور المختلفة والقائمة منذ العام 1994.
وهذا يعني أيضاً أن العلاقات السياسية بين البلدين بدأت تنعكس ضررا على العلاقات الاقتصادية والخدماتية بفعل الخلل في تنسيق العلاقات بين الدولتين.وهذا يعني ان انتاج الكهرباء على الغاز سيتأخر لعدة أشهر أخرى مما ينذر بعجوزات جديدة للقطاع بسبب فروقات أسعار النفط التي تواصل إرتفاعها في الاسواق العالمية مما سيرفع عجز الكهرباء الى أكثر من 850 مليار ليرة في العام الحالي، في حين ان المقدر في الموازنة هو 450 مليار ليرة شهرياً أنفقت في مجملها خلال النصف الاول من العام ، هذا من دون دفع المستحقات المتراكمة لمورّدي النفط وللمصارف اللبنانية والاجنبية.
وفيما تسعى الدولة اللبنانية الى تأمين الوقود يوماً بيوم أو شهراً بشهر كحد أقصى نتيجة العجز المالي بحيث يمكن للبواخر المتعاقد عليها أن تؤمن الاحتياجات حتى شهر أغسطس، ما يعني عودة الأزمة اعتباراً من سبتمبر وبشكل أكبر كون الطلب على الشتقات النفطية يزداد مع بداية الخريف ما يشير الى ارتفاعات قد تكون أكبر في أسعارالمشتقات النفطية في الأسواق العالمية، وهو ما ستعجز الحكومة عن تأمينه في ظل الظروف الحالية.
إذن اللبنانيون على موعد جديد مع التعتيم على أمل أن تفلح الحكومة الجديدة في اجتراح الحلول المناسبة وتنفيذ ما تعهدت به في بيانها الوزاري.من جهة أخرى وبعد مرور شهر على أزمة عبور الشاحنات على الحدود اللبنانية- السورية، بدا المشهد في منطقة المصنع الحدودية أول أمس معاكساً، إذ عبرت حوالى مئة شاحنة منطقة الجمارك السورية، وهو الرقم الأكبر منذ بداية الأزمة، خصوصاً وأنه تزامن مع مرور موكب رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة بالقرب من شاحناتهم، اثر زيارته الأحد الماضي إلى دمشق.
وكان السائقون تجمعوا صباحاً لملاقاته ومناشدته على حل الأزمة إلا أن الإجراءات الأمنية حالت دون ذلك، واكتفى السنيورة بتحيتهم من السيارة. وفي الوقت الذي شهدت فيه منطقة المصنع الحدودية بعض الانفراجات، بقيت منطقة العبدة شبه مغلقة، نظراً لوقوف الشاحنات في الاتجاهين مع وجود ممر صغير للسيارات السياحية القادمة من سوريا، مع حركة خفيفة من لبنان بالاتجاه المعاكس.
وأمل أصحاب الشاحنات أن تؤدي زيارة الرئيس السنيورة الى دمشق لنتائج إيجابية تخفف من حدة المعاناة ، وأن يصار إلى اتخاذ تدابير سريعة تخفف من هذه الأزمة.من جهة ثانية، أعلن النائب حسن يعقوب أن إعدام قطاع الزراعة ما زال مستمراً، بسبب الإهمال الذي يعانيه، وقال «ان هذا الإهمال سيؤدي إلى إعدام أكثر من مليون شخص يعيشون من القطاع الزراعي».
وتخوف مزارعو الكرمة في عكار من نتيجة أزمة الشاحنات على محصولهم الذي بدأوا بجنيه منذ أواخر يونيو الماضي، خصوصاً مع بدء نضوج القسم الأكبر من بساتين الكرمة في سهل عكار والتي يعول المزارعون عليها أهمية لتصريفها إلى الخارج، على أمل تحقيق أسعار أعلى لإنتاجهم، لاسيما وان أصناف العنب المنتج في سهل عكار غير قادرة على الانتظار لأيام طويلة في البرادات وتتعرض بسرعة للإتلاف والعطب، وإذا استمرت الأزمة على هذا النحو فان خسائر كبيرة ستصيب المزارعين لاسيما أن السوق المحلي غير قادر على استيعاب كل المحصول المنتج دفعة واحدة.
على صعيد آخر، وبالتزامن مع توتر العلاقات الاقتصادية بين لبنان وسوريا في الآونة الأخيرة تعرض باص سياحي سوري لنقل الركاب أول أمس، لدى وصوله قرية الشيخ عياش في الأراضي اللبنانية، إلى الرشق بالحجارة من قبل عدد من الشبان اللبنانيين، ما أدى إلى تحطيم نوافذه الأمامية والجانبية.
بيروت ـ رانيا برو