لم يحل ارتفاع أسعار النفط دون انتعاش أسواق الأسهم التي سجلت معدلات أداء قياسية، على الرغم من الارتفاع التدريجي في أسعار النفط على مدى السنوات الثلاث الماضية، وهو ما أثار السؤال لديالباحثين حول الأسباب التي قادت إلى تحصين أسواق الأسهم من أسعار النفط المرتفعة، وتمثلت الإجابة في حدوث نوع من التمازج بين الارتفاع التدريجي في أسعار النفط وقوة البيانات الاقتصادية.

فمنذ 9 أكتوبر 2002 والذي شهد إغلاق مؤشرات أسواق الأسهم الرئيسية على أدنى مستويات، تضاعفت أسعار النفط ما يزيد على مرتين، فقد أغلقت أسعار العقود الآجلة للنفط تسليم شهر أغسطس في 12 يوليو على مستوى 62. 60 دولارا للبرميل، أي زادت بنسبة 107% عن مستواها في نوفمبر 2002 والذي شهد إغلاق العقود الآجلة عند سعر 35. 29 دولارا للبرميل.

وعلى مدى هذه الفترة الزمنية المذكورة، جنى مؤشر داو جونز الصناعي مكسبا سعريا نسبته 44%، وقفز مؤشر ناسداك المركب بنسبة 92%، وفي المقابل، ارتفع مؤشر بورصة شيكاغو للعقود الآجلة بنسبة 107%. ومنذ نهاية إبريل وحتى 13 يوليو، حقق النفط الخام مكسبا نسبته 16%، وتحرك مؤشر ناسداك لأعلى بنسبة 11%.

* التدرج وتيرة ارتفاع أسعار النفط

ويكمن وجه الاختلاف بين الزيادات الحالية في أسعار النفط، وتلك التي جرت في عقد السبعينات في مقدار الوقت الذي استغرقته هذه الزيادات، وفي تقدير توبياس ليفكوفيتش كبير محللي الأسهم في شركة «سيتي جروب سميث بارني» أن الزيادة التدرجية في الأسعار أعطت للمستهلكين والاقتصاد المزيد من الوقت للتأقلم مع التغييرات في الأسعار».

وعلى خلاف الحال في عقد السبعينات، أدى تضاعف أسعار النفط بمقدار أربع مرات إلى إصابة المستهلكين بالصدمة، وحدث مثل هذا النمط من الارتفاع في ثلاث مناسبات، استغرقت كل منها فترة وجيزة، وتتمثل المناسبة الأولى في الحظر العربي للنفط (1973ـ 1974)، والثانية في الثورة الإيرانية (1977 ـ 1980) والثالثة في الاحتلال العراقي للكويت (1990 ـ 1991). واضطر المستهلكون تحت وطأة هذه الأزمات إلى ترشيد استهلاكهم للطاقة على نحو سريع لمواجهة الصعود المفاجئ في أسعار النفط.

وفي الوجهة المقابلة، وعلى عكس هذا النمط من الصعود السريع في أسعار النفط، نجد أن أسعار العقود الآجلة لخام تكساس الوسيط قد ارتفعت ـ والكلام على لسان توبياس ليفكوفيتش ـ من 11 دولارا في 1998 إلى ما يزيد على 30 دولارا في مطلع 2000، وتميزت أسواق الأسهم بالأداء الجيد خلال هذه الفترة.

ولكن ـ والكلام مازال له ـ عندما تضاعفت أسعار النفط بمقدار أربع مرات خلال الفترة الحالية، لم يكن هناك بالتأكيد انهياراً اقتصادياً، بل تميز الوضع الاقتصادي بالقوة، وتمكنت أسواق الأسهم من تسجيل مستويات أداء جيدة، بالنظر إلى أن الظروف الاقتصادية الراهنة قد سمحت لها باستيعاب أسعار النفط المرتفعة. فضلا عن أن الارتفاع في أسعار النفط المدفوع بقوة الطلب الصيني والهندي والقلق بشأن القيود الموجودة على الإمدادات، قد حدث بوتيرة متدرجة.

وارجع محللون من بينهم ثوريستين فيشر الاقتصادي بموقع «إيكونومي كوم»، أسباب مثل هذا الوضع إلى البيانات الاقتصادية القوية والتي عززت الاعتقاد بأن الاقتصاد الأميركي يسير بخطى قوية، وهو الأمر الذي دعم قدرة الأسواق على مقاومة الأسعار المرتفعة. فعلى سبيل المثال - والكلام ما زال على لسان ثوريستين فيشر ـ زاد الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 8,3% خلال الربع الأول من العام.

كما بدا سوق العمل في حالة نهوض، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على إنفاق المستهلك، حيث تراجع معدل البطالة إلى 5% في يونيو، وهو أدنى مستوى له على مدار أربع سنوات، وعلى الرغم من توفير الاقتصاد نحو 146 ألف وظيفة في شهر يوليو، وهو معدل يقل عن التوقعات، إلا أن مستوى التوظيف بشكل عام مازال أعلى من المستوى الذي بلغه إبان الذروة الاقتصادية في 2000، علاوة على أن أفق النمو الاقتصادي مازالت تبشر بمعدلات مرتفعة.

خاصة وأن ما يعزز التفاؤل هو توفير الاقتصاد الأميركي 2. 2 مليون وظيفة في العام الماضي، ومن المقدر أن يتمكن من تسجيل نفس هذا المعدل للتوظيف في العام الحالي. علاوة على أن المزيد من المكاسب على مستوى القوة الشرائية سيعزز قدرة المستهلك على التغلب على تكاليف الطاقة المرتفعة.

ووفقا لتقديرات ستيفين ويتينج المحلل الاقتصادي في سيتي جروب، قفزت الدخول الشخصية في الولايات المتحدة في 2004 لتبلغ 527 مليار دولار، فيما ارتفعت تكاليف الطاقة خلال نفس الفترة لتبلغ 50 مليار دولار. وفي التوقيت ذاته، أظهرت مبيعات التجزئة قدرة عالية على التأقلم السريع مع ارتفاع أسعار النفط التي نتجت عن صعود الطلب، وليس توقف الإمدادات كما حدث في المرات السابقة، وهو ما يمثل في ذاته علامة إيجابية لأنه يعكس في رأي كينيث تاور محلل الأسواق في شركة «سيبر ترادير» حالة الاقتصاد التي تتميز بالقوة، الأمر الذي يحفز طلب قطاعات الأعمال والصناعة على المزيد من الطاقة، بما يدفع ال��سعار لأعلى.

* قوة البيانات الاقتصادية

ويستبعد محللون على غرار ليفيكوفيتش أن تمثل أسعار الطاقة خلال الأشهر القادمة مشكلة ضخمة، طالما تعززت قدرة الاقتصاد على توليد الوظائف، علاوة على أن ارتفاع أسعار النفط لن يشكل مفاجأة بالنسبة للمحللين، وعلى حد قول بريان هيكز المدير المشارك لصندوق «جلوبال إينفيستورز ريسورسيز» أنه لن يشعر بالمفاجأة، إذا ما تجاوزت أسعار النفط مستوى 62 دولارا للبرميل خلال فترة ذروة الطلب في الربع الأخير من العام، وذلك بالنظر إلى طول الفترة التي استقرت فيها أسعار النفط عند مستوى 60 دولارا للبرميل، وهو ما يماثل استقرار السعر عند مستوى 50 دولار للبرميل خلال الربع الأول.

وقد استمرت تكلفة النفط على مستوى المنتج في الولايات المتحدة على نفس مستواها من دون تغيير، على الرغم من الصعود الكبير في أسعار النفط، فيما هوت أسعار السيارات والمنتجات الغذائية، وهو أبرز ما خلص إليه تقرير صادر مؤخرا عن وزارة العمل الأميركية الذي أوضح غياباً غير متوقع لضغوط التضخم.

وفي السياق ذاته، أوضح تقرير منفصل تصاعد النشاط الإنتاجي لمصانع مدينة نيويورك في ولاية نيويورك خلال الشهر الجاري، وهو ما أعطى مؤشرا جديدا على التعافي والقوة الاقتصادية التي تشهدها الأسواق، الأمر الذي عزز الانطباع باستمرار بنك الاحتياط الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة.

وفي تقرير وزارة العمل الأميركية حول أسعار المنتج، ورد أن أسعار الطاقة أغلقت على ارتفاع نسبته 2%، فيما تراجعت أسعار المنتجات الغذائية بنسبة 1. 1%، وفي خارج تلك المجالات الأكثر تذبذبا في الأسعار، هبط ما يعرف باسم مؤشر «أسعار الكتلة الحيوية للمنتج» بنسبة 1. 0%، وهو أول تراجع للمؤشر على مدى أربعة شهور، فيما تراجعت تكلفة السيارات والشاحنات الخفيفة.

وفي حالة استبعاد أسعار السيارات الآخذة في التراجع، فإن مؤشر الكتلة الحيوية للمنتج سيتحرك لأعلى بنسبة 2. 0%. وتوقع الاقتصاديون بأن تصعد أسعار المنتج بنسبة 4. 0%، ويصعد مؤشر الكتلة الحيوية للمنتج بنسبة 1. 0%، وجاء هذا الاستقرار في مؤشر أسعار المنتج، والثبات النسبي في تقديرات الأسعار لمنتجات المصانع والمزارع ومعامل التكرير، في أعقاب تراجع المؤشر في مايو بنسبة 6. 0%، وهو ما مثل أحدث علامة على احتمال أن تهدأ ضغوط التضخم. كما أوضح تقرير الوزارة أن أسعار المستهلك واصلت نفس مستوياتها خلال يونيو، بصعود أسعار المنتجات، بخلاف الطاقة والمنتجات الغذائية، بنسبة 1. 0%.

وفي التوقيت ذاته، أعلن فرع بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي في ولاية نيويورك بأن مؤشر النشاط الصناعي ارتفع خلال يوليو إلى 91. 23 نقطة من 49. 10 نقاط في يونيو، وهو أعلى مستوى له خلال العام الجاري، وأتت نتائج المؤشر لتخالف توقعات الاقتصاديين الذين قدروا في وقت سابق بأن يتحرك مؤشر أسعار المنتج نحو مستويات أكثر انخفاضاً.

وفي التقرير الصادر عن وزارة التجارة الأميركية، ورد أن المخزون في مجالات الأعمال المختلفة نما بنسبة 1. 0% في مايو، وهو ما يقل بشكل طفيف عن توقعات الاقتصاديين في هذا الخصوص، وفي الجانب الآخر، ارتفعت المبيعات بنسبة 1. 0% وعلى المنوال نفسه، سجل المؤشر الذي تضعه جامعة ميتشغان حول معنويات المستهلك نتائج إيجابية، حيث أوضح أن إنفاق المستهلك ارتفع إلى 5. 96 نقطة في يوليو من 96 نقطة في يونيو.

وفي السياق ذاته، أوضحت الأرقام الصادرة عن بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي أن الإنتاج في المصانع والمرافق والمناجم الأميركية ارتفع بنسبة 9. 0%، مسجلا أعلى زيادة شهرية منذ فبراير 2004. وافقت تلك النتائج توقعات الاقتصاديين في وقت سابق والذين قدروا بأن الإنتاج سيتزايد بنسبة 4. 0%، ولكن بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي خفض توقعاته لمعدل الإنتاج خلال شهر مايو من4. 0% إلى 3. 0% وهكذا كان الامتزاج بين الارتفاع المتدرج في أسعار النفط وقوة البيانات الاقتصادية له أبلغ الأثر في وقاية أسواق الأسهم من الانهيار.

م.ع