يبدو أن الهند قد أرخت شعرة معاوية قليلاً لتكون مواقفها أكثر قرباً من الموقف الأميركي بشأن مشروع أنبوب نقل الغاز الطبيعي إلى أراضيها من إيران، ماراً بباكستان، ولكنها حرصت على الإبقاء عليها من دون أن تقطعها تماماً كما فعلت تركيا التي أعلنت عدم التوصل إلى اتفاق مع إيران بشأن نقل الغاز الطبيعي الإيراني إلى الأراضي الأوروبية.
وبمعزل عن ماهية توجهات محمود احمدي نجاد الرئيس الإيراني الجديد الذي سيتولى رسمياً مهام منصبة يوم الأربعاء المقبل، فإنه يبدو في نظر البعض أن إيران بدأت بالفعل في دفع تكلفة مواقفها إزاء الملف النووي من ملف آخر وهو ملف الغاز والنفط، وهو ما ينذر بأزمات ستتظلل بألوانها القاتمة أسواق النفط، ولعل الموقفين التركي والهندي مجرد علامات مبدئية على اتجاهات الاستقطاب في تلك المنطقة الحساسة من العالم.
وعلى الرغم من أن هذه التحركات تأتي في إطار عملية تصعيد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة والتي من المتوقع أن تشتد وطأتها مع تولي محمود احمدي نجاد منصب الرئاسة، إلا أنه يبدو أن الهند أدركت أن الوضع الجيوسياسي للمنطقة في المرحلة المقبلة لن يتيح لها إمكانية مواصلة لعبة «شد الحبل» مع واشنطن بشأن علاقاتها مع إيران. في ظل حالة الاستقطاب التي قد تشهدها المنطقة مع تولي المتشددين في إيران زمام السلطة هناك.
وجاء الموقف الهندي المتشكك في مشروع خط أنابيب نقل الغاز الطبيعي من إيران على لسان ماني شانكر وزير النفط الهندي الذي صرح بأن مشروع خط الأنابيب المقترح من إيران عبر باكستان ينطوي على مخاطر، مما يجعل من الصعوبة تمويله، ولكنه قال إن المحادثات بشأن المشروع ستستمر، وفي ضوء هذه التصريحات، توقعت تحليلات بأن الهند ربما تتخلى عن مشروع استيراد النفط من إيران في مقابل إبرام صفقة للطاقة النووية، وذلك على الرغم من تشديد وزير النفط الهندي على الفصل بين الموضوعين. وعلى الرغم من مناشدة واشنطن الدول الغربية بمساعدة الهند في مجال الطاقة النووية.
بيد أنه سرعان ما أظهرت ردود الفعل الباكستانية وجود فجوة بين الموقفين الهندي والباكستاني بخصوص هذا الموضوع ، إذ أعلنت باكستان أنها ستستمر في خط أنابيب الغاز من إيران الذي ستبلغ تكلفته مليارات عدة من الدولارات، حتى لو ترددت الهند في الانضمام إلى المشروع، وقال نعيم خان المتحدث باسم الخارجية الباكستاني إنه من الأهمية تلبية احتياجات البلاد من الطاقة، وأن باكستان ستمضي قدماً في هذا المشروع، حتى بدون مشاركة الهند.
وأضاف المتحدث أنه تم إحراز تقدم خلال اجتماع مجموعة العمل الثنائية الهندية الباكستانية خلال الشهر الماضي في نيودلهي، حيث تم الاتفاق على طرح هذا الموضوع على المستوى الثلاثي. واستدرك بقوله إن باكستان وإيران وقعتا على مذكرة تفاهم بخصوص هذا المشروع بهدف تسريع التفاوض بشأن تمويله.
* الجدل حول السياسة النفطية
ورغم تباين تقديرات المحللين بشأن ما ستكون عليه السياسة النفطية للرئيس الإيراني الجديد، وانقسام الآراء بين اتجاه يتنبأ بتحول السياسة الإيرانية نحو تشديد الخناق حول الاستثمارات النفطية الأجنبية، خصوصاً وقد لاحت نذر هذا الاتجاه في شن الأعضاء المحافظين في البرلمان الإيراني هجوماً على شركة شل التي تدير حقلي سورش ونوروز الإيرانيين البحريين اللذين ينتجان 200 ألف برميل يومياً، واتجاه آخر يتوقع بأن يسلك الرئيس الإيراني الجديد مسلكاً واقعياً ينسجم مع أهمية الاستثمارات الأجنبية لتعزيز الطاقة الإنتاجية الإيرانية.
وعلى الرغم من المواقف الانتخابية للرئيس الإيراني الجديد التي أعلن فيها بأنه لن يسعى لإرضاء المستثمرين الأجانب. إلا أن إيران تعقد آمالاً عريضة على تعظيم عوائدها من ثرواتها من الغاز والنفط، وذلك بغض النظر عمن يمسك بزمام السلطة في طهران، فمن المتوقع أن تصل عوائدها النفطية إلى ما يزيد على 24 مليار دولار في خطة التنمية الرابعة، والتي سيتم ادخارها في صندوق احتياطي العملة الأجنبية.
وهو ما سوف يسمح للحكومة الإيرانية بدعم موقفها المالي، حيث كانت تتوقع أن تبلغ إيراداتها النفطية للسنة المالية الحالية حوالي 1. 16 مليار دولار. كما تتوقع إيران بأن يقفز إنتاجها النفطي إلى 2. 4 ملايين برميل يومياً، بمجرد بدء الإنتاج في ثلاثة حقول نفطية جديدة وهي دارخوفين وسوروش وموروز. كذا تبذل طهران جهوداً للحصول على قروض من البنك الدولي لتمويل مشروعاتها في مجال الطاقة المتجددة، وقد تقدمت إيران بطلب الحصول على قرض لإقامة مزرعة للرياح.
* تفكيك العلاقة الإيرانية الهندية
ولعل عرض واشنطن مساعدة الهند على الحصول على الطاقة النووية، يأتي في إطار إدراكها مدى تعطش الهند للحصول على الطاقة لتلبية احتياجاتها المتنامية، وهو ما يمثل تحركاً من جانب واشنطن لتفكيك أواصر العلاقات بين الهند وإيران. وتثير روابط الهند المتنامية مع إيران العديد من القضايا المثيرة للاهتمام، خصوصاً إذا ما أخذ في الاعتبار علاقات الهند مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.
وقد عبرت واشنطن بالفعل عن عدم رضاها عن علاقات الصداقة المتنامية مع إيران، حيث دعت كوندوليزا رايس خلال زيارتها الأولى للهند كوزيرة للخارجية، نيودلهي إلى التخلي عن خطة لاستيراد الغاز الطبيعي من إيران عبر خط أنابيب مشيرة إلى أن أي مسعى من هذا القبيل، من شأنه أن يقوض الجهود التي تبذلها واشنطن لعزل النظام الإيراني.
وقالت في يوم 16 مارس، إثر لقائها مع ناتوار سينج وزير الخارجية الهندية بأنها نقلت إلى الحكومة الهندية القلق الأميركي من التعاون بين الهند وإيران بخصوص إقامة خط أنابيب لنقل غاز، وإنها أطلعت المسؤولين الهنود على أن رغبتهم في الحصول على إمدادات طاقة إضافية، ستضعف معارضة واشنطن الإيديولوجية للنظام الإيراني، ورد وزير الخارجية الهندية بأنه لا توجد أيه مشاكل بين إيران والهند.
بيد أنه مازال حتى الآن أكبر نجاحاً حققته الهند في الخارج في مجال النفط يتجسد في مشروعاتها النفطية في إيران، حيث توصلت شركة النفط الهندية الحكومية إلى اتفاق مع شركة بيتروبارز النفطية الإيرانية لتطوير مستودعات الغاز الطبيعي في حقل غاز بارز الجنوبي الذي يحوي على أكبر احتياطي غاز في العالم، كما تتعاون الهند مع إيران في تطوير ميناء شاه باهر علاوة على العديد من مشروعات البنية التحتية من بينها توقيع شركة آندلران الهندية على اتفاقية مدتها 25 عاماً، تقوم طهران بموجبها بتزويد الهند 5. 7 ملايين طن سنوياً من الغاز الطبيعي بدءاً من عام 2009.
كما تفاوضت شركة آيار الهندية مع الحكومة الإيرانية للحصول على حصة من ياداريفان النفطي، وذلك كجزء من صفقة أكبر لشراء الغاز الطبيعي الإيراني. وعلى الرغم من نزوع صناع السياسة الهنود إلى تقليل أهمية العلاقات العسكرية مع إيران، إلا أن علاقات نيودلهي الاستراتيجية مع إيران تثير قلق بعض الدوائر في واشنطن، وهو ما يجعل السياسة الهندية تسير على خيط مشدود.
فهي تحرص على توقيع صفقات طويلة الأجل في مجال النفط مع إيران لتأمين احتياجاتها النفطية، وفى الوقت ذاته تحرص على الحفاظ على علاقات جيدة مع واشنطن، باعتبارها مصدراً للتكنولوجيا ورأس المال وحليف محتمل إذا ما ساءت علاقاتها مع الصين. ولكن اشتداد حدة الخلافات بين واشنطن وطهران، قلل من هامش حرية الحركة المتاحة للدبلوماسية الهندية، وهو ما اتضح في قطعها خطوة قريبة من الموقف الأميركي.
* الخيارات الصعبة
وتظهر أهمية مشروعات خطوط أنابيب نقل الغاز في ضوء محدودية الطاقة الإنتاجية لكل من باكستان والهند، فبالنسبة للثانية، لم تفلح أنشطة التنقيب في العثور على أي اكتشافات مؤثرة في مجالي النفط والغاز منذ اكتشاف حقل النفط الضخم المعروف باسم «بومباي هاى» في عام 1974، بيد أنه من المتوقع ـ بحسب تقرير وزارة الطاقة الهندية ـ أن يتصاعد الطلب الهندي على الغاز من المستويات الحالية البالغة 8,1 مليار متر مكعب إلى 5. 11 مليار متر مكعب بحلول عام 2020، فيما يغطي إنتاج الغاز الطبيعي المحلي 8% من إجمالي استهلاك الطاقة في الهند.
كذلك الحال بالنسبة لباكستان، يتعرض حقل «سوي» للغاز الطبيعي والمكتشف في عام 1952 للنضوب، وبحسب تقرير صادر عن الحكومة الباكستانية، فإنه من المتوقع أن تواجه باكستان نقصاً في إمدادات الغاز الطبيعي والنفط بحلول عام 2010، حيث ستتجاوز احتياجات باكستان من الغاز الطبيعي الموارد المتاحة بحوالي 2. 0 مليار متر مكعب يومياً، وذلك بحلول عام 2010، وسيزداد النقص ليبلغ 4. 1 مليار متر مكعب في عام 2015، وسيصل إلى 7. 2 مليار متر مكعب في عام 2020، ولكن على الجانب المقابل، تبلغ الطاقة الإنتاجية الباكستانية من الغاز الطبيعي نحو 5,3 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي يومياً.
وهو ما يكفي لتغطية حوالي نصف احتياجات البلاد من الطاقة، وفي حالة عدم مجيء المزيد من إمدادات الغاز لتغطية العجز، فإن الخلل بين الطلب والعرض في قطاع الطاقة ـ بحسب تقرير بنك التنمية الآسيوي ـ سينمو بمعدلات كبيرة. وتتطلع الدولتان إلى تعزيز التعاون مع إيران في مجال الغاز الطبيعي، بحكم أن إيران تحتل المرتبة الثانية من ناحية احتياطات الغاز والتي تبلغ 812 تريليون متر مكعب أو 8. 15% من إجمالي إمدادات الغاز الطبيعي المتاحة على مستوى العالم.
ورغم أن استيراد الغاز الطبيعي المسيل عن طريق الناقلات يمثل أحد الخيارات، ولكنه ـ في رأي زاهير جان محلل الطاقة الباكستاني ـ يعد أقل تنافسية بالمقارنة مع مد أنابيب نقل الغاز، حيث إن المطروح حالياً ثلاثة مشروعات عملاقة لمد أنابيب غاز تنقل الغاز الطبيعي من الشرق الأوسط أو آسيا الوسطي إلى جنوب آسيا: الأول، ويمتد من دولت آباد في تركمانستان، عبر أفغانستان ثم إلى باكستان لينتهي في الهند، والثاني، ويمتد من حقل الشمال في قطر، عبر الإمارات العربية المتحدة وعمان، ثم إلى باكستان والهند والثالث،
ويمتد من حقل «بارس» في جنوب إيران عبر باكستان ثم الهند. وبالنسبة للخط الأخير، والذي أثار الكثير من الجدل بين واشنطن والهند فهو يمتد على مسافة 1400 ميل، منطلقا من إيران ثم باكستان والهند، وتقدر تكلفته بنحو 7. 3 مليارات دولار، وسيعبر خط الأنابيب مناطق جبلية اقل وعورة بمحاذاة ساحل ميكران في الهند وباكستان، ثم يمتد إلى منطقة كراتشي ويستمر إلى ناحية الشرق لينتهي في مدينة أحمد آباد الصناعية بالهند، ويعترض إقامة مثل هذا الخط الكثير من المصاعب،
وتتمثل في احتمال تعرضه لعمليات تخريب في الجزء الذي يمتد عبر مناطق البلوش، ومن الناحية السياسية يعتبر هذا الخط من أكثر المشروعات إثارة للجدل السياسي، وذلك بحكم أن إيران مازالت على قائمة الدول المارقة من وجهة نظر السياسة الأميركية، وهي إحدى محاور الشر في أجندة الرئيس الأميركي جورج بوش، إلى جانب كوريا الشمالية، ومن ثم فإن أي تحرك من شأنه أن يدعم إيران سياسياً واقتصادياً، يعتبر من السياسات غير المرغوب فيه أميركياً.