أنتج فيلم «ذا لونجيت يارد» أول مرة في العام 1974، بإدارة المخرج روبرت آل دريتش، الحائز على أكثر من جائزة سينمائية منها عدة أوسكارات، توجت مسيرته الفنية خلال عقد الستينات ومنتصف السبعينات من القرن المنصرم، ولعب بطولة الفيلم آنذاك بيرت رينولدز.
والمقارنة بين فيلم آل دريتش وفيلم بيتر سيجال لا تصح، كون الأول ينتمي إلى مرحلة ثقافية مختلفة عن مرحلة الثاني، اضافة الى ان أسلوب المعالجة لدى المخرجين مختلفة، ففي وقت أمعن آل دريتش بإظهار خلفية مرويه البصري، غيب سيجال هذه الخلفية، واستخدمها من ضمن رموز الفيلم التي تقابل بعضها.
فالصورة الاجتماعية لا تظهر سوى بمقدمة الفيلم، حيث نشاهد الممثل آدم ساندلر بشخصية لاعب الكرة الأميركي الشهير «بول كرو» يعيش مع صديقته الثرية، والتي لا تتوانى عن إذلاله، وهو لا يتراجع أبداً عن تحطيم ممتلكاتها، فينطلق بسيارتها مخترقاً الشوارع بسرعة هائلة حتى تتم ملاحقته من الطائرات المروحية وسيارات الشرطة، فتتحطم السيارة الضخمة، مما يؤدي إلى اعتقاله والحكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات، فينقل إلى سجن الولاية، حيث حراس السجن يتحكمون بالمساجين بأساليب سادية وعنيفة وبعيدة عن أي تفكير بإصلاح هؤلاء.
يطلب آمر السجن واردن هازن ويجسد شخصيته الممثل العريق «جايمس كرمويل»، من كرو، أن يدرب فريق كرة القدم المؤلف من حراس السجن، فيرفض كرو الطلب بناء على أوامر عنيفة من أحد الضباط، لكن واردن يصر، حتى يقترح كرو ان يقدم نصيحة إليه بأن يدفع فريقه للعب أمام خصم ضعيف والفوز، عندها، ترتفع معنويات فريقه عالمياً، ويستطيع التقدم إلى الأمام، نحو المزيد من الانتصارات.
يعجب آمر السجن بالنصيحة، فيأمر كرو بأن يعد فريقاً من المسجونين لمواجهة فريقه المحترف، وليكون هذا المنافس الضعيف، فيقبل بالأمر، ويبدأ بالبحث عن اعضاء لهذا الفريق، الكثير منهم يرفضون الأمر بداية، كون كرو معروف بإرتشائه وبخيانته لفريقه الكبير في احدى المباريات المهمة، فيساعده على ذلك الممثل كريس روك، الذي يجسد شخصية الوكيل برفع معنويات الفريق وتأمين احتياجاتهم الأخرى من خارج السجن بطرقه الخاصة، لكنه لا يلبث ان يقتل بمؤامرة دبرها الحراس بالتعاون مع احد المساجين لقتل كرو نفسه. وينضم إلى الفريق بيرت رينولدز الذي لعب دور كرو في فيلم روبرت آل دريش سابقاً. وهنا يشارك البطولة مع ساندلر في دور مدرب الفريق.
وهذه مفارقة قلما نجدها في عالم الفن السابع، ان يعيد الممثل تقديم عمل بعد ثلاثين عاماً للقصة ذاتها وبشخصية مختلفة. وفي هذا الفيلم يساهم مساهمة أساسية بتدريب الفريق إلى جانب كرو، ويستخدمان أساليب ملتوية في إقناع أعضاء الفريق بالانضمام إليهما، فيختاران أصحاب الأجساد الضخمة، وآخر يمتاز بالسرعة الفائقة. كذلك يمتاز أعضاء الفريق بتلاحمهم القوي في سبيل تحطيم الحراس الذين امعنوا بإذلالهم على مدى أعوام طوال.
تصل الأمور إلى نهايتها، حين يحين موعد المباريات أمام الجمهور المتحمس سلفاً للحراس، وأمام آمر السجن المهووس بلعبة كرة القدم الأميركية ويعتبرها جزءاً أساسياً من خصائص الأمة. لذلك حين يشعر بتلاويح هزيمة فريق حراسه، يجن جنونه، ويذهب إلى حد تهديد كرو بأنه سيلفق له تهمة قتل «الوكيل» حتى يتركه في السجن لفترة أكثر بكثير من ثلاث سنوات، فيستجيب الأخير للتهديد بداية، لكنه يقرر فجأة بأنه لن يقوم بالخيانة مرة ثانية في حياته فيلعب بثقة ويحرز النصر مع فريقه المبتديء، وكأنها لحظة انتصار لما تبقى من خير في روح المسجون على شر متأصل في شخصيات الحراس الساديين.
إخراج الفيلم يتمتع بذكاء وببراعة في تقديم عالمين متناقضين، وكأننا في ساحة حرب حقيقية تحمل مفاهيمها بانتماء كل فريق لثقافة حياة مختلفة عن الآخر. فالشر ليس شراً مطلقاً، ولا الخير هو كذلك، الأمور نسبية إلى حد كبير، والبعض من الذين يجلسون على كراسي المصلحين والمساعدين قد يكونون أشراراً أكثر بكثير ممن هم محكومون بالسجن لجرائم ارتكبوها كردة فعل في مرات على فعل أكثر اجراماً.
فالفيلم يفتح مجالاً لنقاش وضعية السجون في الولايات المتحدة، ولقدرتها على إصلاح الذين جنحوا، ويفتح باب النقاش واسعاً أمام الرياضات العنيفة وجمهورها الأعنف احياناً أكثر من اللاعبين أنفسهم.آدم ساندلر ممثل موهوب وعرف كيف يمسك بدوره ويستفيد من العمل مع مخرج بحجم بيتر سيجال يضع أهداف فيلمه ويصور أبعادها وعمقها برمزية تشي باحتراف حقيقي.
حسين قطايا