هناك مدن لا يمكنك أن تختصرها بوصف واحد. فيينا إحداها، حيث المشهد، في عمقه، يراوغ التعبير وحيث الإحساس يتحايل على الكلمة. شركة «طيران الإمارات»، ومنذ ما يزيد على عام، لا تتوقّف عن الترويج للمدينة بوصفها وجهة سياحية تليق بالاكتشاف، وبخاصة من قبل السياح الخليجيين، والإماراتيين تحديدا، والذين لا يزال موطئ أقدامهم في العاصمة النمساوية أقل منه في عواصم أوروبية أخرى.
«الإمارات للعطلات»، وبالتعاون مع فنادق «هيلتون» استطاعتا، عبر تقديم عروض مغرية لا تزال سارية، أن تقلبا المعادلة هذا الصيف، وتحرّضا من يرغب بتمضية أيام هانئة وليال أنيسة، كما تقول الأغنية القديمة، الذهاب إلى فيينا التي شكلت لعقود طويلة، ولا تزال، مكانة القلب في الجسد الأوروبي.
قلب تترتب دقاته على إيقاع المعزوفات الشهيرة لبيتهوفن وشتراوس وشوبارت والأفكار الثورية للعالم سيغموند فرويد، والأهم أمان وسلمية المكان الذي يتخذ من الوردة شعارا وطنيا يرمز لروحيته: «فلاوير مينز باوير»، يقول أهالي النمسا وكل من عبر في أحياء يفوح في أجوائها عبق تاريخ الإمبراطوريات الغابرة، كما روائح الشوكولاتة ونكهة فطائر «الشترودل» المحشوّة بالمشمش.
«البيان» كان لها حظّ الحصول على مقعد على متن طائرة «طيران الإمارات» التي تتجه يوميا من دبي إلى العاصمة النمساوية، والإقامة هناك لأيام ومن ثمّ العودة بذكريات مؤثرة ومشاهدات غزيرة، يتّسع المقام لبعضها فيما يلي.يضع صندوقة ألوانه على الحافة الرخامية. يتأمل في التمثال قبل أن يخط بريشته المشبعة بالصباغ الأخضر شكل التمثال على لوحته الصغيرة. يدور السياح حوله.
يلتقطون الصور التذكارية على خلفية التماثيل التي تتوسّط بركة الماء. لكنّ الرسّام لا يأبه، فهو مأخوذ إلى عالمه الخاص، وساحة «سانت ستيفن» تتسّع لكثير من العوالم الخاصة، بالرغم من كلّ الصخب والزحام اللذين يملآنها ويوحيان، للوهلة الأولى، أن الأمور تختلط فيها وتضيع التفاصيل. هي الساحة الرئيسية في وسط المدينة، والتي تتسع للمحلات التجارية الفخمة وأرقى العلامات في مجال الألبسة والأزياء، كذلك أكشاك البيتزا والشاورما الصغيرة.
ومن الباعة المتجوّلين إلى المهرجين والفرق الراقصة وعازفي الموسيقى، وكلهم يضعون قبعات أو صناديق صغيرة إلى جانبهم على الأرض ينتظرون «الهدية» (بضعة يوروات) بعد انتهاء «الوصلة» وتصاعد تصفيق الجمهور. ذلك الرجل الذي دهن نفسه بصباغ أبيض وحمل سيفا ذهبيا، متشبها بقادة الرومان، كان يطلب من الراغبين بأخذ صورة تذكارية معه أن يدفعوا مسبقا «إن لم يكن لديك كاش، أقبل شيكات أو حتى «كريديت كارد!».
ترقص الفتاة، التي لا تبدي ملامحها أنها عربية، على أنغام «الستيريو» الذي تجرّه معها. تحمل حبلا وتعيّن مساحة تتحرّك في وسطها تاركة للجمهور أن يتجمّع خارج حدود الحبل. تتلوّى على أنغام الموسيقى الشرقية وتلقى تصفيقا بين البعض وامتعاضا لدى البعض من العرب الذين وصفوها «بالمدعية التي لا تعرف الرقص الشرقي على أصوله».
عشرات من عربات الخيل تجمّعت عند مدخل الكنيسة القوطية العتيقة، لتنقل الراغبين باستطلاع المدينة عبر الطريق الدائري (رينجستراس) الذي يلف مركز المدينة مرورا من أمام أشهر وأجمل مبانيها التاريخية، ومتحف التاريخ الطبيعي ومتحف الفنون الجميلة. ثمة مناطق لاستئجار الدراجات التي يهوى أهالي فيينا ركوبها والانطلاق على طول شارع كارنترستراس.
محطة المترو في وسط الساحة، ولن يحتاج الأمر لأكثر من بضعة دقائق كي يتم الانتقال من وسط المدينة إلى أوبرا شتاتسوبر وقصور أسرة هابسبورغ التي حكمت النمسا لسنوات طويلة. مترو الأنفاق أيضا يصل إلى نهر الدانوب حيث القوارب الشراعية تنتظر الراغبين برحلة هانئة وسط الطبيعة الخلابة.
* دبي.. بالألمانية
«من أين تأتي؟». «أعيش في دبي». و «انديرفول». يقول لك النمساوي بحماسة من يعرف جيّدا المكان الذي تأتي منه ويهتم لأمره:» أعرف الكثير عن فخامة الفنادق هناك، وعن الازدهار الذي تعيشه المدينة. أتمنى أن أزورها قريبا»، يقول كريستيان الذي يعمل في متحف يهتم بالآلات الموسيقية. باستثناء دبي، لا يعرف كريستيان الكثير عن المنطقة:» في المكتبات عندنا، أصادف دوما كتبا سياحية تتحدث عن دبي ومجلات تنشر صورها على الأغلفة».
بالقرب من حديقة «ستاد بارك» المركزية في قلب المدنية، وفي الطريق إلى الكاتدرائية القوطية التي ترابض في مكانها منذ مئات السنين، بالإمكان مصادفة الكثير من المكتبات التي تعرض المطبوعات وأقراص الموسيقى التي تحمل أسماء مقطوعات بيتهوفن وموتسارت وشتراوس. يتصفّح المسؤول عن مساعدة الزوار في المكتبة مطبوعة سياحية نشرت صورة فندق «برج العرب» على غلافها، خلفية لعناوين خطت باللغة الألمانية، ويسارع إلى القول:» كثير من الزبائن يسألون عن دبي ويشترون أدلة سياحية تتحدث عن المدينة».
في المبنى الملاصق لفندق «هيلتون فيينا دانوب»، تعلّق إحدى وكالات السفر على زجاجها الخارجي أوراق صفراء تتحدث عن عروضات سفر مغرية إلى وجهات متعددة في أوروبا. بين الأوراق، ثمة أكثر من إعلان يرتّب لبرامج سياحية في دبي.لكنّ الأمر لا يقتصر على العروضات التجارية، فإن لم يكن النمساوي يعرف عن دبي بحكم اطلاعه أو زيارته لها، فإنه لا بد أن يكون له صلة إنسانية بها.
فوالتر، وهو كاتب وصحافي نمساوي يتنقّل بمعطفه الأنيق ويتحدّث بلهجة رصينة تليق بالمثقفين، يحضّر كتابا جديدا عن دبي سينشره قريبا باللغة الألمانية ويترجم إلى الانجليزية والفرنسية. سبق له أن عاش وجال لأكثر من عشرين سنة في المنطقة ودوّن ذكرياته في كتاب ينتشر على رفوف المكتبات في دبي وفيينا ويتحدث عن الأسواق الشعبية في دول الخليج كافة:» هي مدينة جميلة، وقد سعدت بالكتابة عنها».
من جهتها، تقول ديانا، وهي مرشدة سياحية انجليزية الأصل تعيش في فيينا منذ زمن طويل وتعمل حاليا مع هيئة السياحة النمساوية أنها زارت دبي آخر مرة في نهاية الثمانينات وأعجبت آنذاك بلطف سكانها واستعدادهم لتقديم المساعدة للزائر من دون أي مقابل:» أعرف أن أمورا هائلة قد تغيّرت منذ ذلك الحين، والمدينة تطوّرت بشكل دراماتيكي، لذلك أرغب بزيارتها في القريب العاجل».
في الطابق العلوي من مبنى «بيت الموسيقى» النمساوي الشهير، والذي هو كناية عن متحف صغير يعرّف الزائرين بإرث فيينا الموسيقي وثقافة الآلات وابتكاراتها، يتذوّق الراغبون طعاما شهيا للغاية في مطعم يركّز على المطبخ النمساوي. تقول كاتي، التي لم تتجاوز الخامسة والعشرين من عمرها، إنها سبق وأن تقدّمت بطلب عمل على متن «طيران الإمارات»، وأنها ترغب بإعادة المحاولة مرة أخرى:» أعمل الآن في شركة طيران أخرى، لكنني أعرف أن الشركة الإماراتية هي خياري الأمثل في هذا المجال».
يعرف كثير من أهالي فيينا إذا الكثير عن دبي، لكنهم، ولمفارقة الأمر، يعانون من مأزق معرفي يطالهم «شخصيا». إذ هم يبدون انزعاجهم من البعض الذي قد يخلط بين «أوستريا» (أي النمسا) وبين «اوستراليا». يقول كريستيان:» في تايلاند سألني أحدهم من أين أنت. قلت بفخر من أوستريا.
قال: نعم، أحب أوستراليا كثيراً، وسبق لي أن زرتها أكثر من مرة... هذا الأمر يثير حفيظتي كثيراً، لقد كنّا امبراطورية حكمت دولاً، ثم يأتي هذا السؤال الذي يدفعني إلى الجنون»، يقول مذكّراً، بتشابه لافت وغريب، بأزمة بطلة باولو كويلو فيرونيكا في كتابه «فيرونيكا تقرر أن تموت»، التي أرادت الانتحار لأن صحافياً بدأ مقالة، كتبها عن بلدها، بعبارة: «أين تقع سلوفينيا؟».على أي حال، في فيينا، تمتلئ المكتبات ومحلات الهدايا بقمصان صفر كتب عليها: «نحن من أوستريا وليس لدينا كينغارو!».
* تحت المظلة الأنيقة
تتذكّر كاترينا كينغ كيف أن مغنّية الأوبرا الشهيرة قد طلبت تغيير ألوان أثاث الغرفة كاملة قبل أن تحلّ في الفندق. تقول، بلكنة استرالية، وهي تجلس إلى الطاولة الأنيقة في مطعم «لا سكالا» la scala في فندق «هيلتون فيينا بلازا» الذي تخيّم عليه أجواء ملوكية، «للناس فيما يهوون شؤون». وبعيدا عن ذوق مغنيات الأوبرا، اللواتي تعجّ بهنّ العاصمة النمساوية، فإن ألوان الأثاث في الفندق الذي تديره كينغ، وجدرانه ومحتوياته تتميّز، فعلا، بأنها على قدر عال من الأناقة والإبهار.
الخشب الذي يغطي الأسقف، المعدن الفضي الذي يزنّر الجدران، الإضاءة الخفيفة المتواطئة مع رفاهية فندق تصل سعر ليلة الجناح فيه إلى 1900 يورو في المواسم المكتظة.. كل ذلك يلقي في النفس تأثيرا هائلا من الحميمية وألفة المكان الذي يشبه فيينا بلمسات الإبداع الفنّي التي تتوزّع في كل مكان:» هناك ألف قطعة فنية في أرجاء الفندق، كأننا في متحف. زوار الفندق هم من فئة الملوك والأمراء والقادة:» سعوديون، قطريون، كويتيون وإماراتيون يأتون إلينا».
«دانكيشون»، تقول كينغ للنادل الذي وضع طبق «شوربة الكابوتشينو» لتوّه على الطاولة. «دانكيشون» تعني شكرا باللغة الألمانية التي يتحدّث بها أهالي النمسا:» أهل المدينة هنا ينامون باكرا، لكن المدينة لا تنام أبدا، ومن المتاحف إلى القصور إلى دور الموسيقى والأوبرا وحفلات الباليه والرقص، وصولا إلى المقاهي وأماكن السهر.. بوسعك أن تنشغل طيلة اليوم».
نوربرت ليسنغ، مدير عام فندق «هيلتون فيينا دانوب» وهو الثاني من سلسلة فنادق ثلاثة تحمل العلامة التجارية «هيلتون» في فيينا، هو بالفعل رجل مشغول طوال الوقت. صباح يوم الجمعة، الذي تلا تفجيرات لندن أوائل شهر يوليو، لم يكن بالإمكان محادثته لأكثر من ربع ساعة:» سائح اليوم قد يتأثّر بالاضطرابات الأمنية.
لكنه بات مقتنعا أنه ليس بوسعه الحصول على بوصلة ترشده إلى الأمان المطلق. بعد تسونامي لم يتوقف السياح من التوافد على تايلاند وشواطئ آسيا، ولم يفعلوا ذلك بعد تفجيرات مدريد ولن يقاطعوا لندن. اذا سألتني عن الأمان، سأقول لك ان الإجابة صعبة وأن الناس لا يتوقفوا عن طلب الترفيه وتجربة السفر مهما كانت».
على مدى أكثر من أسبوع، لم يتوقف هدير المؤتمرات في الفندق الذي يضم أكبر صالة مؤتمرات بالنمسا ويحوي 579 غرفة وجناحا:» نحاول أن نعطي سمة الأعمال لهذا الفندق، لكنني شخصيا لا أؤيد سياسات الفصل التي تتبعها الفنادق في العالم اليوم بين الأعمال والترفيه، اذا قلنا هذا الفندق فقط للترفيه والعطلات، ماذا نفعل طيلة شهور أربعة توصف عادة بالمواسم السياحية الكسولة؟».
يكشف ليسنغ أن معظم فنادق النجوم الخمسة في فيينا غير مصنّفة رسميا ضمن هذه الفئة:» المسألة تقنية. فالمواصفات العالمية تقول بضرورة الفصل بين غرفة الحمام وغرفة الدوش، كي ينال الفندق تصنيف النجوم الخمسة، وهو أمر مستحيل لأنه يتطلّب استخدام مزيد من المساحات». وبالرغم من ذلك، يقبل العملاء على اختيار «هيلتون» لأنهم «على خبرة مسبقة بالعلامة التجارية والارتباطات الخاصة بها».
وفي الوقت الذي يتوافد فيه السياح من النمسا وألمانيا والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وإيطاليا واسبانيا بشكل خاص على الإقامة في فنادق هيلتون بفيينا، فإن ليسنغ يأمل أن تساهم شراكة الفندق مع «الإمارات للعطلات» باستقطاب متزايد للسياح الخليجيين وتحديدا الإماراتيين:» لدينا مشاريع مشتركة سوف ننفذها في الفترة المقبلة».
بمحاذاة حديقة «ستاد بارك»، حيث يقبع تمثال الموسيقي الشهير شتراوس الذهبي، واضعا ذقنه على كمانه منذ عشرات السنين، تمرّ العربات التي تسيّرها أحصنة يترك صوت وقع حوافرها على الرصيف المقابل للفندق، انطباعا مؤثرا في النفس يذكّر بصوت المطر. يقدّم موظف الاستقبالات في الفندق، للراغبين، مظلة زرقاء عليها إشارة هيلتون:» قد تمطر اليوم، وأنصحك سيدي بهذه المظلة الأنيقة»!.
فيينا ـ تحقيق وتصوير إبراهيم توتونجي