قال محللون اقتصاديون إن اقتصاد منطقة البوسنة والهرسك التي عانت لفترة طويلة من ويلات الحروب الأهلية يمر بمرحلة مخاض خطيرة. وبعد أن كانت المنطقة الجبلية الواقعة في جنوب شرق أوروبا تئن من آلام الدمار الاقتصادي قبل عشر سنوات فقط من الآن برزت مؤشرات عديدة على حدوث انفراج نسبي في الكثير من القطاعات الاقتصادية. حيث ارتفع إجمالي الناتج المحلي للبلاد بمعدل ثلاثة أمثال.
كما ازدادت الصادرات السلعية بمعدل عشر مرات، واستقرت الأسعار، مع ثبات معدل التضخم تحت نسبة واحد في المئة. وتمت إعادة تأهيل المدارس والطرق والعيادات الصحية والمنازل. وكان البنك الدولي قد أعاد تصنيف البوسنة والهرسك في العام الماضي من بلدٍ خارجٍ من الصراعات إلى بلدٍ سائرٍ على طريق التحوّل إلى نظام السوق.
لكن وعلى الرغم من استعادة الاستقرار وإعادة بناء البنية الأساسية، لا يزال هناك الكثير مما يتعين القيام به. ومن أهم وأصعب المهمات النجاح في تحويل البلد إلى اقتصاد السوق، وتشجيع التعاون الإقليمي، والمُضي قُدماً نحو التكامل مع أوروبا والانفتاح أمام الأسواق العالمية.
وحتى الآن لم يصل الاقتصاد بعد إلى المستوى الذي كان عنده قبل اندلاع الحرب. فالقطاع الخاص ضعيف نسبياً، كما أن الإنفاق الحكومي يستنفد نحو 50 في المئة من إجمالي الناتج المحلي. وتشهد بيئة أنشطة الأعمال التجارية تحسناً مستمراً، ولكنها لا تتميز بالملاءمة بالنسبة للمستثمرين على النحو المطلوب الذي يستقطب الاستثمارات المباشرة الأجنبية الضرورية لتعزيز النمو الاقتصادي.
ويحتاج الاقتصاد إلى أن تحقق معدل نمو يبلغ على الأقل 7 في المئة سنوياً، وذلك لإحداث تأثير في المستويات المرتفعة للبطالة والفقر. وعلى الرغم من انخفاض معدلات الفقر والبطالة بصورة مطردة على مدى السنوات العشر الماضية، إلا أنها لا تزال مرتفعة. فحوالي 18 في المئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، كما أن أكثر من 30 في المئة معرضون بشكل كبير لصدمات على مستوى دخولهم، من شأنها الزج بهم إلى هوة الفقر. وتقتنص البطالة أكثر من 20 في المئة من السكان.
وتحتاج البوسنة والهرسك إلى تسريع خطى الإصلاح التي تضطلع بها إذا كانت ترغب في اللحاق بالبلدان التي تمر اقتصاداتها بمرحلة انتقالية في منطقة البلقان ومن ثم منافستها، وهي بلدان تسعى جاهدة أيضاً إلى تعميق تكاملها مع أوروبا. لأن البوسنة فقدت عشر سنوات في الحرب.
وتشمل الإصلاحات الضرورية المطلوبة تسريع إجراءات تسجيل شركات الأعمال التجارية، وتحسين نظام التفتيش، وتطبيق قوانين إشهار الإفلاس، والاستمرار في إعادة الهيكلة المؤسسية في خصخصة مؤسسات الأعمال الإستراتيجية.وفي الجانب الإيجابي، تمت خصخصة القطاع المصرفي بنجاح، ويُنظر إليه الآن كواحدٍ من بين أقوى القطاعات المصرفية في جنوب شرق أوروبا.
وتحتاج المنطقة كذلك إلى المزيد من تحسين التكامل الاقتصادي بين جمهورية صربسكا واتحاد البوسنة والهرسك، وهما كيانان يشكلان هذا البلد. كما تحتاج إلى تقوية مؤسساته العامة وتحسين نظام الإدارة العامة وكبح الفساد. وقد بدأت الحكومة بنجاح في إصلاح القطاع الاجتماعي، ولكنها في حاجة إلى إقامة شبكات أمان اجتماعية أفضل تستهدف الفقراء، وتحسين تقديم الخدمات الاجتماعية. وتشمل المجالات الأخرى التي ينبغي إجراء تحسينات فيها كلاً من نظامي التعليم وخدمات الرعاية الصحية ضمن جدول أعمال شامل.
ووفقاً لتقرير أعده البنك الدولي فهنالك الكثير من العوامل التي يمكن أن تسهم بشكل مباشر في تعزيز الاستقرار الاقتصادي في المنطقة، من أهمها الانتقال من تقديم المساعدات المعنية بالفترة التي تلي انتهاء الصراعات، إلى وضع استراتيجية نمو متوسطة إلى طويلة الأجل، مما يؤدي إلى تحقيق نمو اقتصادي قابلٍ للاستمرار من تلقاء نفسه، وقطاع عام قابل للاستمرار من خلال الإصلاحات الهيكلية والاستثمارات الرئيسية.