بالرغم من الإنفاق الضخم عليه، فالظاهر أن الإعلان لم يتقدم كثيراً في جوهره عما كان عليه منذ قرون أربعة خلت، عندما كان لا يعدو كونه مجرد قطعة خشب تعلق على واجهة محل عمومي، للدلالة على ما تقدم فيه من أطايب، ما حلل منها وما حرم. ويخال للرائي: أن القسط الأوفر من الإعلانات يتكون من جمل تكرارية، لأسماء تجارية، لاتني عن مخاطبة عقول عموم الناس، وليس المستهلكين الأذكياء وهذا ما دأبت عليه الإعلانات الدعائية، عند اختراع وسائل الإعلام في بواكير القرن التاسع عشر.
والظاهر أن هذه النوعية من الإعلانات، لن تعمر طويلاً، وفي الوقت ذاته من المستحب التنويه بسلسلة جديدة من الملصقات الإعلانية الحديثة، لمنتج عصري، مثل مسحوق الغسيل برسيل. والمعروف أن برسيل ماركة تجارية، تشترك فيها في أوروبا شركتا تصنيع متنافستان «آنجلو ـ دويتش يونيلغر» في بريطانيا و «هنيكل» في ألمانيا. وقد عجزت إحداهما عن شراء الأخرى.
وقد لا تبدو إعلانات برسيل لافتة للوهلة الأولى، غير أنها تتضمن محتوى يسترعي انتباه كل أم، دون ذرة عاطفية تصحب عادة كل أنواع الإعلانات الخلاقة عند تفكيرها بالأسر.موضوع برسيل يتعلق بأطفال في الإعلان يمارسون أنشطة النشء العادية، ويوسخون ثيابهم خلالها، ويقول الإعلان:« برسيل ينظفهم من جديد» وهكذا، فإن الإعلان، لا يحمل صفة الإدعاء، ولا الهلع، وإنما يلامس خوف الأم الذي يتحول إلى تقدير.
وقد استخدمت «يونيلفر» حملة مماثلة تحمل نفس الطابع في تركيا خاصة بمسحوقها الآخر ويذكر ذلك، بما كان يحدث في برلين الشرقية منذ 18 شهراً، وكان بعد إطلاق الفيلم الناجح «وداعاً لينين» الذي يتحدث عن الحنين إلى القيم الضائعة، والبضائع الاستهلاكية لألمانيا الشرقية البائدة.
خصوصا المخللات، وأدوات التلميع، ويتحدث كاتب المقال، وهو بيتر داي، المذيع في راديو الرابعة التابع لـ «بي بي سي» قائلا: ذهبت لرؤية ما يحدث في الشرق بعيون رجل إعلان ألماني شاب يدعى الكسندر ما خان، كان ألمانياً شرقياً نصفه روسي. وكان يافعاً عند سقوط جدار برلين. عبر الحدود، وقدم خدماته إلى محطة تلفزيونية في برلين الغربية، ثم دخل مجال السينما والإعلان.
وقد تخصصت شركته في الإعلانات ذات الاتجاه الألماني الشرقي وقد «أبلغني أن علماء الإنسان يوحون بأن الألمان الشرقيين يحملون صفات القبيلة».ويضيف: «أظهرت الدراسات أننا نجلس مثلاً صفين في القطارات أكثر من الغربيين، ولا نلعب الجولف، ولا نعرف ألماناً غربيين، باستثناء الرؤساء وعلى شاشة التلفزيون».
ويلاحظ الكسندر أن الإعلانات يجب أن تكون مختلفة عند الإعلان للألمان الشرقيين الذين كانوا قانعين بسلعهم وعلاماتهم التجارية وقد أحسوا بالألم عندما اختفت مع جدار برلين.وقد جاءته الشركة بمشكلة قائلين إنهم لا يصلون إلى المستخدمين المحتملين في الشرق، وطلبوا مساعدته. وكان شعار بيرسيل أنها أكثر النظافة بياضاً في العالم.
ويظهر إعلانها سيدة ألمانية في العمل وقد بانت في أجمل حلتها وكامل صحتها. وفي الخلفية منزل براح يمتليء بأحدث الأجهزة فما كان منه إلا أن أعد إعلاناً للشرقيين يقول بكل تواضع «الأفضل لكل الألوان» وقد نجح. وقد كان ذلك حال النمساويين الذين ضجوا بالإعلانات الألمانية الغربية سنين. وطالبوا بالإعلان الخاص بألمانيا الشرقية.
ويتضح من ذلك أن الألمان الشرقيين لديهم تطلعاتهم وآمالهم. وكان ذلك أكثر جلاء عند إبلاغهم الرئيس الألماني أنهم لا يتوقعون مستويات المعيشة التي ينعم بها مواطنوهم في الغرب وهذا قد يكون حال الجميع، فنحن قد نكون مستعدين لنوع جديد من الإعلان. إعلان يتجاهل مزاعم الكذبة الكبرى، ويحترم عقل الفرد.
ترجمة: وائل إبراهيم الخطيب