رغم تاريخها العريق الضارب في جذور العصر الحجري الحديث عام 6800 قبل الميلاد، ورغم روائعها الطبيعية ومناظرها الخلابة وطقسها المعتدل وموقعها الأقرب إلى المنطقة، وعلاقاتها التجارية والاقتصادية القوية مع العديد من الدول العربية، إلا أن كل هذا لم ينجح في تحفيز السياح لشد الرحال إلى تلك الجزيرة الواقعة في البحر المتوسط إلا منذ سنوات قليلة فقط عندما بدأت تلمع كلؤلؤة سياحية جديدة في أحضان مياه المتوسط الدافئة.

وبعد إدراك قد يكون متأخراً من قبل المسؤولين عن السياحة القبرصية لأهمية أسواق الشرق الأوسط والخليج العربي، قامت قبرص بتكثيف تواجدها في المنطقة من خلال افتتاح مكتب لها في دبي مهمته الترويج والتسويق لهذا الكنز السياحي الذي مازالت إسراره مجهولة للكثيرين منا. ومنذ اللحظة الأولى التي بدأت فيها السياحة القبرصية الكشف عن مفاتنها سواء من خلال مشاركتها في المعارض السياحية أو من خلال وسائل الإعلام، بدأ الشغف بها يتزايد من قبل السياح العرب والخليجيين بعد أن فتنهم تاريخها وعراقتها فقرروا أن يطيروا إليها مع رحلات العصافير المهاجرة التي تقصدها بين الحين والآخر لتكون مقرا لها في ترحالها.

و مع بلوغ موسم السياحة أوجه، وعلى الرغم من أن سوق السفر يبدو مليئاً بالعروض المختلفة وخاصة تلك التي تشمل المدن الأوروبية المعروفة على النطاق السياحي وبعض المواقع الآسيوية المهمة، إلاّ أن هناك وجهة سياحية جديدة أصبحت تحتل مكانة عالية في الاهتمامات السياحية لجمهور المسافرين المنطلقين من دولة الإمارات وهي قبرص، جزيرة الجمال الأخاذ والحب والبهجة.

وبفضل موقعها الفريد في شرق المتوسط وعلى بعد 3 ساعات فقط من دبي أصبحت قبرص خياراً مفضلاً للرحلات قصيرة الأمد من دول الخليج العربي، إلى جانب كونها مقصداً سياحياً تقليدياً مميزاً للزائرين الأوروبيين. إن قبرص مهيأة تماماً لاستقبال جموع المسافرين نظراً لإجمالي عدد السياح البالغ حوالي مليونين ونصف المليون سنوياً (مع أن عدد السكان لا يتجاوز 800 ألف نسمة).

ويقول فاسيليس ثيوخاريديس رئيس مكتب منظمة السياحة القبرصية في دبي إن حركة السياحة الوافدة إلى قبرص من دول الشرق الأوسط ومنطقة الخليج بشكل عام ودولة الإمارات على وجهه الخصوص سجلت نموا كبيرا بعد افتتاح مكتب دبي الذي كان بداية لتشين مرحلة جديدة من الترويج السياحي لهذه الجزيرة الساحرة والتي عرفت بتاريخها العريق كواحدة من أجمل القصص الأسطورية.

وتعدّ قبرص، بمناظرها الطبيعية الخلابة وشواطئها الرملية وأشجار السرو المهيبة التي تنمو في مناطقها الجبلية وبسكانها الذين يتصفون بالابتسامة الدائمة والترحيب بالزوار، بمثابة إضافة جديدة في جملة الخيارات السياحية المتاحة أمام السائح الخليجي.

ومن جانبه يؤكد هراش كل سحاكيان مدير المبيعات والتسويق في المكتب السياحي القبرصي في دبي أن قبرص بدأت تهتم بتقديم البرامج السياحية المتكاملة والتي تلبي متطلبات واحتياجات السائح الخليجي الأمر الذي يمكن معه اعتبار قبرص خياراً مناسباً وعظيماً للرحلات العائلية المطوّلة والتي قد تكون مسببة للإرهاق أو الملل في أماكن أخرى ولكن بالنسبة لقبرص فالأمر مختلف تماماً نظراً لما يقدمه البلد من خدمات وفعاليات متنوعة.

ويؤكد هراش على أهمية تكثيف حضور السياحة القبرصية في المنطقة العربية، كي تتمكن من أن تصبح وجهة جديرة بالاهتمام ومصدر إغناء للتجربة السياحية للأفراد والعائلات على حدّ سواء وهذا هو التوجه الحالي الذي تكون به منظمة السياحة القبرصية من خلال مكتبها في دبي.

* تاريخ عريق

وبنظرة سريعة علي تاريخ هذه الجزيرة الصغير نجد أنها كانت على الدوام مركزاً تجاريا متوسطاً بين أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط. وتعاقبت القوى في السيطرة عليها مثل الفينيقيين والمصريين والآشوريين والفرس ثم اختطفها الاسكندر المقدوني من قبضتهم. واستولى عليها الروم في العام 58 ق.م ثم دخلها البيزنطيون والإمبراطورية الإسلامية. وفي العام 1191 توقف هناك الصليبي ريتشارد قلب الأسد في طريقه إلى الشرق ولكن القبارصة أثاروا له المشاكل عندما قتلوا صقره المدلل فأجبر على ذبح قرى بكاملها كردة فعل.

واستولى عليها الفينيقيون في العام 1489 ثم اجتاحها العثمانيون في العام 1571 وبقيت قبرص تحت حكمهم لمدة ثلاثة قرون قبل مجيء البريطانيين. وضاق القبارصة ذرعاً بجعل جزيرتهم موطئ قدم للطامعين في إقامة الإمبراطوريات وبدأ التوجه نحو تقرير المصير وأرست هذه أساساً للصراع بين اليونانيين والأتراك الذي ما زال ماثلاً حتى الآن على شكل جمهوريتين متنافرتين.

ويعتز القبارصة بتراثهم الثقافي الذي يعود إلى أكثر من تسعة آلاف سنة ولكن قد تكتشف أن قبرص تهتم اليوم بأحداث السنوات العشرين الأخيرة أكثر من ألف سنة سابقة. وينشغل الجزء الشمالي من الجزيرة بإعادة صياغة نفسه حسب التصور التركي وذلك بتبني الأسماء والثقافة التركية.وأما الجمهورية في الجنوب فإنها تعيد تشكيل كل شيء لينسجم مع الثقافة اليونانية. وأياً كان الموقف الحالي فإن مخلفات التاريخ اليوناني مازالت تتناثر في أرجاء الجزيرة. هناك شواهد على كل حقبة تاريخية.

معابد إغريقية وفسيفساء رومانية وتأثير للوحات الجدارية في القرن الخامس عشر على الفنانين المعاصرين. وتتخصص العديد من القرى في أحد أنواع الفن وحيثما تجولت في قبرص ستشاهد الأعمال الخزفية والمصنوعات النحاسية والفنية ونسج السلال والمطرزات. ومثل أي شيء آخر في قبرص ينقسم الناس على جانبي الخط الأخضر حسب الدين.

ففي الشمال مسلمون سنة وفي الجنوب يونانيون أرثوذكس. ويعكس الطعام أيضا هذا الانقسام ففي الشمال يتمسك الناس بالمطبخ التركي بينما الطعام في الجنوب يحمل نكهة يونانية. وتشتهر قبرص بفواكهها التي توفر لها الحكومة الحماية عن طريق حظر الاستيراد، وتجد هناك الكرز البري والبطيخ والحمضيات والعنب والأجاص واللوزيات.

* البيئة

يوجد في جزيرة قبرص العديد من أصناف النباتات التي لا توجد في أي مكان في العالم غير قبرص. وتوجد ثلاث بيئات مختلفة في قبرص: سلاسل الجبال والسهول الساحلية والأرض الزراعية. وتروى السهول الساحلية بواسطة جداول المياه الموسمية التي تغذي حقول الموالح ولكن الحياة النباتية والحيوانية عموماً تراجعت بسبب السياحة. ومن أفضل المناطق لمشاهدة الحياة البرية المناطق الجبلية وشبه جزيرة أكاماس التي رغم أنها محميات طبيعية رسمية إلا أنها تقوم بدور مشابه. ولكون الشمال أقل جذباً للسياح فإن الحياة النباتية والحيوانية لا تزال أكثر ثراء.