شهدت أروقة منظمة التجارة العالمية نشاطاً محموماً خلال الأسبوع الماضي، وبدأت المنظمة في بحث قضايا تجارية مهمة مثل مسألتي تحرير التبادل التجاري العالمي والنزاع الشهير بين عملاقي صناعة الطيران «بوينغ» الأميركية و«أيرباص» الأوروبية. وتتاح أمام المدير العام لمنظمة التجارة العالمية سوباتشاي بانيتشباكدي فرصة مهمة لتحريك المفاوضات حول تحرير التبادل العالمي قبل أن يسلم المهمة لخلفه باسكال لامي.
وبدأت المنظمة منذ أمس في التحضير للمؤتمر الوزاري الذي سيعقد في هونغ كونغ في ديسمبر المقبل. ويتداول سفراء الدول الأعضاء ال148 حالياً في جنيف حول مختلف القضايا المهمة التي تشغل بال الدوائر الاقتصادية العالمية. ويرى المحللون أنه إذا ما خرج اجتماع جنيف دون التوصل لاتفاق محدد أو إحراز تقدم على الأقل في القضايا الخلافية، سيكون من الصعب جدا التوصل إلى توافق قبل مؤتمر هونغ كونغ الذي قد يتحول إلى مواجهة بين الشمال والجنوب مثلما حصل خلال المؤتمر السابق في كانكون المكسيكية في عام 2003.
وحذر سوباتشاي مطلع الأسبوع في مقالة نشرتها «وول ستريت جورنال» بالقول «قربوا وجهات نظركم حول المسائل الجوهرية مثل الوصول إلى أسواق المنتجات الزراعية والصناعية أو جهزوا أنفسكم لمفاوضات أكثر توترا وصعوبة في الخريف».ومن المرتقب أن تتخذ دورة المفاوضات التي كان يفترض أن تنتهي السنة الماضية، إطارها النهائي في هونغ كونغ قبل أن تتم المصادقة عليها بشكل نهائي في نهاية 2006، وذلك بعد خمس سنوات على إطلاقها في الدوحة (قطر).
وتجري المواجهة بين الدول النامية التي تطالب بتحرير التبادل الزراعي والدول الغنية التي تطالب بانفتاح اكبر لتجارة المنتجات الصناعية والخدمات.وكان يفترض في بادئ الأمر أن يؤدي اجتماع جنيف إلى تحديد مسودة الاتفاق الذي سيعرض على الوزراء في هونغ كونغ. لكن بسبب عدم التوصل إلى توافق سيكتفي سوباتشاي بتقديم تقرير نهائي يستعرض وضع المفاوضات.
وتلقى مدير عام المنظمة التايلاندي دعما كبيرا من جانب القوى الكبرى في العالم لدى مشاركته في مطلع الشهر في قمة مجموعة الثماني في اسكتلندا. ودعت الدول السبع الغنية وروسيا إلى إلغاء كل أشكال دعم تصدير المنتجات الزراعية متبنية مطلباً قديماً للدول النامية.لكن سوباتشاي عبر عن أسفه لكون الدفع الذي أعطى على المستوى السياسي لم يترجم بتقدم ملموس على مستوى المفاوضات في جنيف.
ولا تزال المسألة الأكثر صعوبة هي مسالة خفض الرسوم الجمركية على المنتجات الزراعية التي تمثل موضع خلاف بين ابرز قوتين تجاريتين في العالم. فالأوروبيون يبدون استعدادهم لإحراز تقدم في هذا المجال إذا خفضت الولايات المتحدة مساعداتها للمزارعين لكن واشنطن رفضت هذه الصفقة.
وفي هذا الإطار قال مسؤول تجاري أميركي كبير إن بلاده تنفق ثلث ما ينفقه الأوروبيون على دعم المزارعين، لكن الأوروبيين يطالبون الجانب الأميركي بتنازل أحادي الجانب في هذه المرحلة في مجال الدعم الداخلي. وتبدو الولايات المتحدة غير راغبة في القيام بتنازلات في وقت يصدر مجلس النواب الأميركي اليوم قرارا حول مشروع إقامة منطقة تبادل حر مع أميركا الوسطى سبق أن واجه انتقادات شديدة من قبل النواب الأميركيين المؤيدين للحمائية.
ومن المرتقب تنظيم حفل انتقال السلطات غداً الجمعة بين سوباتشاي ومفوض التجارة الأوروبي السابق باسكال لامي الذي عين في مايو مديرا عاما لمنظمة التجارة العالمية.ولامي الذي سيتوجه بكلمة في اليوم نفسه أمام الاجتماع العام لن يتولى مهامه إلا في الأول من سبتمبر بعد عطلة أغسطس. وكان لامي قد دعا فور تعيينه الدول الأعضاء إلى عدم انتظار وصوله للتحضير «بجدية كبرى» للمؤتمر الوزاري المقبل. وقال «إذا انتظرنا سبتمبر للتحضير بجدية للمؤتمر، فان مؤتمر هونغ كونغ سيكون فعلا في خطر».
وتبدو المشكلة الأكثر تعقيداً التي تواجه المنظمة في الفترة الحالية هي مشكلة الدعم الزراعي، وتظاهر الثلاثاء أكثر من خمسمئة مزارع أمام مقر المنظمة في جنيف. وطالب المتظاهرون الذين مثلوا قطاع المزارعين السويسريين والنرويجيين واليابانيين والكوريين وبلداناً أخرى بأن تضع المنظمة في اعتبارها أهمية الحفاظ على أصحاب المزارع الصغيرة. وقدم وفد من قبل المتظاهرين وثيقة إلى المنظمة أعلنوا فيها عن مطالبهم التي يرغبون في أن يتم وضعها بالاعتبار في إطار الاتفاق الخاص بتحرير السوق الزراعية العالمية وهو الاتفاق الذي يحاول ممثلو البلدان الأعضاء في منظمة التجارة التوصل إليه ليتم تقديمه أمام المؤتمر الوزاري للمنظمة.
وشددت الوثيقة على انه من حق كل بلد أن تقوم بحماية وتشجيع إنتاج موادها الغذائية لأجل الاستهلاك المحلى وباعتبار ذلك ضماناً لأمن البلد الغذائي وللحفاظ على مستوى معقول من الاكتفاء الغذائي.وطالبت الوثيقة المفاوضين بأن يراعي الاتفاق المزمع التوصل إليه معطيات أخرى في مقدمتها وجوب منح الدول النامية غير القادرة على المنافسة امتيازات خاصة..داعية كل بلد بتحديد عدد كاف من المواد الغذائية التي تستفيد من رسوم جمركية معقولة.
ووصفت الوثيقة تحديد سقف عام للرسوم الجمركية ينطبق على جميع الدول بأنه سيكون أمراً غير مقبول. وطالبت الوثيقة أيضا بعدم إلغاء الاتفاقات التفضيلية التي تدعم الدول الفقيرة، مشددة في الوقت ذاته على حق الدول النامية بأن تحمى نفسها ضد استيراد مواد مستفيدة من الدعم على أن تقوم منظمة التجارة العالمية بالتفرقة بين دعم المواد المستهلكة داخل البلد المنتج والدعم المقدم للمواد التي يتم تصديرها إلى الأسواق الخارجية.