مارست هيام حموي العمل الإذاعي عبر مسيرة طويلة امتدت لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً، ما بين إذاعتي مونت كارلو و«الشرق» اللتين تبثان من باريس. وقامت خلال عملها عبر الأثير، بإعداد وتقديم برامج مختلفة منها «أحلام ذهبية»، «بنك الصداقة»، «أغاني ومعاني» في إذاعة مونت كارلو، و«الهوى هوايا» في إذاعة الشرق.
وهي تعيش اليوم كما تروي لـ «البيان» حالة من انعدام التوازن، بعد أن عادت إلى مونت كارلو، وتركتها دون أن تحصل على مكانها الذي غادرته قرابة عشر سنوات.عن أسباب العودة والغياب يدور الحوار التالي مع المذيعة المخضرمة هيام حموي، التي تزور دبي حالياً لإجراء دورة تدريبية في إذاعة «سي إن إن» العربية.
ـ لم غادرت مونت كارلو مجدداً بعد أن عدت إليها أخيرا؟
ـ اعتقدت أن مشواري الإذاعي الذي بدأ منذ عام 1968 قد انتهى، وكدت أتعود على ذلك، لكن عرضا من الإدارة الجديدة لإذاعة مونت كارلو، التي كانت تحتفل بثلاثين عاماً على تأسيسها، غير الواقع وطُلب مني العودة إلى الإذاعة، لكني وجدت أن كثيراً من الأمور قد تبدلت على صعيد التقنيات والكوادر الشابة، وحتى انتشار إذاعة مونت كارلو لم يعد كما كان، بعد أن تكاثرت محطات الـ «أف إم» في الدول العربية كلها، وبات القائمون على الإذاعة يفضلون الأصوات الشابة على القدامى.
ـ ألا تعتقدين أن الوقت حان لترك الساحة للأجيال الشابة؟
ـ بالتأكيد لست ضد العناصر الشابة، لكن أرى أن هناك شريحة كبيرة من جيلي وأصغر بقليل، يريدون سماع أشياء مختلفة في الإذاعة غير بث الأغنيات طوال الوقت.
ـ هل لقيت مزاحمة من الشباب أيضاً في إذاعة الشرق مما حملك على تركها؟
ـ كانت إذاعة الشرق تحمل توجهاً مختلفاً، فقد كانت تبحث عن المحلية، وكونها تبث من باريس فهدفها كان المهاجرين، ولأن أكثر المهاجرين هناك هم من المغاربة، فقد حاولت الإدارة جعل إذاعة الشرق مغاربية محضة لجهة الكادر الإذاعي، واللهجة المحكية التي أصبحت مزيجاً من العربية والفرنسية، وكذلك الأغنيات التي يتم بثها، مع أن الواقع كان يظهر تناقضاً في ذلك، فالإدارة تقول إن الجالية المغربية تريد أغنيات مغربية، وعندما تبدأ الاتصالات نرى أن المتصلين يطلبون أغاني لعبد الحليم وفريد الأطرش وأم كلثوم.
ـ برأيك لم تراجعت انتشار إذاعة الشرق في منطقة الشرق الأوسط، بعد أن كانت رائدة في فترة من الفترات؟
ـ في الأصل إذاعة الشرق هي إذاعتان اتجهت للمحلية في كل منطقة تبث فيها، وهي كأية إذاعة تجارية تبحث عن المعلن، وبحكم وجودها في باريس فإن التوجه بات محلياً بدرجة أكبر باعتبار أن المعلن صار فرنسياً.
ـ كثيرون ممن عاصروك في إذاعة مونت كارلو والشرق توجهوا إلى التلفزيون، لم كان خيارك الاستمرار في العمل الإذاعي؟
ـ الأشخاص الذين اتجهوا إلى التلفزيون كجورج قرداحي وريتا خوري، هم أصلاً يحبون التلفزيون كوسيلة إعلامية، أما أنا فأحمل خوفاً ووجلاً من الشاشة، وأخجل من مواجهة الجمهور، إضافة إلى أنني في الإذاعة، كنت مشاركة فعلية في البرامج التي أقدمها من الألف إلى الياء، وهذا قد لا يكون متاحاً في التلفزيون. أما السبب الآخر الذي يحول بيني والشاشة الصغيرة، فهو اعتمادها على عنصري الشباب والجمال، وإذا كانت الإذاعة تطلب الشباب فما بالك بالتلفزيون.
ـ ركزت في مسيرتك الإذاعية على البرامج المنوعة والخفيفة، هل كنت تخشين السياسة؟
ـ في بداياتي كانت لي تجربة في إلقاء الأخبار عبر أثير إذاعة باريس العربية على الموجة القصيرة، ومنها أُخذ الكادر الذي عمل في مونت كارلو، كان النظام أن نقدم أخباراً ومنوعات، وعندما قرروا افتتاح إذاعة مونت كارلو استمع المسؤول عن اختيار فريق العمل أنطوان نوفل، إلى الأصوات، وحين سمع صوتي قال: «شو هالصوت الحالم، كيف بدو يحكي عن القنابل والانفجارات»، ومنذ ذلك الزمن توجهت إلى المجال الثقافي والمنوعات وهو مجال يستهويني شخصياً ويتوافق مع دراستي الأدب الفرنسي.
ـ مع سيطرة ثقافة التلفزيون وانتشار الفضائيات من هو جمهور الإذاعة اليوم؟
ـ جمهور الإذاعة هم من يستقلون سياراتهم للذهاب إلى أعمالهم أو إلى أماكن أخرى، أو أولئك الذين يستيقظون في الصباح الباكر، ويريدون معرفة شيء عن العالم دون أن يتكلفوا عناء النظر إلى شاشة التلفزيون، أو أولئك الذين يقطنون في قرى نائية لم تصلها بعد تقنية التلفزة، وهناك توجه جديد للإذاعات وهي البث عبر الانترنت وهذا ربما ساهم في حصد جمهور جديد ومختلف.
ـ هل هناك فارق بين المستمع العربي والغربي، طالما أنك تعرفت على النموذج الغربي أثناء إقامتك في باريس؟
ـ لا استطيع عقد مقارنة كوني لا أزور كثيراً المنطقة العربية، ولكن بالنسبة لأوروبا فإن الراديو مازال يتمتع بدور كبير وله جمهوره المخلص، ودليل ذلك انه مستمر ويجني الأرباح.
ـ هل اكتفيت إذاعيا؟
ـ ربما عشت تجربة إذاعية مختلفة عن الآخرين، فقد كنت عاشقة للإذاعة ولا أزال، عندما أبدأ رحلتي عبر الأثير، أشعر أنني مثل أليس في بلاد العجائب، حين تدخل من المرآة تجد نفسها في عالم مختلف وزمن آخر، وهذا ما كان يحصل معي في الإذاعة، لا أشعر بالزمن ولا أدري بالوقت، بالتأكيد يصعب علي ترك هذه المهنة التي عشتها بمتعة هائلة.
ـ ماذا تفعلين اليوم بعيداً عنها؟
ـ أعيش مرحلة من انعدام التوازن، لكني أشغل وقتي ببعض الدورات التدريبية التي أجريها للكوادر الشابة من حين لآخر، كما أحاول التمرس بالكتابة علني أستعيد بريق الحياة.
نائل العالم