لعل قيام دبي بإطلاق سوق للطاقة، يمثل الطرح المثالي والمنظم للمشكلة التي دأبت الدول الآسيوية على الحديث عنها وهي «العلاوة الآسيوية» الناتجة عن الفوارق بين أسعار خامات النفط المرجعية، بل إن قيام دبي بإطلاق سوق للطاقة سيخدم في إقامة سوق فوري منظم يتم فيه التداول على العقود الآجلة.

وهو أمر لم تتمكن الدول الآسيوية من تحقيقه، مما عزز الفجوة بين السوقين الأوروبي والأميركي من جهة والأسواق الآسيوية من جهة أخرى. وتكمن المشكلة في أن الأسواق الآسيوية غير منظمة كما هو الحال بالنسبة للأسواق الأميركية أو الأوروبية، كما لا يوجد منهاج موحّد في شراء النفط يؤشر على نضج الأسواق الآسيوية.

وطرحت فكرة إقامة سوق آسيوي للطاقة على اعتبار أن الاقتصادات الآسيوية تستحوذ على 35 % من إجمالي الاستهلاك العالمي، وعلى اعتبار أن الاقتصادات الغربية قد طورت الأسواق الخاص بها، وهو ما يتضح في خام غرب تكساس الوسيط الذي يخدم السوق الأميركي وخام برنت الذي يخدم السوق الأوروبي، وخام دبي الذي يمثل المقياس المرجعي لإنتاج منطقة الخليج.

وتعمل تلك النفوط كمؤشر مرجعي في تحديد الأسعار والتي يتم على أساسها شراء وبيع النفط الخام، وبالتالي، تجد الدول الآسيوية نفسها في وضع يملي عليها الاعتماد على هذه الأسواق، وهو ما يجعل الدول الآسيوية تحصل على النفط بسعر أقل (خصم) أو أعلى (علاوة) من أسعار تلك النفوط المرجعية.

* نظام التسعير

ولأجل فهم العلاوة الآسيوية وكيف ظهرت، فمن الضروري فهم صيغة نظام التسعير والخام المرجعي. قبل منتصف الثمانينات، كان هناك استقرار في الأسعار، وكان خوف منظمة اوبك احد الأسباب المسؤولة عن هبوط الأسعار.

وأمنت الدول الآسيوية النامية لنفسها صفقات مواتية من الدول المنتجة، وفي عام 1983، تم إطلاق بورصة نيويورك التجارية والتي تتعامل على العقود الآجلة للنفط (نايمكس) وبحلول عام 1986، تم استحداث نظام لتسعير النفط قائم على قوى السوق لأجل تنظيم الصفقات النفطية وتم التخلي عن نظام العقود طويلة الأجل التي كانت توقع بين الدول المنتجة وحكومات الدول المستهلكة.

وحل محله نظام آخر، يتم بموجبه تحديد الأسعار بناء على الأسعار الفورية للنفوط المرجعية. وتلا ذلك، تآكل قوة أوبك كقوة مؤثرة في اتجاهات سوق النفط بفعل ظهور مصادر للنفط منافسة لدول أوبك في بحر الشمال والمكسيك ونيجيريا... الخ.

وحدوث تحول في السوق الذي أصبح أكثر ارتكازا على قوى السوق، وفي عام 1986، بدأت أسعار النفط في الانهيار، وعلى الرغم من محاولة دول أوبك العودة إلى نظام التسعير الثابت والمحدد، إلا أنه مع حلول نهاية عام 1986.

ومع وضع سلة سعر عند مستوى 18 دولارا للبرميل، ظلت أسواق النفط متخمة بفائض مقداره 10 ملايين برميل يوميا، الأمر الذي جعل تراجع السعر هو الاتجاه السائد في السوق.

وبهدف وقف التراجع في السعر، وضعت المملكة السعودية أسلوباً في تحديد سعر النفط، يقوم على تحديد السعر على المدى الطويل، مع تبني ما يعرف باسم «مؤشرات السوق للمناطق الثلاث» والتي تعني تقسيم مناطق العالم إلى ثلاث مناطق وهي الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، واختيار أسس مرجعية في تحديد السعر لكل منطقة من هذا المناطق، وتمثلت في خام غرب تكساس الوسيط للولايات المتحدة ومزيج خام برنت لأوروبا.

وبالنسبة لآسيا، لم يكن هناك نفط خام مرجعي على غرار المنطقتين، وكان نفط خام دبي هو الأقرب إلى التداول الفوري، وتم اختياره كأساس مرجعي لمنطقة آسيا، ويجب الأخذ في الاعتبار أنه لا توجد علاقة بين تلك الأسس المرجعية والتكلفة الفعلية للنفط الخام.

والمسألة الحيوية بالنسبة لصيغة نظام التسعير ليس الخامات المرجعية في حد ذاتها، وإنما الأسعار الفورية التي تتأثر بشكل كبير بقوة وعمق السوق المالي وبالنسبة لخامي غرب تكساس وبرنت، يحفل السوقان الأميركي والأوروبي بالعقود الآجلة للنفط والمشتقات والأدوات المالية الأخرى، ولكن بالنسبة لآسيا، فلم يكن متوافر لديه القدرة على خلق أدوات مماثلة.

طريقة عمل آلية التسعير

وعلى أساس هذه الخلفية، فان السؤال المطروح هو: كيف عملت صيغة نظام التسعير؟

من الناحية الواقعية، تجري مبيعات المملكة السعودية من النفط للمشترين الدوليين، بناء على عقود طويلة الأجل، تتحدد قيمتها بناء على الأسعار الفورية للأسواق الثلاثة المذكورة، وفي الغالب، يكون أجل العقد لمدة عام، وبشكل عام، تتحد الأسعار وفقاً للمتوسط الشهري للأسعار الفورية للخامات الثلاثة المرجعية.

وبالتالي، ارتبط نظام التسعير بالنسبة للدول الأوروبية بمتوسط سعر خام برنت لبحر الشمال المرجعي، وبالنسبة للإمدادات للولايات المتحدة، ارتبط بخام غرب تكساس الوسيط، وبالنسبة للإمدادات المتجهة لآسيا، ارتبط نظام التسعير بالمتوسط الشهري للأسعار الفورية لمزيج خام دبي/ عمان.

وتم تعديل قاعدة السعر، بإدخال عامل يأخذ في الاعتبار الاختلافات بين القيمة السوقية للنفط السعودي والسعر الفوري للخام المرجعي. فضلا عن الأخذ في الحسبان التغييرات الشهرية في قيمة التكرير لخامات النفط السعودية في مختلف الأسواق، والاختلافات في تكلفة النقل بين النفوط السعودية وخامات النفوط المرجعية.

وعلى الرغم من وضع نظام للتسعير بناء على الأسس الآنفة الذكر، إلا أنه صاحب هذا النظام، بروز اختلال في التوازنات بين السوقين الأوروبي والأميركي من جهة والأسواق الآسيوية من جهة أخرى فضلا عن خلل آخر في التوازن بين خامات النفوط المرجعية، وذلك بسبب أوجه عدم التماثل الموجودة بين تلك الأسواق الثلاثة.

فعندما بدأ نظام التسعير في العمل منذ عام 1987، فقد تمكن نظام التسعير من البقاء والاستمرار في ظل أزمة الخليج الأولى في عام 1990، وفي عقد التسعينات، وعلى الرغم من فقدان منظمة أوبك مقعدها الأمامي في قيادة أسعار النفط، إلا أنها احتوت التقلبات في أسعار النفط الخام في نطاق يتراوح بين 13 و19 دولارا للبرميل.

وذلك عن طريق الربط بين تحركات الأسعار في السوق ومستويات الإنتاج، وعملت المملكة السعودية التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية بوصفها «المقرض الأخير» داخل منظمة أوبك للحفاظ على استقرار الأسعار.

وقاد تبني هذا النظام في التسعير إلى تطورين مهمين:

أولا: وجود فجوة توقيت في تغييرات الأسعار بين الأسعار في السوق الآسيوي وتلك الموجودة في الأسواق الأميركية والأوروبية.

ثانيا: ارتفاع الأسعار بالنسبة للأسواق الآسيوية بالمقارنة مع الأسعار في السوقين الأميركي والأوروبي، وفي هذا المجال، تم إطلاق مصطلح العلاوة الآسيوية على الفارق في الأسعار بين السوقين الأوروبي والأميركي من جانب.

والسوق الآسيوي من جانب آخر، وقدر معهد اقتصادات الطاقة الياباني بأن العلاوة الآسيوية بلغت دولارا واحدا للبرميل خلال الفترة 1992 - 1995، و 5. 1 دولار للبرميل خلال الفترة 1992 - 1998، وقدر المعهد حجم الأموال التي دفعتها الدول الآسيوية نتيجة لهذه العلاوة بما يتراوح بين 8 و 10 مليارات دولار.

وبدأت الدول الآسيوية، وعلى الأخص اليابان والهند في الأعراب عن قلقها بشأن تلك العلاوة، على اعتبار أنها تؤدي إلى تبطئة النمو الاقتصادي وتقلل من تنافسيتها عالميا. وعلى خلاف الحال بالنسبة للسوقين الأوروبي والأميركي، ترتبط آسيا بنفط منطقة الخليج، وبالتالي لا يتوافر لها حيز لتنويع مصادر الطاقة.

ومع الأخذ في الحسبان تكلفة الشحن، يكون في غير مستطاع الدول الآسيوية من التجارية والاقتصادية أن تحصل على إمدادات النفط من مناطق أخرى، بخلاف منطقة الخليج، وقد تعززت أهمية النفط السعودي بفعل العقوبات التي فرضتها واشنطن على إيران، والأوضاع في العراق، فضلا عن حالة عدم التأكد التي تسود الأسواق خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، والحرب على العراق.

* الخيارات المطروحة

وعلى الرغم من استياء الدول الآسيوية إلا أن هذه الدول تدرك بأن خيارتها من الناحية الواقعية تنحصر في ثلاثة خيارات: الأول، الحصول على النفط من مصادر بديلة. ثانيا: التحول بعيدا عن نفط خام دبي المرجعي.

ثالثاً، إقامة سوق للنفط في منطقة شرق آسيا. وبالنسبة للخيار الأول، وعلى الرغم من الجهود المضنية التي تبذلها الدول الآسيوية لتنويع مصادر إمداداتها من النفط، إلا أن التقديرات تشير إلى تزايد اعتماد هذه الدول على نفط منطقة الخليج، فضلا عن احتدام التنافس بين الدول الآسيوية على مصادر النفط خارج أوبك.

وبالنسبة للخيار الثاني، وبالنظر إلى الموثوقية التي يتمتع بها خام دبي المرجعي، وإمكانية الاعتماد عليه كمؤشر مرجعي، فلا توجد خامات أخرى بديلة له، وبالتالي ليس متاحاً للدول الآسيوية التحرك بعيدا عن خام دبي كأساس مرجعي.

وفي ما يتعلق بخيار إقامة سوق آسيوية، فمثل هذا الخيار لا يرتبط فحسب بتنوع مصادر الإمدادات، بل يرتبط كذلك بتدابير أخرى رئيسية، كتلك الخاصة باستحداث عقود نفط آجلة، وتعميق القطاع المالي، وتحرير الأسواق المالية... الخ، وبوضوح هناك أوجه عدم تماثل بين السوقين الأوروبي من جانب والأسواق الآسيوية من جانب آخر.

وتدرك الدول في الشمال الآسيوي الحقائق الموجودة على أرض الواقع، ولذلك تركز أكثر من غيرها على أمن النفط وتقاسم الأعباء، ففي اجتماع وزراء الطاقة لدول الآسيان في 9 يونيو 2004 والذي شارك فيه كل من الصين واليابان وجمهورية كوريا، تم الاتفاق على التركيز على أمن الطاقة وتطوير الغاز الطبيعي.

وإجراء الدراسات المتعلقة بالأسواق وبناء المخزون وتطوير مصادر الطاقة المتجددة، وبدا من خلال المداولات أن موضوع العلاوة الآسيوية كان في ذيل الاهتمامات، حيث طغى على الاجتماع بحث كيفية تحقيق تعاون أكبر بين الدول الآسيوية في القضايا المتعلقة بالطاقة.

ولم تشارك الهند في هذه الاجتماعات، وترددت أنباء آنذاك عن شعورها بالإحباط لتجاهل الدول مقترحاتها الخاصة بحل مشكلة العلاوة الآسيوية.

وقد اجتمعت الدول المشترية والبائعة للنفط في نيودلهي في مطلع العام الحالي بهدف البحث في إقامة «سوق آسيوي» للنفط الخام ومنتجاته، وحضر الاجتماع الدول المستهلكة الرئيسية كاليابان والصين وكوريا والهند، علاوة على الدول المنتجة كالسعودية والكويت والأمارات المتحدة، وأوضح وزير النفط السعودي خلال الاجتماع أن 60 % من إنتاج المملكة يتجه إلى الدول الآسيوية.

وكانت أجندة الاجتماع حافلة بموضوعات تعكس المصالح المتعددة المشارب والاتجاهات، فمن جانب، كان هناك تركيز أولي على إزالة حالة الاضطراب والتقلب في أسعار النفط، كما دار الحديث حول تنقيح النطاق السعري بتحريكه إلى مستوى أعلى، بما يأخذ في الحسبان وتيرة نمو الطلب، وتزايد عامل عدم اليقين بشأن زيادة الإمدادات.

وتركزت المناقشات في الاجتماع على إمكانية وضع نطاق سعري للدول الآسيوية، يكون محل احترام على نحو غير رسمي، بحيث لايتم السماح بانتهاك هذا النطاق السعري من جانب الدول المنتجة. كما كانت هناك مناقشات حول تغيير طبيعة عقود مشتريات النفط، فعلى سبيل المثال، درجت شركات القطاع العام الهندية على الدخول في عقود سنوية مع الشركات الوطنية للدول المنتجة، وقد تم تبني مثل هذا الأسلوب لضمان عدم وجود وسطاء، وتحقيق الشفافية للسعر الذي يتم التعاقد عليه.

وعلى الرغم من ذلك، فإن تلك العقود بحاجة إلى أن تجدد سنوياً، كما أن هناك أمثلة بعدم الإمداد، وهو أمر يحدث بسبب وجود سوق فوري ضخم للنفط الخام تتدفق فيه كميات مؤثرة من الإمدادات، تقع خارج دائرة مسؤولية شركات النفط الوطنية، وتضم تلك الكميات إنتاج الشركات المتعددة الجنسيات والإنتاج غير المسجل وغير المتعاقد عليه.

* حيادية نظام التسعير

خلال الأسبوع الأخير من أكتوبر 2004، ساد الاضطراب أسواق النفط، وتجاوزت الأسعار المستويات التاريخية بسبب المتاعب السياسية في العراق وفنزويلا والشكوك حول احتياطات شركة شيل، وتفجر موضوع شركة يوكوس الروسية، علاوة على تسليط بعض المحللين الضوء على دور صناديق الاستثمار.

وعلى أية حال، تمكنت صيغة نظام التسعير من البقاء رغم الاضطرابات والتقلبات التي شهدتها السوق على الرغم من أن تلك الذبذبات برهنت على أن صيغة التسعير لا تعمل ضد أحد، وإنها غير منحازة لصالح الأسواق الأوروبية والأميركية ضد الأسواق الآسيوية.

ومن شأن عدم وجود سوق فوري منظم، أن يؤدي إلى صعوبة التوصل إلى أرقام الإنتاج الحقيقية، فتقدير الإنتاج اليومي بحوالي 83 مليون برميل لا يعدو أن يكون مجرد تقدير، وهو ما يؤدي إلى سوق ضخمة للمتاجرة على المستقبليات والعقود الآجلة، كذلك يخلق السوق الفوري غير المنظم ندرة وفوائض مصطنعة والتي تجعل من الصعوبة على العقود السنوية أن تتأقلم معها، ففي فترات ارتفاع الأسعار، يسود الاتجاه للتهرب من تنفيذ العقود السنوية .

ومن ثم فأن الاتفاقيات الطويلة الأجل تعترضها العديد من المشكلات، من بينها التنبؤ بالأسعار والاضطرابات التي تسببها السوق الفورية، وفي ظل تلك التشوهات، يعتبر سوق دبي للطاقة المخرج المثالي والواقعي، بأن تكون دبي مركزا لسوق آسيوي على الطاقة على غرار بورصة نيويورك التجارية وبورصة البترول الدولية، وما يؤهلها لأداء هذا الدور، وقوعها في قلب المنطقة الأكثر ثراء بالنفط في العالم.