انتعشت العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية وروسيا خلال الفترة الأخيرة بعد ركود انتقالي فصل بين الفترة التي أعقبت تفكك الاتحاد السوفييتي السابق والزيارة الشهيرة التي قام بها ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز إلى موسكو خلال النصف الثاني من عام 2003، التي تحتضن نحو 300 مليون شخص على مساحة قدرها 14 مليون كيلومتر مربع في القارتين الأفريقية والاوراسيوية، وتلعب دوراً في غاية الأهمية على الساحة العالمية.
وتراوح معدل نمو الاقتصاد العربي بين 3 و4. 6 في المئة خلال السنوات العشرين الأخيرة. ولكل من البلدان العربية خصوصيته المتميزة ما يجذب الشركاء الأجانب. وفضلاً عن ذلك برزت ملامح تغيرات مهمة في سوق الشرق الأوسط خلال الأعوام الأخيرة. وساد الاعتقاد بأن اقتصاد البلدان العربية كان ولا يزال وسيظل يعتمد على النفط وحده، لذلك اهتمت روسيا بالاستثمار في مجال النفط. وفي هذا الإطار فتحت السلطات السعودية أكثر من 20 موقعاً في مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني أمام الرأسمال الأجنبي في عام 2004.
وانتهزت شركة «لوك أويل» الروسية الفرصة فوقعت اتفاقية تخولها التنقيب عن النفط واستثمار حقول الغاز والمكثفات في صحراء الربع الخالي على مساحة تقارب 30 ألف كيلومتر مربع خلال أربعين سنة. وستعمل «لوك أويل» على تنفيذ التزاماتها الناشئة من الاتفاقية والتي تقدر ب4 مليارات دولار من خلال المؤسسة المشتركة «لوكسار» التي يملك كل من «لوك أويل» وشركة «ارامكو» السعودية 80 و20 في المئة من رأسمالها.
وتشهد المنطقة نمواً سريعاً لسوق المال وولادة مراكز مالية كبيرة في دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين. وتعد دولة الكويت من أكبر مراكز النشاط الاستثماري، وفيها سوق متطور للمال. كما تعتبر دولة الكويت من أكبر مستثمري المال العام على المدى الطويل في الخارج.
وأمام نزعة الليبرالية الاقتصادية والعولمة الاقتصادية أصبحت بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا الشمالية تقبل على إقامة مناطق صناعية حرة. وتوجد مناطق من هذا النوع في سوريا والأردن ولبنان ودولة الإمارات العربية المتحدة ومصر وتونس والمغرب وجيبوتي واليمن. وتجذب هذه المناطق رؤوس الأموال من البلدان الأجنبية بما فيها روسيا. ولعل المنطقة الصناعية الحرة في جبل علي (إمارة دبي) هي أنجح المناطق الصناعية الحرة في العالم العربي، حيث جذبت آلاف الشركات من مختلف بلدان العالم حتى الآن. واكتسب الأردن خبرة كبيرة في تطوير المناطق الصناعية الحرة. وبدأت البحرين وقطر والكويت بإقامة مناطق صناعية حرة.
ويحظى لبنان باهتمام خاص لدى الدوائر الاقتصادية الروسية، وكان القطاع المصرفي اللبناني يجذب الكثير من أموال النفط. وازدهر لبنان الذي تربطه علاقات تجارية وثقافية عريقة بالدول الأوروبية والعربية، كمركز تجاري. ودفعت الحرب بالاقتصاد اللبناني إلى الوراء وحرمته من 30 مليار دولار على وجه التقريب عندما عاش باقي بلدان الشرق الأوسط نهضة اقتصادية.
ولكن موجودات البنوك اللبنانية ازدادت إبان ذلك لأن البنوك اللبنانية نجحت في توظيف موجوداتها النقدية في الولايات المتحدة وأوروبا مع بدء الحرب في لبنان. ورغم ان إجمالي الدين الخارجي للبنان يبلغ نحو 160 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي اليوم إلا ان هذا لا يثير قلق لبنان ولا العالم الخارجي. ورفع اسم لبنان من قائمة البلدان التي تراقبها المجموعة الدولية لمكافحة تبييض الأموال في عام 2002.
وأصبحت 11 بنكاً لبنانياً في عداد المؤسسات المالية العربية المئة الأكثر نجاحا. وهناك ـ والحق يقال ـ بعض الخوف على مستقبل البلد بعد اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، ولكنّ ثمة أملاً في أن يجتاز البلد الأزمة الراهنة، خاصة وان الاستقرار يستجيب لمصالح الاقتصاد اللبناني ومجتمع الأعمال اللبناني.
وتواجه بلدان المنطقة، مع ذلك، عددا من المشاكل الخطيرة، ويتأثر اقتصاد العديد منها بأحوال السوق النفطية وتقلباتها كما هي حال الاقتصاد الروسي. وفي الحقيقة فإن البلدان العربية تواجه المشاكل نفسها التي تواجه روسيا. وهناك نقص في الاستثمارات. وحتى السعودية اضطرت إلى إيقاف تصدير الرأسمال. وبدأوا فيها يتحدثون عن الحاجة إلى الاستثمارات الأجنبية.
وأتيحت لروسيا خلال الفترة الأخيرة فرص واقعية لتوسيع التعاون الاقتصادي مع البلدان العربية، وخصوصا في مجال التقنية العالية والقطاع المصرفي وفي مجال النفط والغاز وأيضا في البحث عن مكامن المياه الجوفية، وتحلية المياه وفي صناعة البتروكيماويات والحديد والصلب. ووضعت مشاريع مشتركة لإنتاج الأسمدة الكيماوية وأصناف من منتجات النفط الجانبية والأخشاب ومصنوعات الجلد ومستلزمات الصيد والقوارب والزوارق والسفن والكابلات والبيوت الخشبية والسيارات وغيرها من وسائل النقل.
ولا تزال المشاريع الاستثمارية الصناعية المشتركة بين مصر وروسيا إبان عهد جمال عبد الناصر كالسد العالي ومجمع حلوان للحديد والصلب ومصنع الالمونيوم في نجع حمادي وغيرها من المشاريع التي يبلغ إجمالي عددها نحو مئة مشروع، تشكل حجر الأساس للاقتصاد المصري.واستثمرت موسكو في الجزائر أيضاً في مجال إنشاء وتطوير عدد من الصناعات مثل صناعة الطاقة والتعدين. وشيدت الجزائر بالتعاون مع موسكو عددا من المصانع ومحطة الكهرباء وأنشأت خط أنابيب لنقل الغاز.
وفي العراق عمل موفدو الاتحاد السوفييتي السابق في تجهيز حقول النفط في جنوب البلاد ومد خط أنابيب لنقل الغاز وتشييد محطة الكهرباء «يوسفية» وعدد من المشاريع الأخرى. واستعانت ليبيا بالخبرات الروسية لإنشاء مركز الأبحاث النووية وخطوط نقل الكهرباء وخط أنابيب الغاز وحفر نحو 130 بئرا في حقول النفط والقيام بدراسة الجوانب البيئية على مساحة قدرها 5,3 ملايين هكتار، ووضع خطط تطوير صناعة الغاز وشبكات الكهرباء والمؤسسات المصنعة للماكينات، والقيام بدراسة جدوى المرحلة الثانية من مجمع الحديد والصلب في مصراتة.
وفي سوريا تبلغ نسبة إسهام المشاريع الاستثمارية المشتركة في إنتاج الكهرباء والنفط نحو 22 المئة ونحو 27 في المئة على التوالي. وقدم الاتحاد السوفييتي قروضا لتشييد مجموعة من محطات الكهرباء وإنشاء خطوط حديدية يبلغ طولها نحو 5. 1 ألف كيلومتر، وخطوط لنقل الكهرباء يبلغ طولها 7. 3 آلاف كيلومتر، وكذلك إنشاء خط أنابيب لنقل منتجات النفط ومصنع الأسمدة وعدد من المنشآت المائية ومراكز التعليم الفني.
وكانت البلدان العربية (مصر وسوريا والجزائر) تسدد قيمة القروض السوفييتية في صورة سلع استهلاكية من الإنتاج المحلي. لذلك تكوّن الرأسمال الوطني المنتج في جزء كبير منه في عدد من البلدان العربية بفضل تغطية احتياجات السوق السوفييتية. وكان الاتحاد السوفييتي يحصل من البلدان العربية على المواد الغذائية ـ الحمضيات والفواكه والمعلبات والحلويات ـ والأقمشة والمنسوجات.
وتوقف كل ذلك مع بدء التغيير الدراماتيكي في روسيا، إذ فرض ما اتبعته موسكو من أساليب جديدة في إدارة الدولة والاقتصاد الوطني بعد تفكك الاتحاد السوفييتي فضلا عن توجه سياستها الخارجية نحو الغرب، انفضاضا عن عدد من حلفاء الاتحاد السوفييتي التقليديين. ثم تركت تطورات الوضع في شمال القوقاز أثرها السلبي على العلاقات مع بعض البلدان العربية.
وبعد تنزيه العلاقات الروسية العربية عن البعد الايديولوجي اتسعت دائرة شركاء روسيا المحتملين، فالمصلحة الاقتصادية تستوجب الدخول في تعاون مع جميع بلدان المنطقة انطلاقا من استعدادها للتعاون وما تعرضه من سلع وخدمات بعيدا عن الشعارات السياسية .ومن أبرز أمثلة الدول التي يتم ترميم علاقات روسيا معها وإنشاء علاقات جديدة، لبنان. وتنصب الاهتمامات على تشجيع التبادل التجاري والنشاط الاستثماري المتبادل وإقامة علاقات شراكة وثيقة بين رجال الأعمال.
ويعطي الجانب اللبناني التعاون مع روسيا في مجال النفط والغاز أول اهتماماته. وأفهم الجانب اللبناني أنه يود ان تساهم روسيا في إنشاء خطوط أنابيب لنقل النفط والغاز عبر أراضيه. ويرغب لبنان أيضا في الاستعانة بالخبراء الروس في إنشاء شبكات الري والسدود.وتمثل المملكة العربية السعودية حالة متميزة، إذ كان هناك تنافر بين روسيا والمملكة السعودية على مدى نصف القرن.
وفتح البلدان عدداً من مجالات العمل المشترك في مجالات الطاقة والعقارات وقطاع التشييد والبناء والتجارة والأوراق المالية والبنية التحتية للنقل. ويبدي السعوديون استعدادهم لاستثمار أموالهم في الصناعة الروسية للتقنيات الجوية والفضائية. وأنيط بمجلس الأعمال الروسي العربي الذي تم تكوينه مؤخرا، تجميع علاقات روسيا التجارية والاقتصادية مع بلدان العالم العربي في منظومة موحدة وإعطاء زخم للنهوض بها إلى مرتبة نوعية جديدة سرعان ما صار مجلس الأعمال الروسي العربي عاملا نشطا في تطوير التعاون الروسي العربي.
وحددت المهام الأساسية للمجلس في إنشاء لجنة مشتركة مع كل من البلدان العربية يقع على عاتقها تنفيذ مشروعات مشتركة محددة، وإقامة علاقات مباشرة بين مؤسسات الأعمال الروسية والعربية، وتشجيع النشاط في مجال التقنية الحديثة.وبالنظر إلى نتائج أعمال المجلس وتزايد الاتصالات بين رجال الأعمال يمكن القول ان فترة «السكون» في العلاقات الروسية العربية قاربت على الانتهاء وتتاح لروسيا وبلدان العالم العربي فرصة للارتقاء بالتعاون المشترك إلى مرتبة نوعية جديدة تتمثل ملامحها الرئيسية في انعدام العوائق الايديولوجية والتعاون البناء بين قطاع الأعمال والدولة.