قليلة تلك الأحداث في أسواق المال العالمية التي تثير قدراً كبيراً من الإثارة والاهتمام على شاكلة قرار الصين بإعادة تقويم عملتها، فقد أعلن البنك المركزي الصيني أخيراً إصلاح آلية سعر صرف اليوان، برفع قيمته من 28. 8 إلي 11. 8 يوان للدولار الواحد، أي رفع سعره بنسبة 2 %، كما أعلن رفع معدل الفائدة القصيرة الأجل بمقدار 50 نقطة أساس، وغير نظام ربط العملة الصينية بالدولار، واستبدله بنظام آخر للصرف يقوم على ربط اليوان بسلة عملات.
ورغم إعلان الصين عن ربط هامش صعود سعر العملة الصينية بسقف نسبته 3. 0 % في تعاملات اليوم الواحد. إلا أنها لم تكشف النقاب عن نسبة التغير في سعر صرف اليوان سواء بالصعود أو الهبوط في مواجهة عملات السلة، والتي ستسمح بها على المدى الطويل، كما ظل غير معروف تركيبة سلة العملات، ووزن كل عملة فيها .
وبهذه القرارات، تحركت الصين إلي نظام سعر الصرف المدار، وهو ما يعزز احتمالات أن تقوم العديد من الدول الآسيوية أو في الشرق الأوسط والتي تربط عملتها بالدولار الأميركي، بإعادة النظر في أنظمة الصرف التي تتبعها، خصوصاً وأن بوادر مثل هذا التحول، قد ظهرت في الأفق، بإعلان ماليزيا في أنها بصدد التحرك إلي نظام سعر الصرف المدار.وفي تقدير بعض المحللين ومنهم ديفيد كارسبي المحلل في بنك « ساكسو إيه أس»، سيخلف قرار الصين بإتباع نظام الصرف المدار عدداً من النتائج والتأثيرات على النحو التالي :
أولاً : تراجع تدخل البنوك المركزية الآسيوية لمواجهة ضغوط ارتفاع قيمة عملاتها في مواجهة الدولار الأميركي، وهو ما يعني تباطؤ وتيرة تراكم الاحتياطيات من العملة الصعبة خاصة فيما يتعلق بالاحتياطيات الصينية واليابانية . الأمر الذي سيؤدي إلي قلة الاهتمام بإصدار الدخول الثابتة في الولايات المتحدة كإصدارات الخزانة الأميركية والسندات المدعومة بالرهن العقاري .
ثانياً : تحسن القوة الشرائية الصينية في الأسواق الدولية، وهو ما قد يؤدي إلي ارتفاع الطلب الصيني على السلع، مما يقود إلي ارتفاع أسعار السلع .
ثالثاً: ارتفاع معدل التضخم في الولايات المتحدة، كنتيجة للزيادة المتوقعة في أسعار وارداتها بنسبة 2 %، ومع تراجع الإقبال على إصدارات الدخل الثابت، فإنه من المتوقع أن تنخفض معدلات الفائدة على المدى الطويل.
رابعاً: ستستفيد العملات الرئيسية الأخرى كالين الياباني و اليورو الجنيه الإسترليني من تحرك الصين نحو اتباع نظام الصرف المدار، وبالتالي سترتفع أسعار صرفها في مواجهة الدولار، وستتأثر بشدة عملة اليورو، نتيجة لتحملها العبء الأكبر في عملية تصحيح نظام الصرف الصيني، وبالتالي، ومع العجز في الميزانين الجاري والتجاري الأميركيين، فانه من المتوقع أن يهبط سعر الدولار في مواجهة الين الياباني واليورو.
خامساً : سيدعم التحرك الصيني بتعديل نظام الصرف أسواق الأسهم الأميركية، حيث ستتحسن هوامش ارباح الأسهم، مع ارتفاع أسعار الواردات كما سيستفيد المصدرون ومنتجو السلع الرأسمالية من ارتفاع الطلب الصيني على منتجاتهم، وارتفاع تكلفة الواردات الصينية.
وفي السياق ذاته، قدر تقرير صادر عن شركة «وتشوفيا» أن يرتفع سعر العملة الصينية بنسبة 10 % على مدار العام المقبل، ولكن التقرير يشكك في إمكانية ارتفاع سعر اليوان بنسبة 30 %، بالنظر إلي تباطؤ وتيرة نمو الصادرات الصينية خلال العام الحالي، فضلاً عن توقع تعرض الصادرات الصينية للمزيد من التراجع بفعل ارتفاع قيمة اليوان، وهو الأمر الذي يمكن أن يقود إلي تباطؤ معدل النمو الاقتصادي في الصين.
وأشار التقرير إلي أنه من المحتمل أن يعمل نظام الصرف الصيني على نفس طريقة عمل نظام الصرف في سنغافورة، بأن يتم السماح بتحرك سعر الصرف في مواجهة سلة عملات، من دون الكشف عن أوزان هذه العملات داخل السلة، فضلاً عن عدم الكشف عن نطاق التغير في السعر المسموح به للعملة سواء بالصعود أو الهبوط، إلي جانب إدارة سعر الصرف بطريقة لا تسمح بتغيرات ضخمة في سعر الصرف.
وقد تراجعت القيمة السوقية لإصدارات الخزانة الأميركية، مع توقع المستثمرين أن يتراجع الطلب الصيني على هذه الإصدارات خلال الفترة المقبلة، ولكن تقرير شركة «وتشوفيا» يقدر أن البنك المركزي الصيني سيكون بحاجة إلي التدخل في سوق الصرف الأجنبي على أساس يومي، وإن كان على نطاق أقل من مستوى تدخله في الوقت الراهن، وهو ما يعني أن الصين ستواصل شراءها لسندات الخزانة الأميركية. وبالتالي فمن غير المتوقع أن تشهد هوامش العوائد على الإصدارات ارتفاعات فائقة.