أنهت الصين ربط عملتها بالدولار وأعلنت تبنيها نظاماً للعملة أكثر مرونة مع إعادة تقييم اليوان بنسبة 2 %. لكن ذلك يطرح تساؤلاً غاب عن أذهان الكثير من المحللين، وهو مدى تأثر الأسواق النفطية بإعادة تقويم اليوان. تخلص بعض التحليلات إلى أن تغيير سعر صرف العملة الصينية سيلحق الضرر بالجميع بما في ذلك اقتصادات الدول المنتجة للنفط، والاقتصادات الخليجية على وجه الخصوص نظراً للضعف الذي سيطرأ على الدولار، ما سيؤدي إلى تقليص قيمة عوائدها البترولية، ليكون ارتفاع أسعار النفط بمثابة المخرج الوحيد من مأزق تقلص العوائد النفطية.

ومع الأخذ في الاعتبار حالة التشدد التي تسود السوق، فإن إعادة تقييم اليوان في الوقت الحالي لن تحقق فائدة لأي طرف. ومع توقع واستمرار التشدد الحالي في الإمدادات النفطية على مستوى السوق العالمي لمدة عامين أو ثلاثة أعوام، فإن إعادة تقويم العملة الصينية يلحق الضرر بالجميع. وعلى الرغم من احتدام الجدل حول قضيتي تقييم عملة اليوان الصينية وارتفاع أسعار النفط، إلا أنه لم يبذل الكثير من الجهد لفهم الروابط بين القضيتين، فمنذ عام 2003، شهدت أسواق العالم النفطية تغييرات درامية مع مواصلة أسعار النفط تسجيل مستويات قياسية.

وهو ما أثار الكثير من الجدل حول الأسباب المسؤولة عن مثل هذا الارتفاع. وتعددت الإجابات، فهناك من أرجع الصعود في الأسعار إلى التغييرات الدورية في أسواق النفط العالمية، وهناك من أرجعها إلى المضاربة على العقود الآجلة للنفط، فضلاً عن فريق ثالث حمل الاعتبارات الجيو سياسية مسؤولية ارتفاع أسعار النفط.

* مسؤولية العامل الصيني

وسط هذا التنافر والتباين في الآراء والتقييمات، ارجع البعض مسؤولية الارتفاعات الفائقة في أسعار النفط إلى ما أسماه «بالعامل الصيني». فعلى سبيل المثال، خلصت وزارة الطاقة الأميركية في تقريرها الأخير إلى أن الزيادة الحادة في واردات الصين النفطية تعد أحد الأسباب المسؤولة عن ارتفاع الأسعار في أسواق النفط العالمية، فيما أشارت الدول الغربية الأخرى إلى الصين بوصفها عامل إزعاج لأسعار النفط العالمية.

وفي التوقيت ذاته، كثفت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الضغوط على الصين لإعادة تقييم عملتها «اليوان»، واستعملت في هذا الصدد أساليب الاستمالة والإكراه معاً. وعلى سبيل المثال، وضع الكونغرس الأميركي مشروع قانون يهدد بفرض رسوم جمركية على الصادرات الصينية للولايات المتحدة في حالة إذا لم تقم الصين بإعادة تقييم عملتها «اليوان» وفي الوقت ذاته، حاز النزاع التجاري بين الصين من جهة وكل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حول تجارة المنسوجات قدراً كبيراً من الاهتمام. وارتبطت تلك القضية بموضوع إعادة تقييم اليوان.

ويبدو ظاهرياً أنه ليس بالضرورة أن توجد صلة بين الارتفاع الفائق في أسعار النفط وإعادة تقييم العملة الصينية، لكن من ناحية المضمون، توجد أوجه صلات عدة، إذا ما تم النظر بإمعان إلى هاتين القضيتين. ففي أغلب الأوقات، تركز جهد المحللين على تناول المناظير المتعددة لتحديد ما إذا كان إعادة تقييم العملة الصينية مسألة من الممكن النصح بها أم لا. فضلاً عن تناول أبعاد أخرى ذات صلة وثيقة، على غرار تناول التوقيت المثالي لإعادة تقييم العملة الصينية، ومقدار إعادة التقييم.

لكن تجاهلت هذه التحليلات تأثير إعادة تقييم «اليوان» على أسعار النفط. وعند تحليل مثل هذا الموضوع من وجهة نظر وي لي يو استاذ العلاقات الدولية في جامعة يينان، تبين أن خسائر إعادة تقييم العملة الصينية «اليوان» ستتجاوز المكاسب المتحققة بالنسبة لكل من الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول المنتجة للنفط.

وفي المحل الأول، وعلى الرغم من أن إعادة التقييم ستؤدي إلى تأثير إيجابي على المقومات الاقتصادية الأساسية التي تنهض عليها واردات الصين النفطية، إلا أنها لن تفعل الكثير بالنسبة للحجم الإجمالي لواردات الصين النفطية. كما لن يكون لإعادة التقييم دور في تقليل اعتماد الصين المتزايد على الواردات النفطية، وإن كانت ستلعب دوراً محدوداً في تأمين إمدادات النفط للصين. وتعني عملية إعادة التقييم زيادة قوة الصين الشرائية، وتمكين الصين من تقليل تكلفة وارداتها النفطية، وهو ما سيكفل تحقيق التأمين لواردات الصين النفطية لدرجة معينة.

ومع الأخذ في الحسبان ـ وفقاً لبعض المحللين ـ مستوى أسعار النفط، وتكاليف الواردات في عام 2004، فإنه إذا ما تمت فرضا إعادة تقييم العملة الصينية برفع قيمتها بنسبة 10 %، فإن تكلفة الواردات النفطية الصينية ستتقلص بمقدار 3,4 مليارات دولار، حيث بلغت قيمة تكلفة واردات النفط الصينية في عام 2004 نحو 2. 43 مليار دولار، أما إذا ما تمت عملية التقييم بنسبة 20%، فإنه سيكون بمقدور الصين أن تدخر نحو 6,8 مليارات دولار. ومن هذا المنظور يمكن لعملية إعادة التقييم أن تؤثر بشكل إيجابي على إمدادات النفط للصين، خاصة انه من شأن ازياد قوة اليوان أن يسمح للصين بشراء المزيد من النفط بالكمية نفسها من الدولارات الأميركية.

* استمرار قوة الطلب الصيني

وهكذا، وعلى الرغم من أن إعادة تقييم عملة «اليوان» ستقلص تكاليف الواردات النفطية الصينية، إلا أنها لن تخدم في تقليل حجم واردات النفط الصينية، حيث لن يتعرض الطلب للتراجع نتيجة لارتفاع القوة الشرائية الصينية، بل على العكس، سيشهد الطلب توسعاً بفعل ازدياد القوة الشرائية الصينية.

وفي إطار هيكل الاستهلاك النفطي الصيني، تزداد الحاجة لاستيراد النفط بفعل زيادة الطلب على النفط، وعدم قدرة الإنتاج المحلي على تلبية احتياجات الطلب، حيث تعد الواردات النفطية ضرورية للحفاظ على معدل سريع للنمو الاقتصادي، وانه ما بقيت الفجوة بين الطلب والعرض قائمة في الصين فلن تشهد واردات النفط الصينية أية انخفاضات، إلا إذا حدث تقلص في الطلب، وهو أمر مرهون بآفاق النمو الاقتصادي الصيني.

ومن ثم، لن تقود عملية إعادة تقييم اليوان إلى تغيير في المعادلة النفطية الصينية، ففي عام 2002، بلغ حجم واردات الصين النفطية نحو 92 مليون طن، ودار معدل اعتماد الصين على النفط المستورد حول نسبة 33%. وفي عام 2004، ارتفع الرقمان سوياً على إيقاع النمو السريع سوياً ليبلغا 151 مليون طن و40 % لكل منهما على التوالي. والواقع أن الصين استجابت بسرعة للارتفاعات الفائقة في أسعار النفط على المستوى الخارجي برفع أسعار النفط محلياً، وهو ما كبح لدرجة معينة تصاعد الطلب على النفط، لكن من المقدر أن تنطلق قوة الطلب المحبوسة، مع إعادة تقييم اليوان، وما سيصاحبها من تزايد في القوة الشرائية الصينية.

تآكل المكاسب الصينية

ويبدو منطقياً أن المكاسب التي ستجنيها الصين من إعادة تقييم «اليوان» ستتعرض للتآكل بفعل التكاليف التي سيكون من المتعين عليها دفعها لقاء وارداتها من النفط والسلع الأخرى المستوردة. وهكذا وعوضاً عن تقليل اعتماد الصين على النفط المستورد، ستزيد عملية إعادة التقييم من الطلب على النفط، وهو ما سيقود إلى زيادة الإنفاق على النفط، وهو ما لن يفيد أمن النفط الصيني.

ومع الأخذ في الحسبان الأوضاع بأسواق النفط الحالية وأسعار النفط، من المحتمل أن تؤدي إعادة تقييم اليوان إلى توسيع الفجوة بين الطلب والعرض في أسواق النفط العالمية سوءا، بدفع أسعار النفط نحو المزيد من الارتفاعات، وهو ما سينطوي على تأثيرات سلبية من غير ممكن تجاهلها.

ومنذ عام 2003، ووفقا للعديد من المحللين، دخلت صناعة النفط العالمية مرحلة من التغييرات في مقومات وهياكل السوق والتي تميزت بعدم كفاية الإمدادات النفطية، وهو الأمر الذي أفرز وضعا جديداً اشتمل على عدة أمور، من بينها عدم كفاية طاقة الإنتاجية الاحتياطية، وبقاء مخزون النفط على مستوى العالم عند مستويات منخفضة، وتخلف طاقة تكرير النفط عن مستويات الإمداد المطلوبة، وفوق كل ذلك، وتشكل تلك العوامل الأنفة الذكر أسباباً مسؤولة عن التغييرات الهيكلية في أسواق النفط، ومسؤولة في الوقت ذاته عن ارتفاع أسعار النفط.

وتفيد مؤسسة الطاقة الكندية أنه في عامي 2001 و2002، امتلكت الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط ( أوبك ) طاقة إنتاج احتياطية مقدارها يتراوح بين 4 و 5. 5 ملايين برميل يوميا، ولكن تراجع هذا الرقم إلى 9. 2 مليون برميل يوميا في عامي 2003، بل شهد عام 2004 المزيد من التراجع في طاقة الإنتاج الاحتياطية لتصل إلى 2. 1 مليون برميل يوميا. وبالتالي، فان الاستنتاج الذي يمكن الخلوص إليه هو أن إعادة تقييم العملة الصينية « اليوان» يمكن أن تزيد تفاقم الأوضاع الحالية للطلب والعرض سوءا، مما يطلق المزيد من الارتفاعات الفائقة في أسعار النفط.

ومن منظور المدى الطويل ومع مواصلة أسعار النفط ارتفاعها، ستزيد تكلفة واردات النفط الصينية، ما سيؤدي إلى التآكل الجزئي أو الكامل للمكاسب التي ستجنيها الصين من عملية إعادة تقييم عملتها «اليوان ». وهكذا، ومن منظور أسواق النفط وأسعار النفط، أخفقت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على ما يبدو في التنبؤ بالأثر السلبي الكامن لإعادة تقييم اليوان على أسواق وأسعار النفط في الوقت الحالي، ومع الأخذ في الحسبان المستويات الحالية لاستهلاك وواردات النفط من قبل الدول الغربية، فان لدي هذه الدول الكثير لتخسره من الارتفاعات الفائقة في أسعار النفط وبشكل أكبر من الصين. وعلى المنوال نفسه، فإن مكاسب هذه الدول من إعادة تقييم اليوان ستتآكل بفعل أسعار النفط المرتفعة.

* خسائر أوروبية وأميركية

وعلى الجانب الآخر، ستتزايد تكاليف استيراد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للنفط، وستتعرض صادرات الدول الغربية للدول النامية للتراجع بسبب تآكل القوة الشرائية للدول النامية نتيجة لزيادة الأعباء عليها من ارتفاع فاتورة وارداتها النفطية، وهو ما يقود في نهاية المطاف إلى عدم تحول المنافع التي تأمل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي جنيها من جراء إعادة تقييم العملة الصينية إلى واقع عملي ملموس.

وفي السياق ذاته، ستؤثر إعادة تقييم عملة اليوان على اقتصادات الدول المنتجة للنفط، وبالتالي على علاقاتها السياسية مع الصين، حيث ستقود عملية إعادة التقييم إلى رفع قيمة العملات الآسيوية، من بينها الين الياباني، فضلاً عن العملات الآسيوية الأخرى، وهو أمر يبدو حتميا، مما سيؤثر بالضرر على تنمية اقتصادات الدول المنتجة للنفط التي تسعي بشراهة إلى تجميع الدولارات.

* تراجع قيمة العوائد

وبالنسبة للدول المنتجة للنفط، تعني إعادة تقييم عملة اليوان والعملات الآسيوية الأخرى، أن العملة الأميركية ستتراجع قيمتها، وبالتالي، ستتراجع قيمة عوائد الدول المنتجة للنفط من الدولارات. وستنشأ مشاكل من تراجع القوة الشرائية للدول المنتجة للنفط، على غرار ارتفاع معدل التضخم، وتفاقم مشكلة البطالة، وتباطؤ وتيرة نموها الاقتصادي وتراجع الاستثمار في توسيع طاقتها التصديرية.

وبشكل عام وعلى نحو افتراضي، فإنه في حالة رفع قيمة اليوان بنسبة 10 %، يكون من المتعين على المملكة السعودية أن تدفع 224 مليون دولار إضافيا لقاء حجم الواردات نفسها من الصين، استنادا إلى مستوى وقيمة واردات المملكة من الصين خلال عام 2004. وبكلمات أخرى، سيكون من المتعين على المملكة السعودية أن تقوم بتصدير كمية نفط إضافية مقدارها 5,6 ملايين برميل لكي تستورد كمية السلع نفسها التي تستوردها من الصين.

وعلى مستوى دول منطقة الخليج كلها، سيكون من المتعين عليها أن تصدر كميات إضافية من النفط لتعويض التراجع المتوقع في قوتها الشرائية والناتج عن إعادة تقييم العملة الصينية « اليوان» لكن هذه الدول تنتج في الوقت الحالي بكامل طاقتها. وستكون طريقتها الوحيدة لتعويض النقص المحتمل في قوتها الشرائية من خلال رفع أسعار النفط.

وفي حقيقة الأمر، يشكل التراجع الحالي في سعر الدولار أحد الأسباب الرئيسية المسؤولة عن ارتفاع أسعار النفط، واحد المبررات الموضوعية التي تجعل الدول المنتجة للنفط غير متحمسة لخفض أسعار النفط. وقد واجهت الدول المنتجة للنفط في الآونة الأخيرة ضغوطا واتهامات بسبب ارتفاع أسعار النفط، وربما ما تأمل هذه الدول أن تشهده هو التطور المتواصل لأسعار النفط وليس الأثر السلبي لإعادة تقييم العملة الصينية « اليوان » على أسواق النفط الدولية والاقتصاد العالمي.

ونتيجة للآثار السلبية الأنفة الذكر لإعادة تقييم اليوان على أسواق النفط الدولية، فإنه من المحتمل أن تتزايد المبالغة في تصوير الصين على أنها الخطر القادم الذي يهدد بنشوء المزيد من الانقسامات التجارية سواء على المستوى الثنائي أو المتعدد الأطراف. فمن شأن ارتفاع أسعار النفط وزيادة حالة التشدد في السوق أن يقود إلى المزيد من تفاقم حدة التوترات والانقسامات والصراعات بين الدول.

فضلاً عما سبق، فإن إعادة تقييم اليوان ستنطوي على مخاطر تتعلق بإحداث المزيد من التدهور على صعيد التنمية الاقتصادية والتضخم والعجز التجاري والبطالة في الدول الغربية، وفي ظل هذه الظروف، سيكون حتميا زيادة الانقسامات المتعددة الاطراف والثنائية. ومع الأخذ في الاعتبار حال التشدد التي تسود السوق، فإن إعادة تقييم اليوان في الوقت الحالي سيدخل اقتصادات الدول المستهلكة والمنتجة في دائرة المجهول.

كتب مجدي عبيد