قال المحلل الاقتصادي عادل بشتاوي ان أسواق الأسهم في الإمارات رغم طفرات النمو التي تشهدها لاتزال تحتاج إلى الكثير من العمل والجهد للوصول إلى معايير الأسواق العالمية. وأكد في حوار مع «البيان» ان ارتفاع أسعار النفط يعزز جاذبية أسواق المال المحلية من حيث توفر السيولة لدى المستثمرين إضافة إلى وجود شركات فاعلة ومؤثرة، مشيرا إلى ان دبي تمثل حالة خاصة بين مختلف أسواق المنطقة من حيث سرعة النمو وجاذبية سوقها بالنسبة للمستثمرين.
وفيما يلي نص الحوار:
ـ تشهد أسواق الأسهم إقبالا كبيرا من عدد متنام من المستثمرين لكن من الملاحظ أن الاهتمام ينصب في الغالب على الكبار، فكيف يمكن التغلب على هذا القصور؟
ـ ان حماية المستثمر الصغير يجب ان تحظى بأولوية مطلقة سواء من الجهات الرقابية أو من الشركات نفسها، ذلك ان المستثمرين الصغار هم في الغالب العماد الرئيسي للشركات وهم مصدر قوتها وليس المستثمرون الكبار كما يتبادر إلى الذهن، لكن التشريعات لا تزال قاصرة عن حماية هذه الفئة من المستثمرين ضد سيطرة وتغول كبار المساهمين .
لذلك يجب العمل مساعدة المستثمر الصغير وتحويله إلى مستثمر حقيقي وليس مضارب كما يحدث في كثير من الممارسات التي تشهدها الأسواق المحلية. وهناك بالفعل خطوات ايجابية عديدة تحققت في هذا المجال لكن سوق الأسهم يحتاج إلى وعي كبير من قبل الشباب أو فئة المستثمرين الصغار.
ويجب أن يدرك هؤلاء أن سوق الأسهم لا يهدف فقط لجني الأرباح وإنما هو أداة فاعلة من أدوات الاقتصاد الوطني وهو أيضا مكان مهم لتوفير السيولة وإشراك الناس في العملية الاقتصادية. سوق الأسهم هو المكان المثالي لتحقيق جميع هذه الأهداف:
* صغار المستثمرين بحاجة للحماية
ـ هل تتوفر حماية كافية من خلال القوانين لصغار المستثمرين؟
ـ يجب توفير مزيد من الرقابة والتشريعات الناظمة التي تسهل عمل المستثمر الصغير، وتساعد على إنصافه ومعاملته بالمستوى نفسه الذي يعامل به المستثمر الكبير دون تمييز. كذلك من واجب جميع الشركات ايا كان حجمها أو نشاطها اعلام المستثمرين الصغار بأي مستثمر كبير يدخل الشركة وحجم الأموال المستثمرة وعدد الأسهم التي اشتراها وتزويده بكل المعلومات الحيوية. وهي خطوة تعد من صميم عمل وقوانين الاستثمار عالميا. والقانون يساوي بين الجميع في هذا المجال والقوانين الحالية ورغم التعديلات التي أدخلت عليها لاتزال بحاجة إلى الكثير من التعديلات لإنصاف المستثمر الصغير وحمايته.
أسواق واعدة
ـ ما تقييمك لأداء الأسواق المالية في الدولة؟
ـ إن أسواق الإمارات المالية واعدة لكنها تنمو بسرعة كبيرة لم تقابلها سرعة انجاز القوانين. وهذا الأمر قد يكون طبيعيا ذلك ان القوانين تنشأ عادة من حاجة المجتمع لها مع تطور هذا المجتمع ونموه. والمستقبل سيحمل الكثير من التطورات بالنسبة لأسواق المال بما فيها وجود القوانين العصرية التي تتلاءم مع حاجة الأسواق وتطورها.
وسوق الأسهم يجب ان يكون سوقا استثماريا وليس مكانا للمضاربة غير المبررة، خصوصا في حالة أسواق تحقق نموا فريدا كما هي الحال في الإمارات عامة وسوق دبي خاصة. والانفراد بالمعلومات من قبل جهة أو مضاربين من الداخل لا يجوز في كل الظروف، كما ان المؤشر هو الذي يجب ان يقود السوق وليس شركة معينة أو قطاع محدد. فهذا أمر لا يحدث في الأسواق العالمية مهما كان حجم الشركة أو قوتها.
وتعزيز وعي المستثمر يعد احد الوسائل الناجعة لمنع حدوث مثل هذه الممارسات في أسواق الأسهم المحلية خصوصا بالنسبة لسوق ذات وضع خاص مثل سوق دبي التي تنتهج سياسة اقتصادية لا تعتمد فيها على النفط الذي لا تتعدى مساهمته حاليا 7 بالمئة فقط من مجمل النشاط الاقتصادي مقارنة مع دول أخرى تصل فيها مساهمة القطاعات النفطية إلى 90 بالمئة أو أكثر. وهناك الكثير من قصص النجاح بالنسبة لدبي في تقليل اعتمادها على النفط ، ويعد سوق المال هو احد هذه القصص خصوصا ان نشاطه وحجم التداول يشهدان نموا مضطردا مقارنة مع الفترة التي انطلقت فيها نشاطات السوق.
* زيادة الوعي والشفافية
ـ ترى كيف يمكن العمل على تقليل الأخطاء التي يقع فيها المستثمرون، وخاصة الصغار والجدد، في الغالب؟
ـ ان إيجاد مجتمع يتمتع بوعي اقتصادي واستثماري عال يعد أولوية قصوى خصوصا وان هناك رغبة قوية متوفرة لدى الجميع في المعرفة في مجتمع مثل الإمارات، فالاستثمار في شركة أو مشروع ما يعني التملك والمشاركة في صياغة القرارات التي تتخذها هذه الشركة دون النظر إلى كون هذا المستثمر صغيرا أو كبيرا. وخلق المستثمر الواعي أهم من وجود الشركة نفسها أو المدير الإداري القوي.
وعلى السلطات المختصة والحكومية والشركات العمل معا على تعزيز وعي المستثمر وخاصة المستثمر الصغير بحيث يدرك انه شريك كامل في إدارة الاقتصاد وعليه واجب المساهمة في دعم هذا الاقتصاد من خلال الممارسات الصحية في سوق المال وليس فقط المضاربات أو بالأحرى المقامرات اليومية.
كذلك فإن تعزيز معايير الشفافية في أسواق المال والشركات والمراقبة الفاعلة يقلل من الأخطاء ويسهم في تشجيع المستثمرين الصغار وتفعيل مشاركتهم في مختلف القرارات، فالمجهول وغياب المعلومة عامل رئيسي في ابتعاد المستثمرين وترددهم خصوصا الشباب منهم حيث يشهد السوق تواجدا كبيرا ومكثفا لعنصر الشباب أو ما يمكن تسميتهم صغار المستثمرين. وهؤلاء كما قلنا عماد السوق وعامل بارز في نشاطه وحيويته ولابد من تعزيز الشعور لديهم بأهميتهم في عمليات الاستثمار في السوق وأنهم لا يقلون عن كبار المستثمرين، هذا ان لم يزيدونهم أهمية.
ان المستثمر عندما يرى حركة غير عادية لسهم ما ولا يستطيع تفسيرها يعني له ذلك مزيدا من الخوف والغموض، وبالتالي يقع تحت وابل الإشاعات مما يزيد من حيرته. ومن الواجب على شركات الوساطة ان تزوده بكل المعلومات التي يحتاجها، ذلك ان شركات الوساطة مطالبة بتغيير المفهوم السائد عنها وألا تكتفي فقط بالجري وراء الربح بل تعمل وفق آلية منتظمة تضمن للمستثمرين تزويدهم بكافة المعلومات الحيوية التي يحتاجونها قبل تبني قرار الاستثمار الأمر الذي يعزز من ثقة المستثمر ووعيه.
* عمولة الوسطاء
ـ كيف تقيم عمولة الوسطاء بأسواق الأسهم المحلية؟
ـ إن هذه ليست بالقضية الكبيرة، فهناك أسواق عالمية تتجاوز فيها عمولة الوسطاء 5. 1 بالمئة. والمشكلة الحقيقية تتعلق بكيفية إيجاد روح تنافسية حقيقية بين المستثمرين وليس روح المضاربة، فالاستثمار لا يعني فقط عمليات البيع والشراء، وشركات الوساطة عليها ان تقدم معلومات متكاملة ووافية للسوق وللمستثمر الذي يتعامل معها، بحيث تشمل هذه المعلومات بيانات حول الشركات وأدوات المقارنة وآراء المحللين. وهذا للأسف ليس موجوداً حتى اليوم في سوق دبي المالي.
إننا يجب أن نعلم ان المستثمر الصغير أفضل بكثير للسوق والشركة بشكل خاص من المستثمر الكبير، فهو مثلاً يحقق نمواً أكبر كما أن قاعدة المستثمرين الصغار أكبر، ومن هنا فان علاقته مع الشركة يجب ان تكون أكثر قوة ويجب ان يتم تزويده بمعلومات تفصيلية حول مختلف المستجدات والتطورات التي تحدث في الشركة ذلك ان الغموض يعني الخوف بالنسبة للمستثمرين وبالتالي ترددهم.
* دور الصحافة
ـ هل يمكن للصحافة أن تلعب دوراً في هذا السياق؟
ـ ان الصحافة يمكن أن تكون أكبر عامل في تعزيز وعي المستثمر وهي العمود الرئيسي في هذا المجال بما تنشره من أرقام وتحليلات وتوقعات تسهم في خلق المستثمر الواعي المحصن ضد الإشاعات بحيث لا يتخذ قرارات بناء على هذه الإشاعات التي تؤثر سلبا على السوق ويجب على الشركات بمختلف أنشطتها وأحجامها مقاومة هذه الإشاعات سواء كانت ايجابية أو سلبية وتزويد مستثمريها بالمعلومات الدقيقة بعيداً عن الإشاعات.
والصحافة تعد أقوى ذراع لتعزيز الاستثمار والوعي بأهمية الأسواق وهي مطالبة بدور أكثر فاعلية في حماية المستثمر الصغير من خلال البيانات والمعلومات الدقيقة التي تنشرها، بحيث يشعر المستثمر الصغير انه قوي بما فيه الكفاية ولا يخاف من المستثمرين الكبار، وعلى الشركات ان تدرك ان قوتها تكون دوماً في المستثمرين الصغار ويجب معاملتهم بشفافية كاملة وبالمستوى نفسه الذي تعامل فيه الكبار.
ان غياب المعلومات عن المستثمر وتركه فريسة للإشاعات يلحق أضراراً كبيرة بالسوق ومن هنا يبرز دور الشركات التي تتحمل المسؤولية كاملة في تثقيفه وتعزيز وعيه، سواء من خلال الاتصال المباشر أو من خلال علاقاتها الراسخة والقوية مع الصحافة لتفنيد الإشاعات وتقديم الإيضاحات وطمأنة المستثمرين دون مبالغة، بحيث يدخل ويعمل في السوق بوعي تام ومعلومات متكاملة حول الشركة التي يرغب الاستثمار فيها أو القطاع الذي يستهدفه، وبالتالي نعمل على تعزيز ثقافة الاستثمار لدى الجميع.
* نصائح للمستثمرين الصغار
ـ هل من نصائح يمكن أن تساعد صغار المستثمرين على تلمس طريقهم في أسواق الأسهم؟
ـ أولى هذه النصائح أن على المستثمرين الصغار الاكتفاء بشراء كمية محددة من الأسهم في فترة واحدة بحيث يتم توزيع عمليات الشراء على مدار العام وتقسيم الاستثمارات على فترات زمنية حتى لا يتأثر كثيراً بتقلبات الأسعار. ويجب العمل على المحافظة على توازن مرن في أسعار الأسهم والعمل كذلك على توزيع المخاطر.
كما ان المستثمر مطالب بمعرفة ثقافة السوق وإدراك ان الخسارة لا تعني خسارة بالمعنى الكبير وانها خسارة «ورقية» تعد امراً عادياً ومن طبيعة عمل السوق ويمكن تعويضها بسهولة، وعليه ان يحرص على أن تكون الأسهم التي يحملها تحظى بطلب متزايد ودائم من قبل المستثمرين، ومن ذاك النوع الذي يحرص كبار المستثمرين على شرائه بكل الوسائل والمستثمرون،
وخصوصاً الصغار منهم، يجب عليهم التحلي بثقة عالية، ويتوجب على المستثمر ألا يندفع بحيث يشتري عندما يشتري الجميع أو يبيع عند البيع، وعلى المؤسسات والشركات الا تعطي درجة كبيرة من التفاؤل بحيث تسهم في دفع المستثمر للقيام بعمليات بيع أو شراء غير مبررة . كما ان المستثمر مطالب باستغلال فترات الانتعاش التي تشهدها الأسواق.
* ظواهر في السوق
ـ هل هناك ملاحظات تستوقفكم في أداء الأسواق المحلية؟
ـ هناك الوساطة عبر الانترنت، وهذه العملية موجودة منذ فترة ليست بالقصيرة في عدد من أسواق المال في المنطقة، لكنها تحتاج إلى مزيد من التطوير بحيث يتم فيها تقديم المعلومات الكاملة عن مختلف الشركات التي تعمل في السوق، والتحليلات المالية والأرقام وعوائد الشركات وإرباحها بحيث لا يقتصر نشاطها على عمليات البيع والشراء فقط. ومن الظواهر الغريبة في أسواق الأسهم المحلية ظاهرة «لا يوجد أسهم للبيع»، وهي ظاهرة سلبية وغريبة فكيف يمكن تسميته بالسوق المالي اذا لم يكن هناك أسهم للبيع. إن هذه الظاهرة لا وجود لها في أسواق المال في العالم.
* الخوف من الأجنبي
ـ كيف ترون استعداد الأسواق للتعامل مع المنافسة الأجنبية؟
ـ ان وعي المستثمر سيكون في المستقبل القريب أكثر أهمية خصوصاً مع موجة الانفتاح على الأسواق العالمية وتوفير أدوات جديدة لم تتوفر سابقاً. وعند وجود المستثمر الواعي هذا يعني المجتمع الاستثماري الواعي وهو مطلب حيوي اذا ما أردنا تعزيز النجاح الذي حققته دبي . واستعداد الشركات الوطنية لهذا الانفتاح يبدو متفاوتاً وهناك تباين بينها، داعياً إلى عدم الخوف من المنافسة الأجنبية ذلك انه من الصعب منافسة الشركات الوطنية في أرضها، فلديها العملاء الذين يثقون بها وولاء العميل عامل حيوي في هذا المجال.
ان الشركات الأجنبية وصل معظمها إلى درجة التشبع والنمو، وهي تبحث عن أسواق لها في الخارج لكن من الملاحظ ان بعض الشركات الوطنية تبقى خارج المنافسة، بسبب ضعف استعدادها لمواجهة مثل هذه التطورات، لكن الأهم هو سعة اطلاع المستثمر على الأوضاع الاقتصادية العالمية المتسارعة والتكيف معها. لذلك يجب الإسراع بتعديل القوانين الخاصة بأسواق المال، فهي لم تتجاوب بالسرعة الكافية التي تنمو بها الأسواق المالية، وقد كانت دوما حركتها ابطأ من حركة هذه الأسواق مما أوجد فجوة قد تحجم المستثمر وتسهم في تردده. ان القوانين تكون عادة استجابة لحاجات معينة .
ويجب التحلي بالمرونة في الكثير من الحالات، ويتعين إضافة إلى تعديل بعض القوانين القائمة، إدخال قوانين جديدة وعصرية تلائم التغيرات الاقتصادية المتسارعة التي شهدتها الإمارات خلال العقود الثلاثة الماضية. والخوف من استثمار غير المواطنين قد يكون مبالغاً فيه ذلك ان المستثمر الأجنبي يضخ سيولة كبيرة في الأسواق المحلية تسهم في انعاشها وهناك قطاعات ساهم تملك الأجانب في نموها كالعقار مثلاً، موضحاً ان الفرص الكبيرة التي تتمتع بها أسواق دبي تشكل عوامل جذب إضافية للمستثمرين، والقوانين والتشريعات التي تحكم عمل السوق كفيلة بطمأنة أصحاب المخاوف من تملك الأجانب.
* الأسواق العربية
ـ ما الذي تحتاجه أسواق المال العربية لتطوير أدائها؟
ـ إن أسواق المال العربية مدعوة إلى التكيف مع المتغيرات العالمية والتخلي عن التردد بحجة الأوضاع السياسية. ودبي تعد مثالاً حياً على هذه الحركة الدائمة التي أوجدت عصراً ذهبياً تعيشه مختلف القطاعات الاقتصادية ومنها سوق المال. ويجب توزيع الاستثمار في سوق المال على مختلف القطاعات الاقتصادية وعدم التركيز على نشاط أو قطاع محدد، ذلك ان قطاعات عديدة مثل البناء والتشييد والمقاولات والمصارف تشهد هي الأخرى نمواً مماثلاً، ويجب استغلال فورة النمو فيها وتحين الفرص المناسبة للشراء والبيع وفقاً لمقتضيات السوق.
ويجب أن يدرك الجميع أن المخاطر تعد من طبيعة عمل أسواق المال حيثما وجدت، والقول المأثور «اشتر على هدير المدافع وبع على أنغام الموسيقى» له ما يبرره، وهناك قصص كثيرة حقق أصحابها نجاحات مذهلة عندما قاموا بعمليات شراء وقت اشتداد المخاطر وجنوا الملايين ومنها أسهم شركة «ديل» للكمبيوتر كمثال حي على ذلك.
حوار علي الصمادي