رغم بدء جلسات الحوار بين دول أوبك والاتحاد الأوروبي، وتعدد جولات الحوار الخليجي الأوروبي، إلا أنه من الوارد أن تطرح دول التعاون السؤال نفسه الذي ردده العديد من المسؤولين الآخرين، وهو مع من سيتحدثون حول قضية ضريبة الكربون والقضايا الأخرى ذات الصلة بموضوع الطاقة ؟
فوجود مفوض لشؤون الطاقة في المفوضية الأوروبية، لا يعد في حد ذاته مؤشراً على وجود آلية أوروبية مخول لها سلطات إدارة القضايا المتعلقة بالطاقة، في ظل معارضة حكومات الدول الأعضاء التنازل عن هذا الحق السيادي للمفوضية الأوروبية، وما يفاقم الوضع سوءاً، حقيقة غياب وجود استراتيجية طاقة أوروبية موحدة، مما يجعل من الصعوبة على الدول الخليجية أن تضع أجندتها التفاوضية في مواجهة أجندات تعكس التنوع بل وأحياناً التضارب بين سياسات الطاقة الوطنية للدول الأعضاء.
ويعلم آندريس بيبالجس مفوض شؤون الطاقة في الاتحاد الأوروبي علم اليقين أبعاد المأزق الناجم عن غياب وجود استراتيجية طاقة أوروبية موحدة، خاصة وأن التقديرات تشير إلى تزايد اعتماد دول الاتحاد الأوروبي على الخارج في توفير إمدادات الطاقة.
فمع ملامسة أسعار النفط مستوى 60 دولاراً للبرميل، وتصاعد اعتماد الاتحاد الأوروبي على واردات الطاقة خلال العقود المقبلة.
يجد الاتحاد الأوروبي نفسه في وضع يستلزم منه ضرورة التصرف على نحو سريع، سواء بكبح طلبه على الطاقة أو تنويع مصادر الطاقة. ويلخص آندريس بيبالجس مفوض شؤون الطاقة في الاتحاد الأوروبي أبعاد المأزق بتنويهه إلى أنه للمرة الأولى في التاريخ تواجه دول الاتحاد الأوروبي تحديين رئيسيين متزامنين، أولهما يتمثل في الزيادة السريعة في الطلب على الطاقة من جانب الاقتصادات الصاعدة كالصين والهند، والآخر، يتمثل في ظهور حالة من عدم اليقين في شأن العمر الزمني المتبقي لاحتياطات الغاز والنفط.
* غياب الاستراتيجية الأوروبية الموحدة للطاقة
ولكن يبدو أن آندريس بيبالجس يعبر عن هواجسه الشخصية، فعلى خلاف الحال في الولايات المتحدة والدول الآسيوية والتي انشغلت منذ فترة طويلة بقضية «تأمين احتياجاتها من الطاقة» بعدما ارتقت إلى قمة أجندتها السياسية، ما زال الاتحاد الأوروبي، من وجهة نظر المحللين، يواجه إخفاقاً في وضع استراتيجية إقليمية لتأمين الطاقة. وهو الأمر الذي يجعل من الضروري بالنسبة للاتحاد الأوروبي أن يضع استراتيجية متناغمة تستجيب للمخاطر المتنامية والمترتبة على تزايد اعتماده على الخارج في الحصول على احتياجاته من النفط والغاز، ويعد هذا الأمر في تقدير فاتيه بيروت كبير الاقتصاديين في وكالة الطاقة الدولية أمراً ملحاً للاقتفاء بأثر المناطق والدول الأخرى التي تتبنى استراتيجيات نشطة في هذا المجال.
ويواجه الاتحاد الأوروبي توليفة من سياسات الطاقة متعددة المشارب، ورفضاً من جانب الدول الأعضاء للتنازل عن اختصاص السيادة في قضية ينظر إليها من قبل هذه الدول على أنها قضية أمن قومي، بحيث صار من الصعب عليه لملمة تلك المصالح معاً في مسعى مشترك للوصول إلى مصادر جديدة للطاقة.
* تفاقم صعوبة الوضع الأوروبي
ولعل وضع الاتحاد الأوروبي في هذا المجال صار أكثر صعوبة في أعقاب رفض الفرنسيين والهولنديين للدستور الأوروبي المقترح، وهو ما يدفع التعاون الإقليمي الأوروبي في مجال تأمين الطاقة في ذيل الأولويات، ولكن في وسط هذا كله، تتصرف أوروبا في رأي ليولا دي باليشيو المفوضة السابقة لشؤون الطاقة والنقل في الاتحاد الأوروبي وهي في حالة سبات، في حين ـ والكلام له ـ تصعد الصين من مشترياتها للنفط ، وتتحرك شركاتها يميناً ويساراً، ولكن من غير المؤكد أن تستيقظ أوروبا من حالة السبات.
حيث مازال ينظر فيها إلى قضية النفط على أنها ذات طبيعة استراتيجية لدرجة أنه من غير المقبول أن تكون محل تقاسم بين الدول الأوروبية، ولكن اللاعبين الكبار الآخرين لا يتصرفون بهذه الطريقة، ومن غير المحتمل بالنسبة للدول الأوروبية أن تستمر في التفكير على هذا النهج. حيث يجب التفكير في قضية النفط من منظور أوروبي وليس من منظور قومي.
بيد أن مثل هذا التصور محل نزاع واختلاف في وجهات النظر بين عواصم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، حيث تتمسك العديد منها بتبني استراتيجيات قومية في مجال الطاقة، وتبرز من بينها فرنسا التي تعتمد على الطاقة النووية في تلبية 80% من احتياجاتها من الكهرباء، وجاء على لسان فرانسوا لوز وزير صناعتها والمسؤول عن قضايا الطاقة إصراره على أن تبقى القرارات المتعلقة باحتياطات وموارد الطاقة في أيدي الدول الأعضاء.
مضيفاً لا أحد في مقدوره إنكار أن الطاقة تعتبر قضية أمن قومي، ولكن ليس هذا معناه أنه في غير مقدورنا أن نضع استراتيجية مشتركة شاملة، والحقيقة أن الدول الخمس والعشرين التي يتألف منها الاتحاد الأوروبي لم تحرز تقدماً كبيراً في القضايا المتعلقة بالطاقة. ورغم هذه المعارضة لاستراتيجية موحدة للطاقة، إلا أن المعارضين أنفسهم يرون أن اتجاهات الطلب والعرض في أسواق النفط العالمية تملي تنسيقاً أعلى من التنسيق الراهن.
وأفاد التقرير الصادر عن وكالة معلومات الطاقة الدولية أن أوروبا تحصل من الخارج على نصف احتياجاتها من النفط والغاز الطبيعي، وانه من المقدر بحلول عام 2030 أن يرتفع هذا الرقم ليصل إلى 90% من إجمالي احتياجات أوروبا، الأمر الذي يضع أوروبا في موقف الاعتماد شبه الكلي على وارداتها من الخارج. وكذلك الحال بالنسبة للولايات المتحدة التي تعتمد في الوقت الراهن على وارداتها من الخارج لتغطية حوالي نصف احتياجاتها من الطاقة، فمن المقدر أن يرتفع هذا الرقم ليمثل 77% من إجمالي احتياجاتها. كما سيرتفع اعتماد الصين على واردات النفط من 35% إلى 82%.
وفي التوقيت ذاته، فإنه من المتوقع أن تستمر احتياطات الغاز الطبيعي والنفط المؤكدة لفترة تصل إلى 40 و60 عاماً لكل منهما على التوالي. وذلك في حالة استمرار الاستهلاك على معدلاته الحالية نفسها، بل ويمكن ـ وفقاً لوكالة معلومات الطاقة الدولية ـ أن تنضب الاحتياطات بمعدل أسرع، في حالة عدم اتجاه الدول نحو تنويع مصادر الطاقة. فضلاً عن أن معظم النفط سيأتي من منطقة الخليج وروسيا وشمال أفريقيا.
* تعثر وضع أجندة مشتركة
ولقد قوبلت جهود ليولا دي باليشيو لوضع أجندة طاقة مشتركة أوروبية، وذلك أثناء توليها منصب المفوض الأوروبي لشؤون النقل والطاقة، بمعارضة شديدة من قبل حكومات الدول الأعضاء التي أجهضت بمقترحاتها الخاصة بتكوين مخزون طاقة استراتيجي أوروبي، أو على إطلاق آلية للتنسيق بين مخزونات الدول الأعضاء، وإقامة هيئة تنظيمية أوروبية تتولى التنسيق في القضايا المتعلقة بالطاقة.
ولكن لم تتبدد تلك الجهود بدون طائل، ففي عام 2000، نشرت المفوضية الأوروبية أول ورقة استراتيجية بشأن تأمين إمدادات الطاقة، وتضمنت أهدافاً تتعلق بتطوير مصادر الطاقة المتجددة، وكبح معدلات الاستهلاك، وسلطت الورقة الضوء على أهمية المحزونات الاستراتيجية، وفي العام نفسه، بدأ الاتحاد الأوروبي حواره مع روسيا التي تمثل مصدراً لثلث الواردات الأوروبية من الغاز الطبيعي.
وفي السياق ذاته، سعى خليفتها آندريس بيبالجس إلى وضع أهداف أوروبية تتعلق بالكفاءة في استخدام الطاقة، ودفع بأجندة تدعو إلى خفض استهلاك دول الاتحاد الأوروبي من الطاقة بنسبة 20% خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة. ولكن المشكلة في رأي فاتيه بيروت كبير الاقتصاديين في وكالة الطاقة الدولية تكمن في أن هذه الأهداف غير ملزمة، وهو ما يملي الحاجة لوضع أهداف سياسية لها قوة الإلزام، فضلاً عن تعبئة الثقل السياسي والتجاري الأوروبي في المفاوضات مع الدول المنتجة والدول التي يمر عبرها إمدادات الطاقة.
وعلى الرغم من الوعد الذي قطعه آندريس بيبالجس على نفسه بالعمل على تنويع مصادر إمدادات الطاقة الأوروبية، إلا أنه ليس متاحاً له حيزاً متسعاً من حرية الحركة، ويخطط الاتحاد الأوروبي الذي تحصل دوله في الوقت الحالي على حوالي ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي من روسيا، لزيادة وارداته من قطر ومصر وحتى إيران، كما ساعد بنك الاستثمار الأوروبي من خلال التمويل على إقامة خط أنابيب الغاز الطبيعي الذي يربط مصر والأردن، وبعد ذلك لبنان وتركيا، ثم دول الاتحاد الأوروبي.
* الاندفاع الأميركي الصيني
بيد أن تلك الجهود تظل قاصرة في مواجهة اندفاع الاستراتيجيتين الأميركية والصينية نحو تأمين إمدادات الطاقة، في الوقت الذي تبدد فيه دول الاتحاد الأوروبي ـ والكلام على لسان ليولا دي باليشيو ـ وقتاً ثميناً، في حين أنها بحاجة لربط شبكات الكهرباء، وإقامة شبكة أوروبية للغاز الطبيعي، وربط الاحتياطيات الاستراتيجية فيما بينها، وذلك إذا ما أرادت أوروبا أن تتجنب أزمات نقص الإمداد أو الابتزاز في المستقبل. وفي ظل هذا الغياب للآلية الأوروبية المسؤولة عن شؤون الطاقة، يظل مطروحاً السؤال: مع من سيتحدث الخليجيون حول قضايا الطاقة في أوروبا؟
وبمعزل عما إذا كانت الدول الأوروبية ستتنازل لبروكسل عن جزء من سيادتها، فإن هناك مشكلة أخرى من وجهة نظر جان كيبلر المحلل في مركز «الجغرافيا السياسية للطاقة والموارد» بباريس، وتتمثل في تعدد الأهداف وكثرتها بشكل مفرط، ومن شأن هذا الأمر أن يحول دون تحسين التنافسية وتأمين إمدادات الطاقة، ومن ثم يكون من المتعين على الاتحاد الأوروبي أن يكون أكثر تركيزاً في أهدافه وأن يضع أولوية واضحة لتأمين الطاقة.
وهو الأمر الذي سيمكن أوروبا من معالجة تحديات تأمين الطاقة في القرن الحالي. خاصة وأن أوروبا تتمتع بمزايا عدة، فهي تقع على مقربة من خطوط أنابيب نقل الغاز والاحتياطات النفطية العالمية، كما أنها تمتلك عدداً من الشركات النفطية التي تتمتع بالتنافسية على مستوى العالم، ومن بينها بريتش بترولييم وتوتال ورويال دوتش. ولكن يظل السؤال المطروح، هل بمقدور الاتحاد الأوروبي أن يجمع عناصر القوة المبعثرة تلك على هيئة استراتيجية طاقة أوروبية موحدة لها قوة الإلزام على الدول الأعضاء.
كتب مجدي عبيد