قليلة هي الأفلام الكوميدية التي تستطيع أن تحقق نجاحاً مشهوداً، بسبب قلّة الأفكار والنصوص في أسماء المخرجين الموهوبين في إنتاج أفلام مضحكة، وليس سرد «النكات» الفارغة. فالقصة الساخرة والفيلم الكوميدي من الأعمال الفنية الصعبة، إضافة إلى صعوبة إيجاد ممثلين أصحاب قدرة على أداء المواقف الملتبسة التي تبدو من أعقد الأمور في فن التمثيل إجمالاً.
فالمواقف «الفودفيلية» المسرحية استنفدت نفسها ولم تعد «مقالب سكابان» ذات مغزى، ولا الأشكال «البوليفارية» (نسبة إلى مسرح «البوليفار») تستطيع أن تكون عملاً سينمائياً موجهاً لجمهور عالمي متعدد الثقافات واللغات. بمعنى أن اللعب على تغيير معاني الكلمة ولفظها كشكل رئيسي يقوم عليه البوليفار لا يكفي، لأن الترجمة تقضي على الالتباس اللغوي المعتمد.
وهذا ما يعرفه جيداً ديفيد دوبكن مخرج فيلم «ويدينغ كراشرز» أو «فضوليو حفلات الزفاف»، الذي قام بخلطة بين الفودفيل والبوليفار، مطوراً مفاهميه لهما، أو أنه أضاف إليهما من «عندياته» ومن رؤاه ما يتناسب مع اتجاه الرموز أحياناً، تؤدي كل جملة فيها وظيفتها وتنتهي. فلا يكرر أو يبطئ. واستبدل ازدواجية الشخصية «الفودفيلي» بازدواجية الموقف.
تقوم قصة فيلم «ويدينغ كراشرز» على فكرة جديدة غير مستخدمة من قبل، حول شابين يتشاركان العمل في مكتب محاماة وفي اقتحام حفلات الأعراس من دون أن يكونا مدعوين، بغرض التعرف على بعض الفتيات وإغوائهن بشتى الطرق والوسائل، فيستخدمان الكذب والخداع، وتمثيل سلوكيات تلفت أنظار النساء، كالرقص مع امرأة عجوز جداً بشغف، وإطلاق النكات مع العجائز الآخرين، وتحويل «بالونات» الزينة إلى لعب للأطفال وإلى ما هناك، كي يظهرا كشابين لطيفين.
فيقدم هذا المخرج دوبكن في شريط بانورامي سريع، حيث نرى بطليه يحققان انتصاراتهما بنجاح كلي ثم يرتاحان، ويقرر أحدهما الإقلاع عن هذه العادة إلى حين أن يرى الثاني إعلاناً عن موعد زفاف ابنة وزير المالية الأميركية يجسّد دوره الممثل الأميركي القدير كريستوفر والكن، فيدفعهما تطفلهما لأن يقتحما حفلة العرس متنكرين باسمين مستعارين وبأنهما من أصحاب الأعمال الخيرية، ويجيدان الإبحار ورياضات أخرى يعشقها الوزير.
وتستمر الأحداث بالتصاعد ويقع ما لم يكن في الحسبان، فيسقط جون (أوين ويلسون) في حب شقيقة العروس كلاري (راشيل مكادمز) المخطوبة لشاب عنيف ومغرور، وهي الرقيقة وغير الجدية، والتي لا تلبث أن تعجب بجون لخفة دمه ورومانسيته أيضاً. أثناء ذلك يستطيع جيرمي شريك جون (فينس فوخن) أن يغوي غلوريا شقيقة كلاري، فتعلق في حبال غرامه، لكنه يسعى للتهرب منها، لكنها لا تتركه فتصر أن يقبل دعوتها إلى جزيرة يملكها والدها لقضاء بضعة أيام، ويجبره على ذلك صديقه جون لأنه يريد أن يوقع كلاري في شباكه ويلزمه فرصة كهذه.
على الجزيرة تبدأ المفارقات الكوميدية الكثيرة، وتبدو عائلة الوزير مفككة، فالأم كاثلين (جين سيمور) تراود جون عن نفسه، والجدة تتكلم بطريقة فظة وفضائحية، والشقيق الوحيد في العائلة شاذ جنسياً، ويتحرش بجيرمي، والوالد معجب بعنف خطيب كلاري، وعشيقة جيرمي غلوريا (أسلا فيثر) لا تتوانى عن طلب المزيد من الحب والإثارة بإسفاف كبير.
لا تلبث العائلة أن تكتشف كذب جون وجيرمي، فتذهل كلاري من وقع الصدمة، وتتخلى عن جون وتوافق على تحديد موعد لزفافها، بعد أن أخرته لمدة طويلة، فيبدأ جون بمعاقرة الشراب ويُصاب بيأس مضنٍ، ويحاول التسلل إلى حفلة الخطوبة الرسمية لكلاري لكنه يفشل ويتعرض للضرب. ويقطع صلته بجيرمي الذي يكتشف هو الآخر أنه واقع بغرام غلوريا. وينتهي الفيلم بأن تتقبل كلاري اعتذار جون خلال حفلة عرس جيرمي وغلوريا.
نهاية سعيدة، لها ميزتها في الأفلام الكوميدية كما جرت العادة. والشريط إجمالاً متقن بإخراجه السريع وعدم دخوله لتفاصيل ليست ضرورية. فالشخصيات بدت مسطحة وهذا مقصود من المخرج الذي استطاع أن يمنح الحدث بطولة الفيلم من دون أن ينسى إدارة ممثليه بمستوى دقيق وقوي فلم يتركهم يتجاوزون الحدث بإيماءات تدل على مسائل ليس لها ضرورة، فكل خطوة في الفيلم تبدو مستقلة ومترابطة بالبناء العام للقصة.
وبرز الممثل أوين ويلسون في أداء غير متكلف، وذكّرنا بشريطه «باتيل روكيت» إلى جانب شقيقه وإخراج وايز اندرسون وإلى جانبه فنسن فينمن بمستوى جيد وبدا بدوره الحيوي أنه صاحب طاقة، شاهده الجمهور في فيلم «السيد والسيدة سميث» إلى جانب أنجيلينا جولي وبراد بيت، ومنتظر أن يقدم عملاً جديداً في العام المقبل من بطولته وإخراج بايتون ريد تحت عنوان «بريك آب».
راشيل مكادمز الممثلة الكندية استفادت من دراستها المسرحية وتجاربها في المسلسلات الكندية الشهيرة، فقدمت شخصيتها بأسلوب تمثيلي موحٍ ويعتمد الإشارات في تعابير الوجه ونجحت أمام ممثل مخضرم مثل كريستوفر والكن الخبير بأداء الشخصيات الباردة والمركّبة كما في فيلميه الأخيرين «أروند ذا باند» و«دومينو».
أسلا فيشر في شخصية غلوريا الهائمة في حب جيرمي، أضفت على الفيلم بُعداً احتاجه، فقدمت شخصيتها المضحكة والسطحية بحرفية عالية، مع أن تجربتها قصيرة إجمالاً في عالم التمثيل إذا ما قورنت بزملائها في الشريط، خاصة جين سيمون التي لعبت دور زوجة الوزير وهي صاحبة التجربة في عالم السينما امتدت لأكثر من نصف قرن، وكانت بدايتها وهي طفلة في العام 1941 في فيلم «توم ديك آند هاري»، ومن آخر أعمالها «بي كوول» إلى جانب جون ترافولتا، هي الأخرى بحجم دورها الصغير احتاجها الفيلم وأعطته هي بخبرتها الطويلة الشيء الكثير.الفيلم سيكون من أهم الأفلام الكوميدية هذا العام، وبدأ عرضه مطلع هذا الأسبوع في الصالات المحلية.
حسين قطايا