في الثانية والعشرين من عمره كان هوارد هيوز يكابد للانتهاء من أول أعماله الضخمة، فبالاعتماد على ثروة والده التي جناها من شركته التي تصنع معدات حفر آبار النفط، كان هيوز منهمكاً في تصوير فيلم «ملائكة الجحيم» وهو عمل مكرس لتكريم الطيارين الحربيين في الحرب العالمية الأولى.
كان الوقت أكتوبر 1927 والسينما الصامتة آخذة في التحول إلى ناطقة، وحينها شاهد هيوز فيلم «مغني الجاز» للمخرج آل جولسون، وقرر أن الوقت قد حان، بل وتأخر، لإعادة رسم مشروعه وإنتاجه بأحدث التقنيات السينمائية مهما كانت التكلفة، بعد ثلاث سنوات، ظهر الفيلم وكان هيوز خلالها قد جاب كل أنحاء الولايات المتحدة بحثاً عن طائرة هوكر وسنايب وسوبويز كامل، التي رممها إلى حالتها الأولى في الحرب واستأجر جيشاً من الخبراء للتحليق بها، والمشاهد الجوية وحدها، والتي لا تزال من بين أكثر الأعمال السينمائية طموحاً، استغرقت 18 شهراً لتصويرها بتكلفة بلغت حينها 250 ألف دولار، وبانتهاء العمل كان هيوز قد صور 3 ملايين قدم من الأفلام واستخدم 20 ألف شخص وقطع الطيارون 227 ألف ميل فوق سماء لوس أنجلوس، هذه هي المشاهد التي ألهبت مشاعر المخرج مارتن سكورسيزي وهو يقرأ سيناريو فيلم «الطيار» المقترح الذي وضعه جون لوغان عن هيوز في تلك المرحلة لم يكن اهتمام سكورسيزي كبيراً بالمشروع وهو يعلم أن عدة مخرجين في هوليود ـ مثل جيم كاري وإن بيتي ـ كانوا يسعون لتقديم نسختهم من فيلم هوارد هيوز.
سكورسيزي، الذي ولد عام 1942، ليست لديه ذكريات كبيرة عن هيوز. كل ما كان يعرفه عنه هو أنه المخرج المجنون الذي مات عام 1976. أضف لذلك أن سكورسيزي لا يستطيع تحمل الطيران. كما أنه كان قد انتهى للتو من فيله الملحمي «عصابات نيويورك» (2002)، ولم يكن في حالة مزاجية تقبل بتكرار التعرض لهذا الضغط من جديد. وماذا أيضاً؟ حين بدأ إعلان أسماء الفائزين بالدورة 75 من جوائز أوسكار، كان على سكورسيري أن يصفق وهو يرى جائزة أفضل فيلم تهرب منه للمرة الخامسة على التوالي، وتذهب لرومان بولانسكي عن فيلم «عازف البيانو».
ومع ذلك، كانت هناك أشياء في النص جذبت سكورسيزي أو بالأحرى، كانت هناك أشياء في هيوز نفسه هي التي أثارت فضول سكورسيزي . وربما يكون أهمها قدرة هيوز على إدارة كل هذا الفريق الضخم، وتسخير طاقاتهم لتحويل الأحلام إلى حقائق. وربما كان ما أثاره هو رفضه للمساومة وقبول الحلول الوسط. وربما موقف هيوز في هوليود: غريب لم يكن وجهه ملائماً للسينما، أفكاره مجنونة، رجل لا يكترث بما يقوله الناس عنه مادام يفعل ما يريده هو.
ولهذا فقد يكون الأمر ذا مغزى أن نعرف أن أكثر المشاهد قرباً لنفس سكورسيزي في فيلمه الجديد «الطيار» يأتي في أول الفيلم حين يقوم هيوز الذي يلعب دوره النجم ليوناردو دي كابريو بالتقدم من المنتج لويس ماير حين يراه في أحد النوادي الليلية. يعرف مايركل شيء عن هيوز وعن حياته الباذخة، ويستغرب حين يطلب منه الأخير أن يستعير منه آلتي تصوير: يرفع ماير حواجبه مستغرباً، كاميرتين فقط؟ ويومئ هيوز بالإيجاب، فقد كان جاداً تماماً. ولكن هيوز كان يمتلك 24 كاميرا.
يجيبه ماير: «توقف عن فعل ما تفعله، ستخسر أموالك». ثم يرحب به في هوليود ويسأله: «هل تعني أنك لا تستطيع تحقيق ما تريد مع أن لديك 24 كاميرا؟ إن كانت تلك هي الحقيقة، فعليك أن تتوقف حالاً».يضحك سكورسيزي قائلاً: «إنه مشهد رائع. لويس وأصحابه يقفون ويحدقون في هيوز... لكنه يعرف أن 24 كاميرا لا تكفيه، وأنه يحتاج إلى 26 كاميرا».
التاريخ يعرف ما كان يريد هيوز تحقيقه: كان يريد أن يعلو فوق الغيوم ويصبح الإنسان الذي يطير بأقصى سرعة ليسبق حياته وأميركا والعالم كله. غير أن رغبات سكورسيزي أقرب إلى الأرض. يقول سبايك لي: «مارتن صديق لي، وأستطيع القول إنه لم يفز بجائزة أوسكار، وأنا لا أتحدث عن أوسكار شرفي حين يصبح على كرسي للمقعدين، فسيشعر عندها أن حياته المهنية لم تكتمل. شخصياً، أعتقد أنه قد حجز لنفسه مكانة مهمة في تاريخ السينما، لاشك في ذلك، وحياته السينمائية لن تزيد إن فاز بأوسكار».
ثيلما شوميكر، المحررة التي تعمل مع سكورسيزي في كل أفلامه منذ «الثور الغاضب» وتعرفه منذ الستينات لا تنكر أن الأيام العصيبة التي مرت على هيوز في عمله السينمائي قد عزفت على وتر حساس لدى سكورسيزي الذي عرف سنوات عظيمة بعد عمله الضخم «ملك الكوميديا» عام 1983.تقول شوميكر: «أعتقد أن مارتن وهوليود جمعتهما إلى حد ما علاقة غير مريحة. وأرى أن وجودنا هذا في نيويورك للعمل بدلاً من هوليوود قد يكون أمراً جيداً لنا، لأننا بذلك نبقي مسافة بيننا وبين المشكلات هناك.
نعم، لا أعتقد أن هوليود قبلت به في البداية مثلما فعلت مع هيوز أيضاً، وهو أمر طريف بالفعل. كما أعتقد أن مارتن يحظى باحترام كبير في هوليوود، لكن لسبب ما... ما زالوا يرفضون منحه جائزة أوسكار. غير أننا لا نفكر بهذا الأمر. بصراحة، لا نغار منه، لأنه كان مراً مؤلماً جداً في الماضي. وهذا ليس أحد الأسباب التي نعمل بالسينما لأجلها».
وبالفعل، كان سكورسيزي منذ 1977 يواجه أوقاتاً عصيبة في محاولة إعادة حياته المهنية إلى سابق توازنها. فيلمه «أصحاب طيبون» يعتبر من الكلاسيكيات الآن، غير أنه لم ينظر إليه على هذا النحو وقت إنتاجه تماماً، شأن «ملك الكوميديا» و«الثور الغاضب».وعلى نحو مشابه، كانت نوازع سكورسيزي موزعة بين الأفلام الاستعراضية الضخمة التي يقدمها أنداده ومعلموه، وبين الأفلام الواقعية التي يقدم فيها أبطاله.
ويمكن القول إن أكثر شخصين كان لهما أثر في حياة سكورسيزي هما إيليا كازان (19092003)، وهو رائد الميلودراما الكلاسيكية المثير للجدل وجون كاسافيتس (19291989) المخرج الشاعري لأفلام الهنود الحمر. كما يمكن الزعم أن فيلمه الغنائي الضخم «نيويورك، نيويورك» عام 1977 كان البداية الحقيقية لحياته السياسية.يقول: «أتى «نيويورك، نيويورك» بعد ثلاثة أفلام متتالية، قوبلت باستحسان إلى حد ما. وأقول إلى حد ما لأن بعض النقاد لم يرق لهم فيلم «شوارع نذلة».
ثم أتى فيلم «أليس لم تعد تعيش هنا» (1974)، والذي كان يتوجه للجمهور لكنه كان يتعارض مع أسلوب بدأه كازان وكاسافيتس. ثم أتى فيلم «سائق التاكسي» وترك وقعاً طيباً. حينها كنت أعمل على «نيويورك نيويورك»، وكانت تلك فترة مؤلمة من حياتي. أنفقت الكثير من المال على الفيلم. وأتبعت الكثير من التجريب، وبذلت الكثير من الجهد للتحسينات، ومع ذلك لم يلق الفيلم استقبالاً حسناً أبداً. لقد تجاهلوه تماماً. بل أكثر من التجاهل. لقد سخروا منه».
وبذلك، يكون فيلم «الطيار» عودة للأيام السعيدة. ربما يكون هذا هو الفيلم الذي يكون خاتمة مسيرة سينمائية استثنائية. وبعد 267 دقيقة مجنونة في «نيويورك، نيويورك» وصولاً إلى 361 دقيقة بالكاد منسجمة مع «الطيار» ربما يستطيع سكورسيزي إثبات أنه فنان تجريبي في عمل كبير. ويبدو أن سكورسيزي يريد إنهاء كتاب هوليود القديمة بملحمة أخيرة، فيما لا يزال قادراً على ذلك.
ترجمة: جلال الخليل