حققت أسعار النفط خلال الشهور القليلة الماضية ارتفاعاً غير مسبوق وتجاوزت ال60 دولاراً في بعض الأيام للبرميل. هذا الارتفاع وإن كان يعني من ناحية تدفقاً مذهلاً للعوائد يدفع باتجاه انتعاش اقتصادي عربي كبير إذا أحسن استغلالها، فإنه من ناحية أخرى يحمل مخاوف كبيرة من أن تركن الدول العربية المصدرة للنفط لهذا النمو الكبير في العوائد البترولية ويفتر حماسها للاهتمام بالقطاعات الاقتصادية الأخرى وهو ما يعني خسارة كبيرة وخاصة على المدى البعيد، عندما تقترب الاحتياطيات النفطية العربية من مرحلة النضوب.
وفي هذا الإطار عقد مكتب «البيان» بالقاهرة ندوة حول «ارتفاع أسعار النفط وأثره على الاقتصادات العربية» اتفق المشاركون فيها على أن هذا الارتفاع في أسعار النفط وما يحققه من فوائض ووفورات مالية هو فرصة طيبة للدول العربية المصدرة للنفط لكي تعيد استثمار تلك الفوائض سواء في الصناعة النفطية أو في غيرها من الصناعات.وقالوا إنه إذا لم تستطع تلك الدول إدارة حركة رؤوس أموالها - التي جاءت بصورة غير متوقعة - إدارة جيدة فإن ذلك يعني تحقيقها لخسارة كبيرة.
وأشار المشاركون الى أنه آن الأوان لأن يكون هناك تكامل عربي في مجال الصناعة النفطية وسياسة تسويقية واضحة المعالم لتحقيق أقصى استفادة ممكنة من الصناعة النفطية وتناولت الندوة أيضا قضية العلاقة بين الحلقات المختلفة في صناعة النفط والغاز، وقضية تصدير الغاز المصري لإسرائيل.
الندوة شارك فيها كل من د. حسين عبد الله أستاذ اقتصادات البترول بكلية الاقتصاد جامعة القاهرة ووكيل أول وزارة النفط الأسبق، ومهندس شريف إسماعيل رئيس الشركة المصرية القابضة للغاز، ومهندس إبراهيم العيسوي مدير عام «شركة إيدسون العالمية»، ومهندس محمد طويلة خبير في الغاز الطبيعي والبترول والرئيس السابق للشركة «المصرية القابضة للغاز»، ومهندس عبدالله غراب وكيل أول وزارة البترول المصرية، ود. ماهر السكري الرئيس السابق لمعهد بحوث البترول، ومجدي صبحي الخبير الاقتصادي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.
وأدارها د. محمد السيد سعيد مدير مكتب «البيان» بالقاهرة الذي بدأ الحوار بالتأكيد على أن الأوضاع الراهنة لسوق النفط العالمية والتحديات التي تمثلها تتطلب من الدول العربية وضع سياسات نفطية وغازية ذكية. وطرح د. سعيد عدداً من المحاور التي يمكن أن يدور حولها النقاش منها ما يتعلق بكيفية التعامل مع العوائد والفوائض العربية الناتجة عن إرتفاع أسعار النفط، والسياسات النفطية المطلوبة خلال الفترة المقبلة، وموقع الغاز العربي، سواء من الناحية التصديرية أو الاستهلاكية.
وإن كان فضل أن تكون نقطة البداية في الحوار هي إلقاء الضوء على الأسباب الحقيقية وراء الارتفاع الكبير والحالي لأسعار النفط وهل جاء ذلك بمثابة مفاجأة للقائمين على تلك الصناعة. وبادر بسؤال المشاركين هل تمثل التطورات الحالية تأكيداً لنظرية النفط كسلعة استراتيجية أم النظرية المعاكسة وهي أن النفط سلعة عادية تخضع لقوى السوق.
ـ مجدي صبحي: المفاجأة هنا ليست مفاجأة، فعلى الأقل في نهاية التسعينات كان يمكن التنبؤ بأنه في بداية الألفية الجديدة لابد أن تعود أسعار النفط الى ارتفاعها، وأعتقد أن الارتفاع الحالي الذي بدا مفاجئا يعود الى نوعين من العوامل: أولهما عوامل هيكلية مستمرة منذ فترة طويلة وتتمثل في الركون إلى وجود فائض في عرض النفط لمدة طويلة وتوقع استمراره في المستقبل بشكل وفير وبحيث يغطي العرض الطلب وبأسعار منخفضة، وقد ظلت هذه الفكرة هي السائدة والمهيمنة رغم وجود أفكار أخرى بأن النفط معرض للنضوب مستقبلاً.
هذه الفكرة أدت الى ضآلة الاستثمار في البحوث والاستكشاف وفي انشاء المصافي النفطية الجديدة في الدول المتقدمة وخصوصاً الولايات المتحدة وذلك لعاملين أساسيين، الأول ضآلة الأرباح الناتجة عن نشاط تصفية وتكرير النفط، والثاني الاهتمام الشديد بالعوامل البيئية التي تعوق التوسع في هذا النشاط الصناعي، وهناك أيضا عوامل طارئة منها تزايد الطلب الصيني والهندي مع صعودهما الصناعي الكبير خلال العقود الثلاثة الماضية، فضلاً عن عامل آخر قد يكون أقل أهمية وهو المضاربة فهناك خوف دائم من عدم قدرة العرض على تغطية الطلب وهذا ما أوجد فرصة كبيرة للمضاربين لتحقيق أرباح كبيرة من خلال التعاقد على شراء النفط الآن وبيعه مستقبلاً بأسعار أعلى.
* نبذة تاريخية
ـ «البيان»: هناك نظرية ربما تبدو تآمرية تقول إن الارتفاع الحالي في الأسعار تقف وراءه الولايات المتحدة بهدف تحقيق أرباح خارقة لشركاتها النفطية وخاصة تلك العاملة في الشرق الأوسط وبما يتيح لها تمويل عملياتها العسكرية في العراق، وأيضا لتخفيض معدل النمو في الدول الصناعية الأخرى؟
ـ د. حسين عبدالله: بداية سوف أركز على إعطاء نبذة تاريخية أرى أنها مهمة ففي عام 1945 لم يكن هناك نفط عربي باستثناء نفط العراق فالمعروف أن كل النفط العربي بدأ إنتاجه بعد الحرب العالمية الثانية، في هذا الوقت كان العالم الغربي يحتاج لإعادة بنائه، وخصوصاً في أوروبا واليابان، لأن هؤلاء هم الشركاء التجاريون لأميركا، وكان سعر النفط عالمياً في عام 1947 قد بلغ 8. 2 دولار للبرميل وبدأت الشركات في نقل البترول لتغذية الاقتصادات الغربية ضمن مشروع مارشال.
وقد تم خفض سعر البترول في عام 1959 الى 80. 1 دولار وفي الوقت ذاته عقد أول مؤتمر بترولي عربي في الاسكندرية وصدرت عنه توصية بأن أي تخفيض في الأسعار يجب أن يتم بالتنسيق مع الدول المنتجة، إلا أن الشركات لم تعبأ بذلك وتم تخفيض الأسعار مرة أخرى في عام 1960، وهو ما أدى الى إنشاء «منظمة الأوبك»، وقد ظل سعر 80. 1 دولار للبرميل ثابتاً حتى السبعينات من القرن الماضي.
في حين زادت أسعار السلع والخدمات التي نشتريها من الغرب من 100% الى 260% في الفترة نفسها، وفي ظل هذا زاد انتاج البترول العربي من مليون برميل يوميا الى 22 مليون برميل في منتصف السبعينات، ولذلك أعتبر أن النمو الاقتصادي الأوروبي والياباني وأيضا الأميركي - أميركا تحولت الى مستورد للبترول سنة 1948 - مدين للبترول العربي بجزء كبير منه خصوصاً أنهم وطنوا مسألة التكرير لديهم، الأخطر من ذلك أن الصناعات البتروكيماوية نمت على أساس التكرير .
وبالتالي بدأت كل المنتجات البتروكيماوية تحل محل المنتجات الطبيعية ولذلك حدثت مشاكل مع الدول النامية. في عام 1973 حدثت نقلة كبيرة كانت المرة الأولى التي يسترد فيها المنتج حريته بالنسبة لتحديد الإنتاج، بل والسعر، ففي 8 أكتوبر من هذا العام سافر أحمد هلال وزير البترول المصري الى السعودية واصطحب معه زكي يماني وذهبا الى الكويت ولأول مرة في تاريخ تلك الصناعة يقرر المنتجون زيادة السعر من 3 دولارات الى 6 دولارات، بعد أن كانت الدول المستهلكة ترفض رفع السعر سنتاً واحداً.
وهنا أرى ضرورة أن أؤكد أنه لولا الحرب والانتصار في أكتوبر لما زاد سعر البترول، أي أن الحرب هي التي خدمت البترول وليس العكس، ثم زاد السعر بعد ذلك من 6 الى 12 دولاراً مع بداية عام 1974، وقد استطاع المنتجون أن يتمسكوا بإرادتهم وحريتهم في تحديد الإنتاج والسعر في الفترة من 1974 وحتى 1985، أما في 1986 فقد بدأ تراجع السعر من 28 دولاراً الى 18 دولاراً، وللأسف بهندسة عربية.
من جانب آخر وفي عام 1974 تم إنشاء وكالة الطاقة الدولية وبدأت الدول الكبرى ترتب بيتها من الداخل بالنسبة لمسألة مصادر الطاقة، وهو ما أكده وقتها وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنغر، عندما قال إنهم لن يتفاوضوا مع المنتجين إلا بعد ترتيب بيتهم من الداخل، وفي هذا الوقت حدث ما يسمى بحوار الشمال والجنوب الذي افتتحه الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان في أواخر ديسمبر 75 وبدأنا نتفاوض في 4 لجان، واحدة للطاقة ومهمتها بحث مطالب الدول الغربية من العرب، و3 لجان أخرى لبحث مطالب الدول النامية من الغرب.
وكنت أحد الخمسة عشر خبيراً الذين تكونت منهم لجنة الطاقة وعقدنا الكثير من الاجتماعات في باريس، ولكن كانت هناك في الوقت نفسه تحركات خارج إطار هذه الاجتماعات استطاعت الدول الغربية من خلالها تلبية احتياجاتها من البترول عبر اتفاق مباشر مع دول الخليج. وكانت النتيجة أن ثبت سعر البترول عند 18 دولارا للبرميل في الفترة من 1986 وحتى عام 2000، وتكررت القصة مرة أخرى..
أسعار البترول ثابتة، وأسعار الخدمات والسلع التي نستوردها من الغرب تزداد، في عام 2000 زاد السعر الى 27 دولاراً للبرميل وقتها حددت «أوبك» السعر التوازني في حدود «22 - 28 دولاراً للبرميل» فثبت السعر عند 25 دولاراً للبرميل خلال السنوات، 2000، 2001، 2002، وفي 2003 قفز السعر الى 28 دولاراً، وفي 2004 قفز السعر الى 36 دولاراً للبرميل، أما في 2005 فتراوح السعر حول 50 دولاراً.
ـ مهندس إبراهيم العيسوي: كان لمصر تجربة متميزة بالنسبة لدراسة الأسعار، ففي عام 2000 أردنا في وزارة البترول عمل دراسة حول سعر الغاز المصري، وبالتالي كان لابد أولا أن ندرس تكلفته. الدراسة اشترك فيها عدد من الخبراء الإقتصاديين على مستوى عال جدا، وفي مضمار البحث تأكدت من خلال المراجع أن أسعار البترول خلال المائة عام السابقة عن عام 2000 لم تتغير وثبتت عند 18 دولاراً هذا إذا تم التغاضي عن الفترات القليلة التي انخفض فيها السعر جدا، أو زاد جدا، والتي لم تستمر طويلا.
بناء على ذلك قررنا في لجنة تسعير الغاز أن نسعره وفقاً لسعر 18 دولارا للبرميل، وبدأنا دراسة كل الحقول القديمة والجديدة وحتى المستقبلية ووصلنا الى سعر للغاز واختلف هذا السعر وفقا لاستخدامه من حيث كونه للتصدير أو للصناعة أو المساكن للاستخدام العائلي وهكذا. الأمر الثاني هو الخاص بالاستهلاك العالمي للبترول مقارنة بالاحتياطيات العالمية منه. أنا أعتقد أن العالم يستهلك ما يتراوح بين 95 الى 97% من الطاقة الإنتاجية في العالم، أي نستهلك تقريبا كل ما نستطيع إنتاجه.
أيضا أنا أرى أن العمر الحقيقي للبترول هو مائة عام «زيت وغاز» مرت منها 50 عاما ويتبقى 50 أخرى ولن يزيد عن ذلك ومن هنا يجب ألا نندهش عندما نسمع خلال السنوات العشر القادمة أن سعر البرميل وصل الى أكثر من مائة أو مائتي دولار. في الوقت نفسه إذا عدنا الى الولايات المتحدة الأميركية ونظرنا لطبيعة تحركاتها الحالية لوجدنا أنها تحاول السيطرة على منابع النفط فهي متواجدة في قطر والكويت، والعراق،
وأفغانستان، ومصر والسودان وكل ذلك من أجل تأمين احتياجاتها من النفط والضغط على القوى الصناعية الكبرى، وخاصة في الصين والهند باستخدام هذا السلاح وهذا يفسر لي كل التحركات الأميركية في الشرق الاوسط والاقصى. فالذي يسيطر على صناعة النفط وخاصة التسويق يسيطر على العالم .
* زيادة الطلب العالمي
ـ البيان: هل يمكن القيام بعملية رصد تاريخية لتطور نشاط استخدام الغاز كما هو الحال مع البترول؟
ـ مهندس شريف إسماعيل: لم يأخذ الغاز دوره القوي في السوق ويتطور إلا في السنوات العشر أو الخمس عشرة الأخيرة ومع زيادة الطلب العالمي على استخداماته والمناداة بالحفاظ على البيئة الى جانب الاحتياطيات الكبيرة التي تم اكتشافها في بعض مناطق العالم كما هو الحال في الاتحاد السوفييتي، ونستطيع أن نقول إن بداية الاستخدام الأكبر للغاز كان مشروع سيبريا وامتداد خطي الغاز منها الى أوروبا كبديل للطاقة، بعد ذلك امتد نشاط الغاز الى بحر الشمال ثم دخلت الجزائر على الخط كدولة مصدرة للغاز وهكذا.
ـ «البيان»: ما هي العلاقة بين سوق الغاز والنفط؟ وهل هما مرتبطان؟
ـ مهندس شريف إسماعيل: معدلات الزيادة السنوية بالنسبة للزيت الخام 9. 1% في مقابل 2. 2% في الغاز الطبيعي، أي أن كليهما يحقق زيادة سنوية، وبالنسبة للاستخدامات فالغاز الطبيعي يستخدم حاليا في محطات الكهرباء والطاقة ولكنه حتى الآن لم يستخدم بتوسع في وسائل النقل، ومع ذلك فمن المنتظر أن يتعاظم دور الغاز في المرحلة القادمة سواء في أوروبا والولايات المتحدة ولكن هل سينجح الغاز في سد الفجوة مع الزيت الخام؟..
أنا أرى أنه لن ينجح، فهناك منتجات لن يستطيع الغاز أن يحل محلها، أيضا البدائل الأخرى للطاقة مثل الطاقة الشمسية، الرياح، والهيدروجين، وحتى الطاقة النووية لها محدوديتها فالاحتياطيات بالنسبة لليورانيوم محدودة عالميا، والموقف الحالي بالنسبة للزيت الخام يؤكد أنه لن تكون هناك بدائل أخرى للطاقة في المرحلة القادمة بما فيها الغاز فهو قد يحسن فقط من وضعية سوق النفط، إلا أنه لن يكون بديلا كاملا للنفط.
ـ د. ماهر السكري: هل السعر الحالي للبترول حقيقي أم لا؟ أنا أقول العنصر التآمري يطل برأسه هنا فنحن إذا تأملنا الموقف برمته لقلنا إن الأسعار يجب أن تتراجع وليس العكس فنحن في فترة الصيف التي يقل فيها استخدام البترول.
ـ «البيان»: ولكنها فترة تكوين المخزون الشتوي في الدول الغربية.
ـ د. ماهر السكري: هي تآمرية أيضا من ناحية استنزاف مواردنا البترولية. أنا يجب ألا أفرح كثيرا بالعوائد الكبيرة من تصدير البترول فنحن دول مستهلكة ولسنا أصحاب تكنولوجيا، بحيث أقول إن زيادة أسعار البترول مع وجود التكنولوجيا سيعني دعماً لاقتصادياتي، بل بالعكس زيادة البترول تؤدي الى تراجع كبير في القطاعات الاقتصادية الأخرى غير النفطية.
ـ «البيان»: ماذا عن التعاون العربي في مجال إدارة السوق العربي للنفط، وهل هناك أفكار خلاقة يمكن من خلالها تحقيق أقصى استفادة ممكنة في هذا المجال؟.
ـ د. حسين عبدالله: مؤشرات الطلب العالمي على البترول تشير إلى أن الاستهلاك العالمي للبترول في الوقت الحالي حوالى 82 مليون برميل يومياً، وهناك تقديرات تقول إن هذا الاستهلاك سيصل إلى 125 مليون برميل في 2025، أي خلال العشرين عاما المقبلة، وخلال هذه الفترة هناك 6 دول فقط ستكون هى القادرة على توسيع طاقتها الإنتاجية، 5 منها في الخليج العربي بالإضافة إلى فنزويلا، هذه المجموعة من الدول سيزداد التركز الاحتكاري في أيديها.
في الوقت نفسه هناك تقارير معتمدة تؤكد أن التقديرات الحالية للاحتياطيات النفطية العالمية ليست دقيقة فهذه التقديرات أكبر من الواقع أقل بنحو 30%، وبالتالي فإذا كانت الاحتياطيات التي تم تضخيمها والدول التي لديها قدرتها على توسيع قدراتها الإنتاجية ستمارس احتكارا، فالمتصور هنا أن مستقبل أسعار النفط تتجه للإرتفاع الحتمي.
ـ البيان: ما نريده معرفته هو ما الذي يجب أن تكون عليه السياسات العربية النفطية للتعامل مع هذا الواقع المستقبلي؟
ـ د. حسين عبدالله: بصراحة العرب لا يملكون سياسة معينة في هذا الشأن، بل ليس لديهم الحرية لانتهاج سياسة معينة تعبر عن مصالح شعوبهم، فبعض الحكام العرب يتلقون تعليماتهم من مستهلكي البترول ويزيدون من إنتاج حقوق البترول في أراضيهم بما يرهقها.
ـ مهندس إبراهيم العيسوي: أنت الآن لا تستطيع أن تقول في ظل تواجد كل هذه القوات الأجنبية في أراضيك إن سعر بترولي كذا وسقف إنتاجي كذا.
ـ مهندس عبدالله غراب: ولكن يجب على منتج البترول أن يستغل الأسعار المرتفعة الحالية لتكوين وفورات مالية.
ـ مهندس شريف إسماعيل: على ما يبدو أن العالم متعايش مع الأسعار العالمية، ففي نهاية الثمانينات وبداية التسعينات عندما ارتفعت الأسعار بسبب حرب الخليج لم يستطع العالم أن يتعايش معها وحدث نوع من الرعب على المستوى العالمي، لكن اليوم هناك نوع من التعايش مع هذه الأسعار، بما يعني قبولها، واعتقد أن دول منطقة الخليج، بشكل خاص والدول المنتجة للبترول بشكل عام تعيش مرحلة غير مسبوقة حيث زادت عوائدها من تصدير البترول بشكل كبير جدا .
وهذه فرصة لتنويع مصادر دخلها حتى إذا حدثت مثلا مشكلة خلال السنوات العشر المقبلة يصبح لديها حجم استثمارات، سواء داخل المنطقة العربية أو خارجها يؤمنها أمام أي مخاطر كما يمنحها وجود هذه الاستثمارات القدرة على التحكم في السوق وذلك بعكس حالتها عندما يكون البترول هو المصدر الوحيد للثروة. أي أن هذه فرصة طيبة للدول العربية لكي تعيد استثمار دخلها في محفظة متنوعة من الاستثمارات سواء داخل أو خارج المنطقة العربية، كما يجب أن يكون هناك تصور لمشروعات بترولية أو غير بترولية في المنطقة والتي أرى أنها أصبحت منطقة جاذبة للاستثمار.
ـ د. ماهر السكري: إذا لم تستطع الدول العربية المنتجة للبترول أن تدير حركة استثمار رأس المال الذي جاء على غير ما هو متوقع إدارة جيدة فسيكون ذلك خسارة كبيرة، وهنا أتساءل: هل الدول العربية لديها القدرة على الجلوس معا من أجل وضع تخطيط جيد في هذا الشأن؟ للأسف إنها غالبا تدخل في تنافس لا يكون في صالحها.
* مشروعات متشابهة
ـ «البيان»: ما تصوركم للتخطيط العربي الجيد بالنسبة للسياسات النفطية المستقبلية؟
ـ مهندس محمد طويلة: طبعا في الفترة الماضية كان هناك نوع من التنافس يظهر في طبيعة المشروعات المتشابهة الموجودة في الدول العربية وكان ينظر دائما للسوق المصري على أساس أنه سوق للمنتجات أكثر منه سوق للمشروعات، وأرى أن هذا الوضع لابد أن يتغير وأن يكون هناك تكامل بين الدول العربية، بمعنى ألا تقوم كل الدول بعمل مشروعات للبتروكيماويات بل لابد أن يكون هناك تنسيق وتعاون واستفادة من الامكانات المتاحة في كل الدول العربية.
ـ مهندس إبراهيم العيسوي: صناعة النفط مثل أية صناعة، الحكم وصاحب الكلمة العليا فيها هو التسويق، وإذا لم يكن لدينا في المستقبل القريب أو البعيد سياسة تسويقية أو شبكة تسويق قوية، فلن تكون هناك استفادة كبيرة من الصناعة النفطية العربية.
ـ د. حسين عبدالله: لست متفائلا بالنسبة للتكامل العربي النفطي ، لقد كنت ممثلا لمصر في المكتب التنفيذي للأوابك لمدة 15 عاما وأقمنا مشروعات مشتركة هنا وهناك، إلا في مصر حيث لم تتحمس غالبية الدول الأعضاء في الأوابك لذلك، فمثلا بالنسبة لصناعة البتروكيماويات، كل دولة أقامت مشروعها الخاص ولا يوجد تكامل بينها، بل إن كل دولة كانت عضوا في الشركة المشتركة أقامت مشروعها الخاص المنافس في النوع نفسه من الإنتاج.
ـ مجدي صبحي: بعيدا عن التفاؤل والتشاؤم اعتقد أن هناك فرصة تاريخية من الزاوية الاقتصادية البحتة بالذات في مجال التصفية، ولقد أدركت كل دول الخليج ذلك وهناك عدة مشاريع لإنشاء مصافي لديها، وهي لم تكتف بذلك بل تجاوزته إلى إنشاء مصفاة مشتركة ضخمة في الصين سعودية وأميركية، الفرصة التاريخية هنا أنه إذا كان من المتوقع أن يقل إنتاج مصر من الزيت خلال السنوات العشر المقبلة فهناك فرصة للتفاوض على إقامة مصفاة أو اثنين في مصر بطاقة إنتاجية كبيرة.
ـ مهندس شريف إسماعيل: التكامل العربي في مجال النفط إذا لم يبن على أسس اقتصادية بحتة ويحقق عائدا مناسبا للاستثمار والمستثمر فهو لن يكون فعالا، أيضا عندما نتحدث عن جذب الاستثمار فلابد أن ندرك أنها منظومة متكاملة فيها العمالة، الموقع، الضرائب، ومصر تتمتع بجزء كبير من هذه العوامل، سواء كسوق داخلي أو كسوق للتصدير لأوروبا أو للشرق أو لأميركا.
كما أنه بالنسبة لمسألة إقامة المصافي هناك توجه عربي نحو إنشاء معامل تكرير من الجيل الثالث في مصر على أساس أن ينتج منتجات بترولية عالية الجودة، وفي الوقت نفسه ينتج منتجات بتروكيماوية بهدف تصديرها لأوروبا وأميركا، واعتقد أنه يجب أن نكون متفائلين بأن الاستثمارات العربية يمكن أن تنجح طالما بنيت على أسس اقتصادية واضحة وإذا وضعنا المنظومة المناسبة لجذبها.
ـ «البيان»: نريد أن نتعرف منكم على السياسات العربية في الصناعات النفطية الأمامية والخلفية في ضوء التطورات الحالية؟
ـ مهندس شريف إسماعيل: السياسات النفطية العربية اعتمدت في المقام الأول على تصدير الخام من البترول وجزء منها اعتمد على التصنيع، خاصة على البتروكيماويات، وهناك السعودية التي تمتلك شركة زسابكس أعظم الشركات العالمية في هذه الصناعة، وكان نشاطها قد بدأ بدعم من الدولة وانصب اهتمامها على الغاز المصاحب للزيت، وأصبحت أكبر المصدرين عالميا للمنتجات البتروكيماوية.
ـ «البيان»: الدول العربية لديها أموال فهل من الممكن أن يكون لديها القدرة على الدخول في إنشاء شركات للاستكشاف بدلا من الاعتماد على الشركات الأجنبية في هذا النشاط الحيوي، خاصة في السعودية باعتبارها أكبر المنتجين؟
ـ المهندس شريف إسماعيل: اهتمام الدول العربية بالنشاط الاستثماري بدأ بالتصنيع البترولي، خاصة في مجال التكرير ثم امتد إلى الغاز الطبيعي المصاحب للبترول وكان أمامهم بديلان، إما أن يحرقوه أو أن يتولوا تصنيعه واختارت السعودية الدخول في تصنيع الغاز، وهو أحد النماذج الناجحة في الاستثمار حيث تولت استخلاص المشتقات منه وتصنيع البتروكيماويات.
ولو نظرنا إلى مصر سنجد أن الوضع لم يكن مثل السعودية حيث بدأ التركيز على التكرير ولم يتم الدخول الى مجال البتروكيماويات إلا في نهاية التسعينات، معتمدين على تزايد انتاجنا من الغاز وكذلك احتياطياتنا وتم إنشاء مجمع الغازات الطبيعية للمنطقة العربية في الاسكندرية واستخدام مشتقاته في صناعة البتروكيماويات حتى تم رسم استراتيجية حالية تتضمن إنشاء 14 مجمعا للبتروكيماويات باستثمارات تصل إلى 10 مليارات دولار على ثلاث مراحل بدأت الأولى منها عام 2002 وتنتهى في عام 2022.
ـ «البيان»: كان التركيز دائما على تخزين النفط باعتباره سلعة ناضبة وبالنسبة لمصر محدودة الاحتياطيات فلماذا يتم التوسع في الإنتاج الآن والتصدير؟
ـ المهندس عبدالله غراب: قرارات تصدير البترول أو الغاز هي قرارات دولة وترتبط بصفة عامة باحتياجات الدولة من العملات الصعبة وحاليا في مصر لدينا احتياطيات من النفط والغاز تتجاوز أي معدلات كانت في الماضي، وكانت البنية الأساسية في حاجة للكثير من الموارد المالية والعملات الصعبة، ومن هنا لم يكن لدينا بديل إلا تصدير البترول والغاز الطبيعي لتوجيه جزء من عوائده لدعم المنتجات البترولية وغير البترولية التي نستوردها بنقد أجنبي ومنها السلع الاستهلاكية وتوجيه الجزء الآخر لإقامة مشروعات جديدة.
* الفائدة المضافة
ـ «البيان»: هل تجدي مثل هذه المقايضة وهل يصح تصدير الطاقة مقابل الحصول على سلع استهلاكية في حين نجحت دولة مثل السعودية في مقايضته بمشروعات عملاقة ؟
ـ مهندس إبراهيم العيسوي: لا يجب أن نقارن الفائدة المضافة من استغلال البترول المصري المحدود والذي لم يزد إنتاجه في أعلى مستوياته على 750 ألفاً أو حتى مليون برميل يوميا مع السعودية أو غيرها والتي تنتج 12 مليون برميل يوميا.
ـ «البيان»: إذا كانت الطاقة لدي محدودة أليس من الأفضل أن أحافظ عليها وألا أبادلها بسلع استهلاكية؟ لقد صدرنا نفط بسرعة بسلع مثل الشاي والقهوة!.
ـ مهندس إبراهيم العيسوي: لابد أن تكون المقارنة بين حجم ما لدي من نفط وحجم إنتاجي مع ما قمت ببنائه - عبره ـ من مشروعات وفي ظل تعداد سكاني وصل إلى 72 مليون نسمة وما فعلته الدول العربية الأخرى بما لديها من احتياطيات ضخمة وحجم إنتاج كبير مع تعداد سكاني محدود للغاية. فمصر دولة ذات بنية متكاملة وذات حاجات كبيرة جدا تستلزم إنفاقا واستثمارا كبيرا من العملات الصعبة. ولهذا لم يكن لدينا أي اختيار آخر غير تصدير النفط.
ـ مهندس عبدالله غراب: نحن في مصر نحاول عمل تكامل بين الزيت والغاز، فمع تراجع إنتاج الزيت يتم التوسع في استخدامات الغاز لسد الفجوة حتى أصبح استهلاك الغاز متعادلا مع البترول داخل مصر بنسبة 50% لكل منهما.
ـ مجدي صبحي: يتردد حاليا في الأوساط الاقتصادية العالمية أن مصر سوف تصبح دولة مستوردة للبترول ومنتجاته عام 2010 فما مدى صحة هذا الكلام؟.. وهل صحيح أننا ننتج نحو 580 ألف برميل يوميا نستهلكها تقريبا.
ـ د. حسين عبدالله: لدي أرقام تؤكد أن استهلاك مصر من الطاقة كان 7 ملايين طن سنويا عام 1975 ووصل حاليا إلى 46 مليون طن سنويا، وبمعدل نمو 5. 6% سنويا، فلو قلنا إن معدل النمو سيكون 5% فقط فسوف يصل استهلاكنا سنة 2020 إلى 100 مليون طن، ولو قللنا معدل نمو الاستهلاك إلى 3% فقط في حالة تفعيل دور جهاز تخطيط الطاقة سوف يصل استهلاكنا في 2020 إلى 75 مليون طن..
لكن احتياطياتنا الحالية الرسمية زيت وغاز نحو 15 مليار برميل، أي نحو 2 مليار طن فقط، نصيب الشريك الأجنبي منها الثلث، وبالتالي نجد أن الاستهلاك المجمع من اليوم وحتى 2020 سوف يقضي على حصتنا كاملة، ومن هنا سنكون مطالبين في 2020 باستيراد نحو 75 مليون طن، وفي ظل أسعار سوف تتراوح ما بين 40 الى 80 دولاراً فإن احتياجاتنا لن تقل وقتها عن 20 مليار دولار سنوياً ومن الممكن أن تصل إلى 35 مليار دولار وهو ما سوف يترتب عليه مشكلة كبيرة لمصر..
ولكن لو نظرنا إلى أن لدينا إنتاجاً سنوياً 58 مليون طن نستهلك منها 46 مليون طن وبما أن نصيبي الثلثين فقط، أي 39 مليون طن ففي هذه الحالة أكون مستورداً صافياً للزيت والغاز بداية من هذا العام وبالتالي فإن تصدير الغاز هو مغامرة بحياة الشعب.
ـ «البيان» كيف استمر في تصدير النفط من عام 86 وحتى الآن وبأسعار رخيصة، وأنا أعلم أنني سأتحول لمستورد بأسعار مرتفعة خلال فترة قريبة؟
ـ المهندس محمد طويلة: أريد أن أوضح أن هذا التقييم والتحليل الذي تفضل به الدكتور حسين عبدالله مبني على أن الاحتياطي من الغاز والبترول المصري ثابت لا زيادة فيه ونسي أن وزارة البترول طرحت السنة الماضية 39 اتفاقية للبحث والاستكشاف وكل عام يزيد الاحتياطي من 4 إلى 6 تريليونات قدم مكعب غاز وهو الحد الأدنى، وبالتالي فإن تخطيطي لابد أن يكون لـ 20 أو 25 سنة المقبلة، فلا يصح أن أخطط بناء على احتياطيات اليوم وأترك ما سوف يستجد غداً لأن الاحتياطي ديناميكي متحرك والاكتشافات تحدث وتزيد سنوياً.
ـ د. ماهر السكري: منذ عملت في قطاع البترول عام 1964 وأنا أسمع أن احتياطي البترول لن يكفى لأكثر من 16 سنة والآن نجد الكلام نفسه وهو أن الاحتياطي يكفي فقط 16 أو 20 سنة، مع أن هناك تزايداً في الاحتياطيات في ظل حركة البحث والاستكشاف المستمرة.. يجب أن تتذكر أن إنتاجنا لم يكن يزيد على 400ألف برميل يومياً ثم وصل إلى 800 ثم مليون ثم تراجع إلى 600 ألف برميل وحدثت اكتشافات كبيرة جداً للغاز لم تكن في الحسبان.
فحساباتنا اليوم لابد أن تكون كما يفعل قطاع البترول طبقاً للواقع والمتوقع.. وأنا كرجل بحث علمي أرى أن مستقبل البترول والغاز الطبيعي في مصر واعد، ففي السابق لم تكن مصر تطرح في السنة الواحدة أكثر من اتفاقيتين للبحث والاستكشاف، أما الآن فقد دخل الصعيد وهو أكثر من 50% من مساحة مصر مجال البحث ومناطق اخرى لم تكن يتطرق إليها نظر أحد، بالإضافة لتطور أساليب وأدوات البحث التي أعطت أهمية لمناطق سبق البحث فيها، لكن تطور الأساليب كشف عن وجود طبقات غاز وبترول على أعماق كبيرة جداً، لكل هذا فالمتوقع أن تزداد الاحتياطيات وبالصورة التي تدعونا للتفاؤل بمستقبل مصر النفطي.
ـ مهندس عبدالله غراب: هناك اكتشافات جديدة تحدث سنوياً، والدليل أن العام الماضي تم خلاله تعويض ما تم إنتاجه بل أضيف للاحتياطيات البترولية المزيد.
ـ مهندس إبراهيم العيسوي: أريد أن أوضح أنه في بداية 1999 كنا نتحدث عن تصدير الغاز وكان الدكتور حمدي البمبي مازال وزيراً للبترول وكان المستهدف تصديره من الغاز تتراوح قيمته ما بين4 أو 5 مليارات دولار لسداد التزامات على هيئة البترول للشركات الأجنبية نظير نصيبها من الغاز الطبيعي وكذلك النفقات ولو لم تدفع هيئة البترول هذه الأموال لترتب على ذلك مشاكل كبيرة بالنسبة لها، وأريد أن أطلب ممن يقول بعدم ضرورة تصدير الغاز أن يوضح لنا كيف يحصل الشركاء الأجانب على حقوقهم؟ كيف أحفزهم على المزيد من البحث والاستكشاف، دون أن أسمح بعملية التصدير؟
إن ما يطالب به هؤلاء يعني ترك الشركات الأجنبية لمصر والذهاب إلى غيرها، كما يجب أن نعلم ما قاله الوزير السابق المهندس عبدالهادي قنديل في عام 86 في لقاء تليفزيوني من أن البترول المصري أمامه 8 سنوات وينضب وقد مر نحو 20 سنة ومازالت الاحتياطيات البترولية عند المستوى نفسه.. وأريد أيضا أن أُذكَّر الدكتور حسين عبدالله عندما تحدثنا في عام 2001 عن الغاز والتسعير ووجدنا أن بيع الغاز لم يكن بأقل من سعر التكلفة بل بأسعار تفوق هذا السعر.
ويجب أن نعلم أن سعر بيع الغاز من الإسالة حقق لمصر أرباحاً عالية جداً، من خلال مضاعفة طاقة المصنع الذي أنشئ بـ 80% استثمارات أجنبية، وقامت القابضة للغاز باستغلال الطاقة الفائضة في المصنع لتسييل غاز مصري، ندفع في تسييله 75 سنتاً فقط للمليون وحده وتقوم ببيعه بما يتراوح بين 7 الى 9 دولارات.. وبعدها أقمنا شركة «إدكو» لتسييل الغاز وتم التعاقد على البيع بسعر أكثر من 3 دولارات لكل مليون وحدة حرارية، في الوقت الذي كان يباع فيه في العالم بنحو 5. 2 دولار وهو مشروع جديد أعطاني قدرة على تسييل الغاز المصري وبيعه أيضا بما يصل لـ 9 دولارات طبقا للأسعار العالمية.
فهل كنا في ظل ذلك نتوقف عن التصدير ولو لم نصدر فمن أين كنا ندفع مقابل حصة الشريك الأجنبي في ظل وجود حقوق شركات البترول والتزايد المستمر في معدلات استهلاك البترول المدعوم وبما يتجاوز 25 مليار جنيه سنوياً، أيضا لو سلمنا بأن الاحتياطي المصري من الغاز يفوق ال67 تريليون قدم مكعب فكيف لا نصدر من هذه الاحتياطيات؟ فمن خلال دراسة قمت بإعدادها عام 2000 كان الإحتياطي 42 تريليوناً .
بينما ما تم إستهلاكه من الغاز في مصر منذ عام 1975 وحتى ابريل 2000 وصل إلى 5,7 تريليونات فيما لم يتجاوز استهلاكنا السنوي منذ عام 2000 وحتى الآن التريليون قدم مكعب، أيضا لم يكن يجرؤ الشريك الأجنبي على إقامة وحدات إسالة إلا وهو يعلم أن احتياطيات مصر كبيرة من الغاز ولم يكن المستكشف يبحث وينمي إلا إذا حصل على ثمن حصته من الغاز المنتج،وأنا من خلال عملي كمستشار لشركات أجنبية منذ سنوات أعرف أن أول هدف لتلك الشركات هو إعادة مناقشة سعر الغاز مع وزارة البترول.
لأن الوزارة وضعت معادلة سعرية بموجبها لا يزيد سعر الغاز الذي نشتريه من الشريك الأجنبي على 65. 2 دولار لكل مليون وحدة حرارية وهو ضعيف جداً مقارنة بسعر الـ 6 أو 7 دولارات في العالم، إضافة إلى أنه في حالة عدم دفع ثمن البترول للشريك الأجنبي فسوف يتولي هو الحصول عليه بتصديره للخارج مع أننا في حاجة إليه لتغطية احتياجاتنا ولذلك ندفع نقداً لشرائه، أما بالنسبة للغاز فلن تتحرك الشركات الأجنبية تجاه الاستكشاف وزيادة احتياطياته إلا إذا تأكدت أنها سوف تحصل على مستحقاتها المالية أو أن تقيم مشروعات تصديرية.
ـ مهندس محمد طويلة: عندما تم وضع فكرة الحد الأقصى للتصدير بما لا يزيد طوال فترة العقود المبرمة على ثلث الاحتياطيات المؤكدة كان الهدف من ذلك أن أحصل على حصة الشريك الأجنبي رخيصة بسعر 6. 2 دولار رغم أن متوسط الأسعار في الخارج 4 أو 5 دولارات، أي أنني أحقق مكاسب من وراء ذلك عن طريق تصدير حصته وأدفع له مستحقاته وأحصل أنا على فرق السعر كمكسب.
* خطة قومية
ـ «البيان»: نريد وضع تصور عن سياسة الغاز المصرية وهل الهدف منها أن يحل الغاز محل النفط؟
ـ مهندس شريف إسماعيل: بالفعل تزايد الاعتماد على الغاز للاستهلاك المحلي حتى وصل استخدامه نسبة 50% من إجمالي الطاقة «بترولاً وغازاً» ويتزايد إحلال الغاز محل المواد البترولية حتى أن محطات الكهرباء تعتمد على 92% من الطاقة على الغاز وكذلك شركات الأسمدة والأسمنت والزجاج والصناعة بشكل عام وسوف تستمر حيث يوجد تعاقد حالياً على توفير الغاز لنحو 6 مصانع أسمدة منها المصرية للأسمدة والاسكندرية للأسمدة .
وتوجد أيضا خطة قومية لتوصيل الغاز لنحو 6 ملايين وحدة سكنية خلال ال15 سنة المقبلة وزيادة عدد السيارات التي تعمل بالغاز وخط غاز جديد يصل الى أسوان ليغذي كل الصناعات وينمي جنوب مصر في 2010/ 2011.. نحن لدينا خطة لإحلال الغاز محل المنتجات البترولية. أما السوق المحلي المصري فيستهلك سنوياً حوالى 5. 3 مليارات قدم غاز وقدراتنا بنهاية هذا العام من الممكن أن تصل إلى 5. 5 مليارات، وطالما نحن قادرون على هذا الإنتاج ولدينا هذه الاحتياطيات فما هي الصورة المثلى للتعامل مع الشريك الأجنبي؟
هل أقول له أنا آسف اكتشافاتك الكبيرة لن ندخلها إلى مرحلة الإنتاج لأننا سوف نحتاجها في المستقبل للأجيال المقبلة. هذا الكلام ليس منطقياً لأنه سيترتب عليه، أولا سندخل في مشكلة بسبب عدم التزامنا بالشروط المنصوص عليها في الاتفاقيات، وثانيا هذا الشريك الأجنبي لن يعود مرة أخرى للاستثمار في مصر وسيفضل الذهاب إلى مناطق أخرى في العالم، وثالثا سوف تتوقف حركة البحث والاستكشاف تماما في مصر وعندها سيكون السوق المحلي هو الأكثر تضررا لأننا في هذه الحالة لن نكون قادرين على إنتاج ما يحتاجه ، ولذلك كان لابد من استمرار دوران عجلة البحث والاستكشاف وبقدرة عالية حتى نستطيع إنتاج غاز نستهلك منه جزءاً في السوق المحلي على أن يتم تصدير الجزء المتبقي وهو ما يحدث حاليا.
ـ «البيان»: هل هناك ما يضمن حق الأجيال القادمة في الغاز الطبيعي؟
ـ مهندس محمد طويلة: منذ يوليو 2000 تم وضع حد أقصى لتقييم الغاز وهو من 5. 2 إلى 65. 2 دولار لسعر الغاز.. وبالتالي فأنا أصدر بأسعار مرتفعة وأعطى حق الشركات الأجنبية بأسعار لا تتجاوز الـ 65. 2 دولار، طبقا للمعادلة السعرية التي وضعها قطاع البترول في سنة 2000 ولولاها لكنا نشترى الغاز بالسعر العالمي من الشريك.
ـ «البيان»: هناك اتفاق إطاري تم توقيعه بين القاهرة وتل أبيب بشأن تصدير الغاز المصري لإسرائيل.. نريد منكم إلقاء الضوء على كل ملابسات هذا الموضوع.. وهل سيحقق مصلحة اقتصادية مصرية مقابل التنازل السياسي الكبير ؟
ـ مهندس شريف إسماعيل: المفاوضات الخاصة بتصدير الغاز المصري لإسرائيل ممتدة منذ أكثر من 12 عاما، وهذه الخطوة مرتبطة باتفاقية السلام الموقعة بين الجانبين والتي تنص على تصدير جزء من الزيت الخام الزائد عن الاحتياجات المصرية إلى إسرائيل، وما تم توقيعه يمثل إطاراً عاماً لعملية تصدير الغاز ولكنه ليس اتفاقاً للتعاقد، فالتعاقد سيتم بين شركتين هما شركة «شرق البحر المتوسط للغاز» و«شركة كهرباء إسرائيل»، وهاتان الشركتان عندما تنتهيان من اتفاقهما التجاري ستبدأ عملية التصدير.
ـ «البيان»: هل يعطي هذا الإطار العام ضمانا لإسرائيل بأن تتدخل الحكومة المصرية لوضع مسألة التصدير محل التنفيذ في أي وقت بغض النظر عن إرادة الشركة المصرية؟
ـ مهندس محمد طويلة: أي تعاقد لتصدير غاز طبيعي مسال أو غير مسال يجب أن يشتمل على ضمانات، فالبنوك التي ستدخل لتمويل الصفقة لابد أن تكون مطمئنة لاسترداد عائداتها واستمرار تدفق الغاز، وهذا سوف يتطلب حصولها على خطابات ضمان من الشركات، كما ستراجع حجم احتياطيات الغاز الذي سيتم تغذية المحطة الإسرائيلية به، أي أن موضوع الضمانات متعارف عليه في أي مشروع أو تعاقد يتم تنفيذه.
ـ «البيان»: ما هو الدافع الأساسي وراء عقد هذا الاتفاق أو الصفقة.. هل هو سياسي أم اقتصادي؟
ـ مهندس شريف إسماعيل: الاثنان معا، فالاتفاق من ناحية يمثل شرياناً جديدا للتصدير سيدر عائدات لمصر، ومن ناحية أخرى له بعد سياسي حيث ستتيح الصفقة التعاون مع الجانب الفلسطيني في تنمية حقول الغاز لديهم وتغذيتهم بالغاز الطبيعي اللازم لمحطات الكهرباء، أي أن ذلك يمكن أن يكون بداية لمشروع أوسع يشمل الجانب الفلسطيني، إضافة إلى مصر وإسرائيل.
ـ «البيان»: هناك بند في اتفاقية إنشاء خط الغاز العربي يحظر دخول أي طرف آخر إلى الاتفاقية إلا بموافقة جماعية من الدول العربية الأعضاء في الخط، فهل سيؤدي الاتفاق الإطاري الجديد إلى حدوث مشاكل بالنسبة لهذا الخط؟
ـ مهندس إبراهيم العيسوي: المعروف أن شركة «إيني» الإيطالية هي أول من بدأ دراسة مسألة تصدير الغاز المصري لإسرائيل وذلك في إطار مشروع يسمى «مشروع الأنابيب العابرة للبحر المتوسط» وكان مخططا أن يبدأ نقل الغاز من حقول بورسعيد التابعة لشركة بترول بلاعيم بخط بحري يمتد لمسافة 850 كيلو متراً ليصل إلى مدينة اسكندرونة التي تسيطر عليها تركيا، منها 350 كيلو متراً على عمق 200 متر تحت سطح البحر.
كما كان مخططا أن يؤخذ من هذا الخط البحري فرع لتغذية أربع محطات كهرباء على الساحل الإسرائيلي، وهنا لابد أن أشير إلى أن مصر وقعت عدة مذكرات تفاهم أو اتفاقات إطارية مع تركيا، كتلك التي تم توقيعها مؤخرا مع إسرائيل، سواء على عهد وزير البترول السابق د. حمدي البنبي أو حتى في عهد الوزير الحالي المهندس سامح فهمي ومازالت كل هذه الاتفاقيات حبيسة الأدراج وبعضها يعود إلى 15 عاما مضت، أي أن توقيع مثل هذه الاتفاقيات ليس مشكلة لأن دخولها حيز التنفيذ يتطلب توافر عوامل كثيرة بعضها سياسي والآخر اقتصادي.
وقد حل محل مشروع «شركة إيني الإيطالية» مشروع آخر وهو توصيل الغاز من شركة بترول بلاعيم، وكنت وقتها رئيسا لمجلس إدارتها، من حقولها ببورسعيد إلى العريش، فالشيخ زويد والتي تبعد عن غزة نحو 40 كيلو مترا فقط، من خلال خط قطره 36 بوصة وتم بالفعل تنفيذ الخط من خلال شركة بترول بلاعيم وتكلف 200 مليون دولار وعَبَرَ قناة السويس عند القنطرة من خلال 3 خطوط، ووصلنا إلى العريش، وكان مقررا أن يتم النزول بالخط من العريش أو الشيخ زويد بحرا، إلى أن نصعد للأرض مرة أخرى في لبنان.
ومن خلال هذا الخط ستكون هناك 4 فروع على عمق 100 متر فقط في المياه الاقليمية الإسرائيلية تقوم بتغذية 4 محطات كهرباء إسرائيلية، ثم نذهب بحرا إلى لبنان فسوريا، إلى أن نصل إلى الإسكندرونة.. ولكن واجهتنا عدة عوائق، أولها عدم وجود نمو اقتصادي أو صناعي في الإسكندرونة، أو شبكة تستوعب تدفق الغاز حتى الآن، وبالتالي تم نسيان مسألة تصدير الغاز لتركيا رغم مذكرات التفاهم التي تم توقيعها.
أما بالنسبة لإسرائيل فقد كان شارون وقتها وزيرا للبنية التحتية في إسرائيل وصدرت عنه الكثير من التصريحات في ذلك الحين تؤكد كلها أنه لن يأخذ من مصر غازاً عبر «ماسورة» يمكن أن تقوم بإغلاقها في أي وقت، وبما يجعلها تتحكم في تزويد بلاده بالطاقة وبالتالي ظل الخط موجودا دون عمل. في ذات الوقت كانت هناك دراسات أخرى تتحدث عن مد خط من عيون موسى إلى طابا ثم يتم العبور منها إلى العقبة لتزويد الأردن بالغاز وتم تشكيل لجنة في وزارة البترول المصرية لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ هذا المشروع وجلسنا مع شركة «أمكو جوردون» وانتهت المفاوضات إلى لا شيء، ثم تم استئنافها مرة أخرى.
وأبرمنا اتفاقا مع «امكو جوردون»، في الوقت نفسه تم اكتشاف الغاز في المياه الاقليمية الفلسطينية وكنت وقتها المستشار البترولي للسلطة الفلسطينية وسألني د. حمدي البنبي وزير البترول السابق عن رأيي في الموضوع برمته فقلت له بالحرف الواحد «مفيش غاز رايح إسرائيل». فقال لي «ليه هوه مافيش سلام» وفي المدى القريب كان ذلك في العام 1998 فكررت كلامي مؤكدا أنه لن يكون هناك سلام بالمعني الحقيقي، كما أن الغاز لن يذهب إلى إسرائيل ولن يتم شيء وهذا هو رأيي حتى الآن.