تتنافس الأفلام الأوروبية والأميركية في ما بينها، فتحاول الأولى أن تقدم أفلاماً مميزة ذات العمق الاجتماعي والمتوسطة الإنتاج، أمام الثانية التي تعتمد الإنتاجات الضخمة والإبهار البصري وتراكم أعمال كثيرة في الكم والنوع، يتركها السينما الأكثر حضوراً لدى المشاهد، المتعدد الذوق السينمائي.

من الأفلام الأوروبية المميزة هذا الأسبوع في الصالات المحلية الفيلم الإنجليزي «الحقيقة عن الحب» عن قصة وسيناريو وحوار بيتر بلوري، وإخراج جون هاي، وبطولة الأميركية جينيفر لوف هيويت، يشاركها البطولة الممثلان دويجري سكوت، وجيمي ميتري.اختار مخرج «الحقيقة عن الحب» مقدمة قصيرة لفيلمه، تضع المشاهد في مناخ رومانسي، مفيد لحبكة الفيلم. فتفتح الكاميرا على كادر يظهر فيه آرشي وحيداً في ليلة عيد شفيع العتاق «سان فالنتين»، يمشي تحت رذاذ المطر ويحدث نفسه عن الحب ووحدته من دون امرأة، حتى يرى على صفحة بقعة ماء بطاقة معايدة سقطت من أحدهم.

وكأنها تسبح إليه، رسم عليها حبة «فجل»، تبدو كوردة حمراء، كتب تحتها «فجل الحب»، فيعجب بالفكرة، ويفكر أن يرسلها إلى إحداهن، التي نكتشفها في المشهد الثاني بعد المقدمة، ألا وهي صديقته آليس من أيام الدراسة وزوجة صديقه وزميله في العمل. تظن آليس أن مرسل البطاقة هو زوجها لكنه ينكر ذلك فتسأله عن رأيه ببطاقتها فيقول: «انها مثيرة»، فتتعجب لأن بطاقتها كانت رومانسية وليست مثيرة، فتخبر شقيقتها، التي لا تتوانى أن تفهمها بأن الزوج تلقى بطاقة معايدة أخرى ومن غيرها.

فتتراهنان على أنه لو تلقى أو يتلقى رسالة غرامية لكان أعلمها. فتقرر آليس ارسال رسالة هاتفية مثيرة وغامضة إلى الزوج، فيستجيب على الفور ولا يخطر بباله أن هذا الأمر من صناعة الزوجة المصدومة. ويظن جيمي ميتري أن عشيقته من يرسل إليه هذه الرسائل فيذهب إليها، ولكنها تنكر الأمر، وتناديه بالجرذ وتحذره من خيانته لها، لكنه لا يتوقف عند الأمر، فيطلب من المرأة الغامضة أن يلتقي بها في موعد غرامي، فتقرر الزوجة موافاته وتغيير شكلها.

لكنها تحتاط أكثر فتطلب منه أن يضع قماشة سوداء على عينيه لأن هذا يزيد في الإثارة، وتستعير آليس لهذه الغاية شقة آرشي الذي كان يحبها منذ أيام الزمالة الدراسية لكن صديقه سبقه إليها، فيعيش حالة حب صامت من دون أن تدري المعشوقة بشيء من الأمر. تكتشف وهي خارجة من شقة اللقاء عشيقة زوجها تنتظرها على مدخل العمارة فتهددها وتشتمها وتطلب منها الابتعاد عن عشيقها، فينزل عليها اكتشافها الجديد كالصاعقة، وتقرر أن تكمل لعبتها مع الزوج المخادع فتضرب موعداً جديداً معه، فيبدأ بالكلام عن عشيقته وعن زوجته بأنهن قاصرات على أن تكونا بإثارتهما مثل المرأة الغامضة.

ويتزامن اكتشاف آليس للحقيقة المرة، مع نجاح زوجها الذي يعمل بالمحاماة في قضية يدافع بها عن لاعب رياضي متهم بالشذوذ وبالخيانة الزوجية بكشف الحقيقة بأن الصورة ليست له، بل لشبيه له خاف أن يعترف وأن يؤثر ذلك على زواجه. ومع أن آرشي هو الذي كشف هذا الاختلاف في الصورة، لكنه لم يتحول إلى بطل، فالقصة بمجملها استغلها زوج آليس، بعد ظهوره على شاشة التلفزة متبجحاً حول بطولته في ساحات القضاء، تكون الزوجة قد بدأت بتقطيع ثيابه وتخريب المنزل.

فيعود ويرى ذلك وتتبعه عشيقته التي تتعرف إلى الزوجة فتخبره عن غير قصد بأنها المرأة الغامضة، فيذهل للأمر، ويحاول أن يكذب مرة جديدة، لكنه يفشل، فتنفصل عنه زوجته إلى لا رجعة، ثم تقوم عشيقته بنشر تفاصيل هذه القصة في جريدة محلية، وفي فضيحة تهم الرأي العام ووسائل الإعلام في الغرب عموماً.

بعد تطور الأمور إلى هذا المنحى يرى آرشي فرصة متاحة له، فيذهب إلى آليس التي تشكره على زيارته ومواساتها، ويعتذر عن ظن سيئ ظنه بها، ويقول: «كنت قد اعتقدت أنك تقومين بخيانة زوجك في شقتي، ففكرت لماذا لم تفكري بي». فتجيبه لو كنت سأفعل لما اخترتك. فيصاب بإحباط كبير ويقرر السفر إلى اليابان، ويكتب رسالة خطية إلى آليس يعلمها بها بأنه صاحب بطاقة المعايدة، وبأنه يحبها، ولا يعتقد أنه يستطيع نسيانها.

فتندم وتقرر موافاته تهرع إليه قبل أن يصل إلى المطار، فتصل إلى محطة القطارات وتحاول أن تحصله لكن قطع بطاقة في المحطة يلزمه وقت قد يتركها تخسر حبيبها الكتوم الذي يجسد دوره (دويجري سكوت)، لكنها تقفز فوق الحواجز، وتستخدم المذياع في المحطة حتى تنجح أخيراً، في رؤيته معترفة له بحبها أيضاً وبأنها ستزرع «الفجل» معه إلى الأبد، في نهاية سعيدة تقليدية إلى حد ما، ولكنها مفتوحة. إذ أن المخرج قدم نهاية سابقة لهذه النهاية عندما رفضت آليس أية علاقة مع آرشي، لكنه ترك الخيار لاحتمال آخر وهو أن يكونا معاً.

وهذه لعبة إخراجية رمزية حافظت على مستوى من الاحتمال في الرواية، وفي الوقت ذاته أمسكت بالخيط الرومانسي لقصص العشق والغرام.القصة رقيقة وكوميدية ورومانسية عرف كاتبها كيف يؤلفها أدبياً وكيف يحولها إلى سيناريو مركب بدقة وبذكاء من دون بطء ومن دون حشو أو تكرار لا قيمة له. وكذلك هم الممثلون الذين أدوا أدوارهم بحرفية ومهنية عالية، فأقنعونا بالشخصيات التي يحملونها. فالممثلة جينيفر لوف هيويت دخلت إلى عمق الشخصية التي أدتها.

فأظهرت قدرة المرأة البريئة والطيبة والصادقة، على أن تكون مثيرة وشغوفة وقادرة على اللعب أمام زوج مخادع، كشخصية سام الذي جسده الممثل الإنجليزي من أصول هندية جيمي ميستري البارع بتقديم الأدوار التي تحتمل الازدواجية وارتكاب الأخطاء دون أن يرف له جفن. وإلى جانبهما يأتي رديجري سكوت بمستوى ليس أقل، بل دفع الشريط إلى ما يستحقه من أن يكون فيلماً ممتعاً ورقيقاً ورومانسياً بجدارة.

حسين قطايا