يحمل الوقوف على خشبة المسرح رهبة وخوفاً، كما يقول الفنانون والمطربون والممثلون، الذين يفترض أنهم يتصرفون على الخشبة بطريقة تحترم الحاضرين، ولا تسيء إلى مشاعرهم.
وفي عالم الطرب، عادة ما يكون التصرف مع الجمهور عفوياً، والوقوف على المسرح مسألة تحتاج إلى ثقة وتمكن، ولأن الفرقة الموسيقية تأخذ حيزاً كبيراً في مساحة التواجد، فإن الفنان الواقف يحاول إشغال الناس عنها ببعض الحركات، التي تبدأ بتغيير ملامح الوجه، وتنتهي بتحريك كل عضلات الجسد بغية لفت الأنظار.
العمالقة
كانت أم كلثوم على سبيل المثال، تقف على المسرح في مكان واحد ولا تغادره، ودأبت على إمساك منديل أبيض في إحدى يديها تحركه على الدوام صعوداً وهبوطاً، في حركة متزامنة مع يدها الأخرى التي تبقى طليقة، ناهيك عن حركات الوجه التي غالباً ما تكون متوافقة مع معنى الأغنية ومتلائمة مع مضمونها، أما العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ فقد اعتاد أيضاً التواجد في مكان واحد على الخشبة.
وهو أقل تفاعلاً في الأغنية من أم كلثوم إذا ما تتبعنا تعابير وجه كليهما، وكان عبد الحليم يستخدم يديه برفعهما إلى أعلى أذنيه تارة، وفوق رأسه تارة أخرى، كما كان يهز رأسه أحياناً ويتطاير شعره الذي كان طويلاً في فترة من الفترات بطريقة تمثيلية وكاريكاتورية.
ولفيروز أيضاً خصوصية في الوقوف على خشبة المسرح، وهي عادة ترفع رأسها قليلاً إلى الأعلى وتواجه الجمهور بحركات قليلة وغير انفعالية، وهي تستدير أثناء عزف الموسيقى نحو الفرقة وتعطي ظهرها للجمهور، وتعود مرة أخرى لمواجهته عند العودة للغناء، وهي تملك خبرة مسرحية كبيرة من خلال مشاركتها في مسرحيات الرحابنة الغنائية.
ويعد المطرب السوري صباح فخري كذلك حالة خاصة في مقابلة الجمهور، وهو يطرب كما مشاهديه على كلمات وألحان أغنياته وقدوده الحلبية، التي اشتهر بها على مدى أكثر من نصف قرن، وعادة ما يبدأ فخري حفله بشكل هادئ بلا حركات أو انفعالات، لكنه سرعان ما يصل إلى الذروة، فيترك مكانه أمام المذياع إلى مساحة أخرى على الخشبة.
ويشرع بمزاولة رقصته الخاصة التي تتألف من دوران منتظم على الجهتين اليمنى واليسرى، وأحيانا دورة كاملة ومتكررة أكثر من مرة، يرافقها رفع اليدين إلى مستوى الرأس وتحريكهما حسب حركة الجسد.
الجيل الجديد
وبعيداً عن عصر كبار المطربين وعمالقة الفنانين، أتى جيل الثمانينات والتسعينات من الفنانين ليكرس بدوره حالات خاصة في الوقوف على المسرح ومواجهة الجمهور، لعل أبرزها الفنان جورج وسوف، الذي بدأ رحلته في عالم الغناء منذ بداية الثمانينات ومازال مستمراً حتى اليوم بالحركات ذاتها، رغم تغير زمنه.
وتبدل صوته، فال«وسوف» اعتبر المسرح كله ساحة يتنقل فيها المطرب كيفما شاء، فحمل الميكرفون وأخذ يذرع الخشبة جيئة وذهاباً، وهو يركز على حركة القدمين أكثر من اليدين.
ويلاحظ في مشيته رفع القدم اليمنى إلى أعلى أثناء المشي وكأنه يتجاوز عوائق وعقبات، ويقف «سلطان الطرب»، كما يحلو للبعض تسميته، بعض الأحيان لمحاورة الفرقة الموسيقية، التي تتحمل كثيراً عناء خروجه عن النوتة، ويخاطب مرات أخرى الجمهور الحاضر بطريقة لا تخلو من طرافة.
وعلى عكس ال«وسوف»، يبدو هاني شاكر الذي لحق بجيل العمالقة من آخره، أقل حركة بل ربما كان الفنان الوحيد في جيله الذي ما زال محافظاً على ثبات الوقوف الملائم لأغنياته ذات الإيقاع الهادئ، التي يصفها البعض ب«أغنيات القلب المجروح»، وبذلك يكتفي الفنان المصري بحركة واحدة على المسرح يستخدم فيها يديه الاثنتين بضمهما إلى صدره بشكل متعاكس، إذ تكون اليد اليمنى جهة القلب واليسرى على الجهة المقابلة، ومن ثم مد اليدين بشكل متواز وإعادتهما إلى الوضع الطبيعي.
ويتحمل عمرو دياب ومصطفى قمر وزر موجة الأغنية الشبابية في مصر وما رافقها من تغيير في خارطة الغناء العربي، وتعود بداية ظهورهما إلى أوائل التسعينات، في فترة لم يتوقع كثيرون خلالها ظهور فنان يتراقص أو يقفز أو يصفر على المسرح، لكن هذه القاعدة كسرها دياب وقمر، اللذان بدءا تغيير تلك المفاهيم.
وتحديث الأسلوب والشكل مستفيدين من النمط الغربي والإيقاع الصاخب الذي تسرب إلى الأغنية العربية مطلع التسعينات، ومهد هذا الأسلوب إلى بروز عدد من دعاة الأغنية الشبابية الراقصة في مصر والعالم العربي في تلك الفترة.
ومنهم فارس وحكيم وإيهاب توفيق، وان كان الأخير أكثر اعتدالاً واقل تفاعلاً على المسرح، فإن حكيم أو ما يطلق عليه «نجم الأغنية الشعبية»، كسر القيود كلها، فلا يستطيع المرء تحديد حركة معينة له على المسرح، فهو يشرك كل أعضاء جسده في حركات متوالية سريعة وغير منتظمة، ويشاركه في ذلك هشام عباس واللبناني علاء زلزلي الذي ما زال مصدقاً حتى اليوم من لقبه ب«ألفيس بريسلي العرب».
عروض الأزياء
ولم تتوقف الاستعراضات المسرحية الصاخبة عند جيل التسعينات من الفنانين، بل استمرت وازدادت شراسة منذ مطلع الألفية وحتى يومنا، خاصة مع ظهور العدد الكبير من المؤديات وعارضات الأزياء اللواتي خلطن بين خشبة المسرح المخصصة للغناء، والمنصة التي كن يعرضن عليها الأزياء فيما مضى، فنزلن إلى الساحة غير آبهات بالصوت.
وكان همهن الأكبر هو الإطلالة والمظهر و«الكاريزما»، أحدث المصطلحات العصرية في عالم الغناء، فبتن يسرحن ويمرحن فوق خشبات المسارح العريقة والعتيقة، مرتديات ما خف حمله وأغرى مظهره، أما حركاتهن على المسرح فتركزت على الرقص كمادة أساسية، ومنهن اللبنانية هيفاء التي باتت اليوم مضرب المثل في كل شيء جميل عدا الصوت.
ولهذه الفاتنة رقصة دائمة على المسرح تستخدم فيها الجانب الأيمن من الجسد وتحرك الجذع والبطن والصدر بطريقة تموجات شرقية بحتة، تتوافق مع أغنياتها البسيطة الكلمات واللحن والإيقاع. ولنانسي عجرم ظهور على المسرح يشبه كثيراً زميلتها هيفا، لجهة التركيز على الرقص الدائم منذ الظهور وحتى لحظة المغادرة، لكن ثمة فارقاً بين الاثنتين في الحركات المؤداة.
وتركز نانسي على الابتسامة الدائمة مهما كانت طبيعة الأغنية التي تؤديها فرحاً أم حزناً، لقاء أم فراقاً،اً قرباً أو جفاء، وتزيد على ذلك إقحام رقصتها الشهيرة والجريئة التي رافقت انطلاقتها الصاروخية في كليب «أخاصمك آه»، التي تعتمد الاستدارة إلى الفرقة الموسيقية والتراقص بالجزء الخلفي من الجسد.
وعلى الجانب الخليجي يتضح للمتابع حركات محدودة للفنانين المنتمين إلى هذا الجزء من خارطة الغناء العربي، فمنهم من لا يسمح له وزنه الثقيل بالتحرك على المسرح كحسين الجسمي ونبيل شعيل، ومنهم التزم الإيقاع الحزين والأغنية الهادئة كمحمد عبده وعبد الكريم عبد القادر.
ويبرز هنا الفنان الإماراتي عبد الله بالخير كواحد من أكثر المتفاعلين على المسرح ويملك طقوساً خاصة به، وشخصية مرحة، ووجهاً بشوشاً لا تفارقه الابتسامة كلما واجه الجمهور، وهو اعتاد حمل عصا خشبية يتراقص بها وسبحة حمراء طويلة يحملها في إحدى يديه ليكمل بها عزفه المنفرد بين الفنانين الخليجيين.
ولابد من الإشارة ختاماً إلى الفنان الشعبي علي الديك الذي يتمايل كل جمهوره على أغنياته، ويمارسون رقصة «الدبكة» المشهورة في بلاد الشام، فيما يتوارى وحيداً قرب الفرقة الموسيقية دون حراك، والسبب هو عاهة جسدية لحقت بإحدى ساقيه منعته متعة الحركة على الخشبة، وألقت بالمسؤولية كلها على صوته فقط.
نائل العالم