خفت المخاوف التي ولدتها الاعتداءات الأخيرة التي شهدتها العاصمة البريطانية «لندن»، وهو ما أثقل على السندات الأوروبية التي تعاظم الإقبال عليها خلال الفترة التي صاحبت الاعتداءات والتي شهدت تزايد إقبال المستثمرين على أوعية الاستثمار الأقل مخاطرة والأكثر ثباتاً في الدخل.

وكان من بينها السندات الأوروبية، وكما انقشعت المخاوف، عاد المستثمرون إلى الإقبال على أوعية استثمارية أخرى بخلاف السندات، مما قاد إلى تراجع الطلب عليها، ولهذا اتجهت السندات الأوروبية نحو التراجع، خصوصاً بعدما أخمد البنك المركزي الأوروبي التوقعات بأنه سيقوم بتخفيض أسعار الفائدة. فضلاً عن ظهور بيانات تدل على أداء قوي للاقتصاد الفرنسي.

وشهدت القيمة السوقية للإصدارات ارتفاعاً خلال النصف الأول من العام الحالي، مما دفع هوامش الأرباح إلى تسجيل انخفاضات قياسية وذلك تأثراً بمعدلات البطالة في ألمانيا التي بلغت مستويات تقارب من مستويات ما بعد الحرب العالمية الثانية، ووصول معدل البطالة في فرنسا إلى أسوأ مستوى منذ عام 199، فضلاً عن أن تحركات السندات الأوروبية إلى أعلى واكب صعود أسعار النفط وتجدد المخاوف حول أن تؤدي العواصف إلى تقلص في الإمدادات.

وفي اعقاب الاعتداءات التي تعرضت لها العاصمة البريطانية لندن قفزت القيمة السوقية لإصدارات الدخول الثابت وعملات الملاذ الآمن كالفرنك الفرنسي، وجنت تلك الإصدارات مكاسب سعريه نتيجة لتصاعد الطلب عليها.

ولكن اندفعت السندات الأوروبية نحو الهبوط مع تراجع حدة المخاوف المرتبطة بأحداث لندن ونشر البيانات الاقتصادية الفرنسية التي أوضحت نمو القطاع الصناعي، وترسخ الانطباع بأن البنك المركزي الأوروبي لن يخفض سعر الفائدة في أي وقت خلال المستقبل القريب.

وشهدت هوامش العوائد على السندات الألمانية المرجعية لمدة 10 سنوات ارتفاعاً بنسبة 28,3 % في يوم 15 يوليو بزيادة 20 نقطة أساس، أي 2. 0 % من المستوى القياسي المنخفض الذي بلغته في 7 يوليو.

وارتفع متوسط ارتفاع هوامش العوائد خلال الأسبوع الجاري بمقدار 10 نقاط وهو أعلى زيادة على مدى أربعة أسابيع، وارتفعت قيمة هوامش العوائد على السندات الألمانية لمدة عامين بنسبة 23. 2 %، وهو الارتفاع الأعلى منذ 23 مايو الماضي، وتعتبر الأوراق المالية لمدة عامين الأكثر تأثراً من بين الأوراق المالية الأخرى للتغيرات في أسعار الفائدة.

وفي فرنسا انخفض العائد على سندات الحكومة المستحقة الدفع في ابريل 2015 بمقدار نقطة مئوية لتصل إلى 28. 3 % وهبط كذلك العائد على السندات الايطالية لمدة 10 سنوات والمستحقة الدفع في أبريل 2015 بمقدار نقطة مئوية لتصل إلى 48. 3 %.

ويأتي هذا التراجع في القيمة السوقية للسندات الأوروبية التي تعتبر السندات الألمانية المرجع الأساسي لها، وذلك على خلفية تراجع التوقعات بأن يقوم البنك المركزي الأوروبي برفع أسعار الفائدة، استناداً إلى أزدياد قوة الضغوط التضخمية، وعلى حد قول مويين إسلام محلل الدخول الثابتة في بنك بركليز بلندن كان السوق في السابق يتطلع إلى أن البنك المركزي الأوروبي سيقوم بخفض أسعار الفائدة ولكن تضاءلت فرص تحقق هذا الأمر الآن.

ويرى بعض المحللين أن انخفاض القيمة السوقية للسندات الأوروبية يمثل فرصة للشراء، حيث أعلنت شركة نيبون اليابانية للتأمين على الحياة إنها ربما تشتري المزيد من السندات المقومة بعملة اليورو وقدرت بأن التراجع في سعر العملة الموحدة يجعل الديون رخيصة في شرائها .

وقال نوكي آكياما نائب المدير العام أن شركة نيبون تخطط لاستخدام التمويل المتبقي لها من ميزانية العام المالي المنتهي في 13 مارس والبالغ قيمته 8. 891 مليون دولار في شراء سندات دولية، ويتجه خيارها الأكثر احتمالاً نحو شراء السندات الأوروبية.

ويؤكد مثل هذه التقييمات مسؤولو البنك المركزي الأوروبي، فعلى الرغم من إقرار أوتمار إيسينج كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي بتفاقم سوء أفق معدل التضخم، وبقاء معدل الفائدة عند مستوى 2 % والذي يعد الأدنى على مدار 6 عقود، إلا أنه يرى أن معدل الفائدة لا يشكل عقبة أمام النمو في منطقة اليورو، كما استبعد نوت ويلنيك عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي إمكانية خفض الفائدة الأوروبية بقوله «نحن لا ننظر في خفض معدل الفائدة».

وتوقع جان كلود تريشيه رئيس البنك المركزي الأوروبي ان يدور معدل التضخم خلال هذا العام على نفس حدود معدل شهر يونيو والبالغ 1. 2 % وهو أعلى من السقف الموضوع من قبل البنك والبالغ 2 % ، وقال أورلاندو جرين محلل الدخل الثابت في «كريديه آجروكال إس إيه» أنه أخذ في الاعتبار أن هدف البنك الرئيسي هو التضخم فان أي تغييرات في هذه المسألة ذات أهمية كبرى بالنسبة لتفكير البنك المركزي الأوروبي.

ويفسر المحللون ومن بينهم مارتين برايس مدير قسم الدخول الثابتة في مؤسسة «ساراسين شيزويل» وهي شركة تعمل في مجال إدارة الدخول الثابتة مثل هذا التوجه الذي يتبناه البنك المركزي الأوروبي بأنه يعكس حالة القلق التي يشعر بها البنك من ارتفاع معدل التضخم، وبالتالي فانه ليس من المحتمل في تقديرهم بأن يقوم البنك بتغيير معدلات الفائدة في الوقت الحالي.

بيد أنه من غير المستبعد أن يقوم البنك ـ حسبما قال علي نيكولاس جارجاناس عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي ـ برفع تقديراته لمعدل التضخم بناء على أسعار النفط المرتفعة.

وعززت البيانات الاقتصادية الفرنسية الانطباع بأن البنك المركزي الأوروبي لن يخفض سعر الفائدة في أي وقت خلال المستقبل القريب، فقد ارتفع الناتج الصناعي الفرنسي بنسبة 3. 0 % على أساس شهري.

كما خففت المعلومات المنشورة عن منطقة اليورو المخاوف في شأن دخول اقتصادات منطقة اليورو في مرحلة الركود الاقتصادي، ومع انخفاض سعر اليورو على مدار الأشهر القليلة الماضية، صارت هناك أرضية جديدة للتفاؤل بخصوص أفق الإنتاج الصناعي في منطقة اليورو .

ففي تقدير مارك توتي المحلل في مؤسسة «ناتاكيس بانكو بوبيلاريه أن هذا النشاط الصناعي سينتعش في النصف الثاني وهذا من شأنه أن يساعد في تخفيف الضغوط على البنك المركزي الأوروبي بخصوص تخفيض أسعار الفائدة خاصة وانه من المتوقع أن تشير البيانات الاقتصادية خلال هذا الأسبوع إلى أن التضخم صعد طفيفا مرة أخرى في شهر يونيو كنتيجة للارتفاعات في أسعار النفط.

ويتوقع بعض المستثمرين أن عائدات السندات ستتراجع بسبب تعثر النمو الاقتصادي، وهو ما سيحفز على خفض الفائدة وذلك في تخفيض وزراء المالية في الاتحاد الأوروبي توقعاتهم للنمو إلى 3. 1 % من 6. 1 في شهر إبريل.

إعداد ـ محمد بيضا