أصبحت مسألة الاحتفاظ باحتياطي نفطي كبير تشكل هاجساً للكثير من الدول الآسيوية التي تمر بمرحلة من النمو الاقتصادي.وأمضت اليابان سنوات في محاولة إقناع جيرانها من دول جنوب شرق آسيا بفكرة تكوين احتياطيات نفطية استراتيجية والمشاركة في عبء التحسب لكارثة حدوث توقف مفاجئ في إمدادات النفط.
لكن هذه الجهود التي استقبلت بفتور عندما كان سعر برميل النفط يبلغ 25 دولاراً قبل عامين من المستبعد أن تلقى أي ترحيب الآن بعد أن تجاوز سعر الخام الأميركي الخفيف 60 دولاراً للبرميل. وبالنسبة لرابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان» التي تضم دولاً تتراوح من اندونيسيا العضو في منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك» والفلبين غير المنتجة للنفط ليس هناك عامل مشترك أو حافز يدفعها لاستثمار مليارات الدولارات يمكن ان تنفقها في مجالات أخرى.
يقول ويراوات تشانتاناكومي رئيس مركز آسيان للطاقة «كل دولة تريد «اخذ قرار بشأن المسألة على المستوى الوطني وليس على المستوى الإقليمي». وتعتبر منطقة آسيان كمجموعة أقل اعتماداً بكثير على واردات النفط من اليابان أو كوريا الجنوبية. وينتج أعضاء آسيان نحو 5. 2 مليون برميل يوميا أي ما يزيد على 60 بالمئة من الطلب المجمع للرابطة. كما أن آسيان يربطها بالفعل اتفاق عمره عشر سنوات يقضي بأن تساعد الدول الأعضاء بعضها البعض في أوقات الشدة.
ورفضت ماليزيا أكبر مستورد للنفط بالمنطقة والتي فاقت وارداتها صادراتها بما يزيد على 300 ألف برميل يومياً العام الماضي فكرة الاحتياطيات الحكومية وهو أمر تعتبره أوبك يمثل تهديداً لنفوذها في السوق. وعلى مستوى كل دولة على حدة يتعين على أكبر مستوردين للنفط في آسيان وهما تايلاند والفلبين أن يفاضلا بين مزايا احتياطات محدودة ليس من شأنها تهدئة الأسواق العالمية في حال توقف الإمدادات من احد منتجي الشرق الأوسط وبين ارتفاع تكاليف تكوين هذه المخزونات.
يقول بول هورسنل المحلل في باركليز كابيتال في لندن «يتعين أن نسأل أنفسنا.. إلى أي حد يمكن أن يسوء الأمر وما هو الأثر المحتمل... في حال تكوين الفلبين لاحتياطيات استراتيجية». ويجيب عن هذا التساؤل قائلا «لا شيء«. وسيتعين على تايلاند التي كانت من أوائل المدافعين عن فكرة تكوين احتياطيات إقليمية استثمار أربعة مليارات دولار لشراء كميات من النفط تكفي لتغطية واردات تسعين يوماً بأسعار اليوم وهي الكمية المطلوبة من الدول الصناعية الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية.
لكن يبدو الآن ان بانكوك علقت بهدوء هذه الفكرة بعد أن تخلت عن مشروع خط أنابيب نفطي يعمل بمثابة جسر بري ويتيح للناقلات تجنب مضيق ملقة المزدحم. وكان من شأن الخط ان يوفر للبلاد مخزونات تقدر بملايين البراميل. والغي المشروع وسط المخاوف من أمواج المد الزلزالية وارتفاع أسعار الصلب. ولدى سنغافورة مركز تجارة النفط بالمنطقة مخزونات تجارية تقدر بما يزيد على 20 مليون برميل يمكنها السحب منها اذا تعطلت الإمدادات في حين ان دولا أفقر مثل اندونيسيا والفلبين لديها احتياجات أكثر إلحاحاً يمكنها توجيه رؤوس الأموال اليها.
وتحتفظ كل من اليابان وكوريا الجنوبية بمخزونات حكومية كبيرة تبلغ نحو 400 مليون برميل لحمايتها من تعطل الإمدادات كونتها بعد الحظر النفطي العربي في السبعينات. وتبلغ الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية الأميركية نحو 700 مليون برميل. وستستكمل الصين ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم تشييد أول مخازنها في أغسطس المقبل في حين تبحث الهند إقامة مخازن. لكن المحللين يقولون إن الزمن تغير منذ السبعينات عندما كان الحصول على النفط من السوق الفورية يتعلق فقط بالسعر وليس بمدى توافره الفعلي كما كان الحال وقت الحظر العربي.
وتكونت الاحتياطيات الطارئة في بادئ الأمر لتوفير حصص طارئة في حالة انقطاع الإمدادات لكنها تستخدم كذلك في حماية بقية العالم من ارتفاعات الأسعار عن طريق خفض المنافسة على النفط الفعلي. وقال هورسنل «انها مسألة.. تقليدية... تكلفة تكوين احتياطيات استراتيجية يتحملها واحد ويستفيد منها الجميع».ومن شأن السحب من المخزونات الاستراتيجية الاميركية أو اليابانية تهدئة الأسعار إذا توقف منتج مهم في الشرق الأوسط بشكل مفاجئ عن التوريد مما يمكن مستهلكين مثل دول آسيان من شراء النفط من السوق الفورية بسعر أقل.
ونظرا لتراجع جاذبية الفكرة بدرجة كبيرة يعتقد ان اليابان ستركز جهودها الآن على إدارة جانب الطلب وهو عامل تتحكم فيه دول آسيان بدرجة أكبر. وقال تشانتاناكومي «هذا العام لن تركز اليابان على تأمين المعروض أو تكوين مخزونات بل ستحاول تحقيق درجة أكبر من التوازن بالتأكيد على كفاءة استخدام الطاقة».