طغى بريق الذهب على ما دونه من المعادن في مدينة دبي، بحيث تعددت الألقاب والمسميات التي تربط المدينة بالمعدن الأصفر، ولكن يبدو أن مثل هذا الوضع لن يستمر طويلاً، وذلك بفعل القفزات الكبرى التي تحققها المدينة كمركز عالمي لتجارة الألماس ، أبرزها، إطلاق بورصة الألماس، وإقامة برج الماس، وإصدار قانون تجارة الألماس.
والمهم في كل هذه الخطوات، أنها راعت أن تكون متمشية مع أحدث الممارسات العالمية، وهو الأمر الذي جعل مدينة عريقة في تجارة الألماس وهي مدينة آنتويرب، تتحسس خطاها في مواجهة رياح المنافسة القادمة من دبي. ومن ثم يسعى الملف إلى الإجابة على علامة استفهام كبيرة وهي: كيف تحقق لدبي مثل هذه المكانة الفريدة في تجارة الألماس العالمية خلال فترة وجيزة لا تتجاوز عامين؟
كحال صعود الأمم وانكسارها، تنهض المراكز التجارية في العالم ثم لا تلبث أن تتلاشي وتندثر، لتتألق مراكز أخرى وتحل محل تلك التي أصابتها أعراض الشيخوخة. تنطبق هذه المقولة بحذافيرها على وضع مدينة دبي الفتية كمركز للألماس في العالم، فعلى الرغم من قصر فترة انخراط المدينة في تجارة الألماس، إلا أن القفزات التي حققتها دوت جرس الإنذار لدى الكثيرين حول ما إذا كانت بصدد سحب البساط من تحت أقدام مدينة آنتويرب كمركز لتجارة الألماس في العالم.
وهي المدينة صاحبة الشهرة التاريخية العريقة في هذا المجال. ويحلو للبعض التذكير بأن مجموعة دي بيرز التي أمسكت لعقود طويلة بزمام إنتاج الألماس في العالم، قد اهتزت مكانتها مؤخرا، ويتساءلون: لماذا لا يكون هذا هو الحال بالنسبة لمدينة أنتويرب؟
إن برج الماس الذي يمثل مركز تجارة الألماس في دبي يثير الخيال، ففي هذا المبنى بطوابقه الـ 65، سيجتمع اللاعبون الرئيسيون في تجارة الألماس، من بينهم بورصة دبي للألماس، والتجار الدوليون والمحليون، ليضم البرج كل ما يتعلق بهذه الصناعة سواء صغر أم كبر، بما في ذلك الشركات العاملة في مجال تكنولوجيا الألماس، فضلاً عن تلك المختصة بالتقييم. ويطرح البرج ألف سؤال وسؤال حول ما إذا كان الحديث عن شروق الشمس على وجه دبي كمركز للألماس في العالم مجرد مبالغة أم تعبير عن واقع؟
وما إذا كنت مدينة أنتويرب البلجيكية تمر بمرحلة كسوف، بحيث سيكون عليها في نهاية المطاف أن تسلم مفاتيح تلك التجارة للمدينة الفتية «دبي»، أم أن العلاقة بين المركزين ستكون علاقة تكاملية دون أن يحل أحدهما محل الآخر. لقد اعتاد العالم على تجميع إنتاج المناجم من الألماس وشحنه إلى مدينة أنتويرب البلجيكية التي انتعشت بوصفها مركزا لتجارة الألماس في العالم. لكن مع ظهور أسواق جديدة وافتتاح مناجم جديدة، برزت دبي كمركز تجاري جديد يسعي إلى استقطاع جزء من تجارة الألماس في العالم.
* المنافسة غير المعلنة بين دبي وانتويرب
ويرى بعض المحللين أن التجار في أنتويرب يرفضون الإقرار علناً بأن مدينة دبي تمثل تحدياً حقيقياً لموقعهم المتميز في قلب صناعة الألماس، لكن في خلف الكواليس، قامت العديد من متاجر الألماس الكبرى التي تتخذ من مدينة أنتويرب مقراً لها بتحصين رهاناتها، من خلال شراء مساحات مكاتب في برج الماس الذي يتألف من 65 طابقاً والذي تم اطلاقه في مطلع يناير من العام الجاري، وبيعت وحداته بالكامل في أقل من خمس ساعات للشركات العاملة في هذا المجال، ومن بينها «جي آى إيه» و«تاشيه» و«كريستال» و«لاف دايموند»، وهو ما عبر في حد ذاته عن مدى قوة سوق الألماس في دبي.
وأثار هذا الإقبال غيرة البعض، وظهرت تعليقات في وسائل الإعلام لتذكير مدينة دبي بأن مناطحة مدينة أنتويرب يعد ضرباً من ضروب الخيال، وقدموا نصحهم بأنه يجب على دبي ألا تقوم بحصر عدد الدجاج الذي تمتلكه، فعلى مدار السنين، ادعى كثيرون من أحقيتهم بتاج أنتويرب، لكنهم سقطوا بمرور الوقت لعدم قدرتهم على تقديم شيء إضافي لا تقدمه أنتويرب.
لكن هذا الرؤية التي يحاول البعض ترويجها للانتقاص من قدرات دبي تصطدم بواقع مختلف عبر عنه ميهتا صاحب شركة «روزي بلو» بتساؤله عما يمكن أن تتفرد به دبي عن بلجيكا، ويجيب عن هذا السؤال بقوله: إن دبي تتمتع بموقع جغرافي فريد ومتميز، بوقوعها على مقربة من روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق وشبه القارة الهندية وأفريقيا، وبالتالي ستصبح دبي مركزاً لمنطقة الشرق، فضلاً عن أنها توفر لأصحاب الأعمال إمكانية لتوسيع نطاق أعمالهم.
فهي تعتبر مركزاً مهماً لتجارة توزيع الألماس .وفوق كل ذلك، وبمعزل عن المزايا الجغرافية، تعرض دبي حزمة من الحوافز الاستثمارية التي لا تقاوم، من بينها إعفاء كامل من الضرائب، وبنية تحتية من الطراز الأول، وأداء إداري ودود ومرحب بالمستثمرين، وهو ما يساعد على إتمام الإجراءات المهمة كتلك الخاصة بتأشيرات الإقامة وتسجيل العاملين في وقت وجيز.
ولكن هذه المزايا مجتمعة في نظر هورويتز، جعلت دبي تمثل تهديدا لاشك فيه لمدينة أنتويرب، لكنه يرى أنه من المحتمل أن يقوم التجار في أنتويرب بفتح مكاتب في دبي أو حتى مقرات رئيسية لشركاتهم، لكنهم سيستمرون في العمل من آنتويرب لفترة معينة، ثم سيكون متاحا أمامهم الخياران معاً.
* صعود دبي مرآة لتطورات السوق
وعلى أي حال، فإن صعود مكانة دبي كمركز عالمي للألماس يعكس حالة التطورات الدرامية التي تشهدها هذه الصناعة، وأبرزها سطوع شمس هذه الصناعة التي تبلغ قيمتها 60 مليار دولار على مواقع أخرى في العالم، بعيداً عن المراكز التقليدية والمعتادة للتعدين والتجارة، وذلك استجابة لصعود الطلب، وتراجع المعروض من قطع الألماس. وتبدلت نوعية القضايا المهمة لتلك الصناعة، ففي الماضي القريب صناعة الألماس العالمية مشاكلها الخاصة بها، من قبيل استغلال شركات التعدين للعاملين، وغض التجار الطرف عن الألماس الذي يتم الحصول عليه من الجماعات المسلحة والممارسات الاحتكارية.
لكن الأشياء تغيرت في هذه الصناعة حيث نجحت مبادرة دعمتها الأمم المتحدة وتعرف باسم «عملية كيمبرلي» في الحد من عمليات تهريب الألماس. ودفع ازدهار الطلب في الأسواق الجديدة في آسيا والذي رافقه الطلب القوي والتقليدي في السوق الأميركي، الشرائح المختلفة في تلك الصناعة إلى تبني خطط أعمال تتجاوز الحدود التقليدية. فلم تعد روسيا وأفريقيا تسيطران على قطاع التعدين، وعلى المنوال نفسه، لم تعد أنتويرب ونيويورك وتل أبيب تحدد أماكن تجارة الألماس، حيث تدافع القادمون الجدد نحو استقطاع جزء من الطلب المتزايد واصطياد موارد جديدة لتأمين الامتدادات في المستقبل.
وفي توقيت متزامن، وجدت الشركات العالمية الضخمة بأنه من المتعين أن تفعل ما في وسعها للتكيف مع الأوضاع المتغيرة فلأول مرة منذ 70 عاماً باعت شركة «دايموند تريدينج» الذراع التسويقية لشركة دي بيرز أقل من نصف الإنتاج العالمي من الألماس، وهو تطور غير مسبوق في هذه الصناعة، حيث هبطت حصة الشركة في السوق في عام 2001 إلى حوالي 60%، بعدما كانت تلك النسبة تبلغ 80% خلال اغلب سنوات عقدي الثمانينات والتسعينات، كذلك الحال بالنسبة لمدينة آنتويرب كمركز للتجارة والماس، فهي لم تعد الوحيدة في العالم التي تحتكر تجارة الألماس، بل صعدت مدينة دبي كمدينة فتية وقادرة على استقطاب صناعة وتجارة الألماس فيها.
* دبي سوق مهم للألماس البلجيكي
وبمعزل عما يحمله المستقبل بشأن العلاقة بين دبي وآنتويرب، فإنه في الوقت الراهن، تعتبر الإمارات سوقاً مهماً للألماس البلجيكي خاصة من النوع المصقول. حيث تنتعش التجارة بين الدولتين في هذا المجال. وبالتالي تلعب الإمارات دوراً مهماً في رأي شانتال عبود ممثل مركز الألماس العالمي لمنطقة الشرق الأوسط كمركز لتوزيع للألماس المصقول في منطقة الشرق الأوسط، باعتبار أن الطلب في هذه المنطقة سيشهد نمواً خلال العقد المقبل. وبالتالي، ستصبح دبي شريكاً تجارياً مهماً لبلجيكا.
وتبين الإحصاءات الصادرة عن مركز الألماس العالمي في آنتويرب أنه في عام 2004، زادت صادرات الألماس من بلجيكا إلى الإمارات بنسبة 5. 14%، حيث بلغت قيمة صادرات البلجيكية من الألماس إلى الإمارات نحو 46. 347 مليون دولار، أي ما يعادل 28. 1 مليار درهم، في حين بلغت قيمة وارداتها من الألماس المصقول من الإمارات خلال الفترة نفسها حوالي 09. 283 مليون دولار أي ما يعادل 04. 1 مليار درهم.
ووفقا للإحصاءات الصادرة عن وكالة النهوض بالصادرات «فلانديرين ـ فلانديرز» استحوذت صادرات الألماس على 72. 76 % من إجمالي صادرات الإمارات لبلجيكا في عام 2004. وتعتقد شركتا «تولكوويسكي» و«كينستلير» أن الإمارات وعلى وجه الخصوص دبي تشكل جزءا من السوق الصاعد، حيث تشغل دبي ثالث أهم سوق على مستوى العالم، وتمتلك كل المزايا التجارية التي تقدمها مدينة أنتويرب، إلى جانب تقديمها حوافز ضريبية أفضل كما تقدم فوائد لوجستية للأسواق المهمة كاليابان وجنوب شرق آسيا والتي يمكن النفاذ إليها بسهولة من دبي.
وقد سجلت صادرات قطاع الألماس البلجيكي من الألماس المصقول ارتفاعا قياسيا خلال عام 2004 لتبلغ قيمتها 12,8 مليارات دولار في عام 2004، بزيادة نسبتها 95. 12% عن العام السابق عليه الذي بلغت فيه قيمة الصادرات 19. 7 مليارات دولار. وقاد الطلب الآسيوي المزدهر هذا الارتفاع في صادرات بلجيكا من الألماس.
ولم تكن بالمفاجأة أن تقود هونغ كونغ الطلب الآسيوي باستيعابها إمدادات الألماس المصقول من بلجيكا بقيمة تبلغ 11. 1 مليار دولار في عام 2004، أي بارتفاع نسبته 4. 24% بالمقارنة مع العام الماضي. فيما جنت اليابان مكاسب مجزية مع صعود واردات الألماس المصقول من بلجيكا بنسبة 1. 16% لتبلغ 3. 321 مليون دولار. ولكن تبرز دبي بوصفها السوق الذي حقق مكاسب ضخمة، وبلغت قيمة وارداتها من الألماس المصقول من بلجيكا إلى 5. 347 مليون دولار في عام 2004 بزيادة نسبتها 13. 36% بالمقارنة مع العام الماضي .
ولهذا تجاوزت الإمارات اليابان لتشغل مكانة سابع أكبر سوق للصادرات البلجيكية. وتأثرت قيمة صادرات الألماس المصقول البلجيكية بسياسات الأسعار التي تتبعها شركة «دايموند تريدينج» التابعة لمجموعة دي بيرز والتي قامت برفع الأسعار مرتين خلال الأشهر الأولى من عام 2004، وهو ما يعني ارتفاع أسعار الألماس المصقول خلال النصف الأول من عام 2004 بمتوسط نسبته 14% بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي.
وقد عمل مركز الألماس العالمي في أنتويرب والذي يمثل كل قطاعات صناعة الألماس في بلجيكا على تعزيز تدفق الألماس من أنتويرب إلى دبي وأماكن أخرى في منطقة الخليج، وهو يعمل على تحقيق هذا الهدف من خلال المشاركة في معارض الألماس فضلاً عن تقديم خبرات تعليمية في علم الجواهر. وشرعت مؤسسة علم الجواهر التابعة لمركز الألماس العالمي بأنتويرب والتي تقوم بتنظيم برامج تدريبية وتعليمية حول تصنيف درجات الألماس والجواهر في أنحاء العالم كافة، في تنفيذ برنامج للتعاون مع مركز دبي للمعادن والسلع وبورصة دبي للألماس، يتضمن تنظيم أول برنامج تدريبي يتعلق بالألماس.
وكان تنظيم هذه البرامج في الماضي يتم من خلال التعاون مع مجموعة الذهب والمجوهرات، وفي رأي شانتال عبود ممثلة مركز الألماس العالمي لمنطقة الشرق الأوسط أن الطلب على هذه النوعية من البرامج التعليمية والتدريبية يعد أمراً بالغ الأهمية وينظر المركز إلى دور المؤسسات المحلية على أنه أساسي في تطوير المهارات والكفاءات لهؤلاء الذين يريدون أن يصبحوا محترفين في هذا المجال من الأعمال، واستدركت قائلة إن مركز الألماس العالمي يقدم برامج متنوعة تتوافق مع مختلف المجموعات فهناك من يرغب في تخصيص المزيد من الوقت في تعليم الألماس.
وهناك من يرغب في اجتياز الامتحان والحصول على درجة الدبلوم، وهناك برامج أخرى تعطي شهادات معتمدة كما تقدم المؤسسة برامج تدريبية متطورة فضلاً عن تنظيم ورش عمل تركز على موضوعات من قبيل معالجة الألماس ومنتجات الألماس الاصطناعي، والألماس الملون والتقليد، وبعد اجتياز البرامج الأولية والمتطورة يحصل المتدرب على شهادة الدبلوم في علم الجواهر.
* السيناريو المظلم لأنتويرب
يتكهن البعض بأنه من الممكن أن تواجه مدينة آنتويرب سيناريو مظلما وهو قيام الشركات الرئيسية بالتحرك نحو دبي، واتخاذها مقرا لأعمالها، وهو الوضع الذي ينسحب على مصدري مقاطعة سورات الهندية المشهورة بتجارة الألماس والذين بدأوا في مايو 2005 تحويل أعمالهم في مجال الألماس غير المصقول من مدينة أنتويرب إلى مدينة دبي بسبب تسهيلات البنية التحتية الأفضل والمزايا الضرائبية التي تقدمها حكومة دبي. وقال نانيباهاي فاناني إن الحكومة البلجيكية قامت مؤخرا برفع الضرائب على الأعمال المرتبطة بالألماس غير المصقول ومن ناحية أخرى، قامت حكومة دبي بإقامة مبنيين لصناعة الألماس داخل المنطقة الحرة.
ومع وصول صادرات الهند من الألماس المصقول إلى 55 مليار روبية، فإنها تعتبر لاعباً رئيسياً في الأعمال المرتبطة بمعالجة الألماس، ومن إجمالي قطع الألماس التي يتم معالجتها في الهند، يتم قطع وصقل 90% منها في حوالي 10 آلاف مصنع في مقاطعة سورات. وتستورد مقاطعة سورات نحو 50% من وارداتها من الألماس غير المصقول من مدينة آنتويرب البلجيكية لتقوم بصقلها وقطعها. ومع ذلك، بدأت بعض الشركات في مقاطعة سورات التحرك بشكل تدريجي إلى دبي، وهو ما انعكس في العدد الضخم من الشركات الهندية التي قامت بشراء مكاتب في برج الماس.
وقال برافينبهاي نانافاتي السكرتير العام لغرفة الألماس في جوجارات إنه لم يكن من المسموح للمصدرين في السابق شراء عقارات في دبي، ولكن اختلف الوضع الآن، حيث صارت حكومة دبي تسمح للتجار الأجانب بشراء عقارات على أساس التملك، كما أنها قامت بتبسيط هيكل الضرائب، وحفزت هذه الإجراءات تجار الألماس في مقاطعة سورات على تحويل أعمالهم إلى دبي، وذلك على الرغم من استمرار تجار الألماس الاحتفاظ بمقراتهم في مدينة أنتويرب البلجيكية على الأقل في الوقت الحالي.