تترقب أسواق النفط في العالم ما ستكون عليه اتجاهات الطلب والعرض خلال موسم الشتاء المقبل، وتبرز في هذا السياق تحذيرات بأن أسعار النفط ربما تصل إلى 100 دولار للبرميل، وذلك مع تصاعد الطلب على النفط في هذا الوقت من العام ،وعدم قدرة المصافي على تكرير المزيد من النفط الثقيل الذي تنتجه الدول المصدرة للنفط « أوبك » مما يجعل الزيادات في أسقف إنتاج هذه الدول محدودة التأثير في اتجاهات الأسعار، إضافة إلى تضرر إمدادات النفط بموسم الأعاصير.
وتجمع التقارير الصادرة عن الجهات المعنية بتقييم اتجاهات أسواق النفط على أن التذبذب الحالي في أسعار النفط لا ينفي واقع أن حالة الصعود في السعر هي السائدة في السوق، خاصة وان الارتفاعات في أسعار النفط خلال موسم الصيف الحالي، تعد أمراً غير معتاد، وهو ما يعكس من وجهة نظر بعض المحللين حالة الخوف التي تسود السوق بشأن ما سوف يحمله المستقبل، أكثر مما يعكس الظروف الحالية السائدة في السوق.
وتقترن بتلك التقارير تحليلات تخلص إلى استنتاجات مماثلة، ولكنها تضيف عاملاً آخر يدفع الأسعار نحو الارتفاع وهو عامل الخوف من المجهول النابع من حالة عدم التأكد التي تسود السوق بفعل مخاطر الجغرافيا السياسية. ورافق كل هذا، تحذيرات من أن تؤدي القفزات في أسعار النفط إلى الإضرار بأفق نمو الاقتصاد العالمي.علاوة على تقييمات بأن ما أسفرت عنه قمة مجموعة الثماني بخصوص النفط لا يرقى إلى مستوى خطة العمل.
* الأسعار مرشحة للارتفاع
وحذر مات سيمونس محلل النفط المثير للجدل من أن أسعار النفط يمكن أن تصعد بشكل صاروخي لتصل إلى 100 دولار للبرميل خلال موسم الشتاء المقبل، وهو ما سيدخل العالم في دوامة أزمة نفط غير مسبوقة، وذلك على الرغم من الآمال بأن يسهم بناء مخزون النفط الأميركي في خفض الأسعار خلال الأشهر المقبلة. بعدما صعدت إلى مستوى 60 دولارا للبرميل.
ولكن سيمونز يعتقد أن الطلب سوف يدفع الأسعار إلى ما فوق 50 دولارا للبرميل، وإنها يمكن أن ترتفع إلى 100 دولار خلال موسم الشتاء المقبل، محذرا بأن السوق يكتنفه مخاطر كبرى ناتجة عن تجاوز الطلب الكميات المعروضة، وهو ما يضع العالم على أعتاب أزمة غير مسبوقة لم يواجهها من قبل.
واعتبر سيمونز الخطوات التي أعلنت عنها منظمة الدول المنتجة للنفط «أوبك » لمعالجة الأسعار المرتفعة بزيادة سقف إنتاجها بمقدار500 ألف برميل يوميا، والتي أرجئت بعدما هبطت الأسعار إلى اقل من 60 دولارا للبرميل، بأنها محدودة التأثير وتأتي في وقت متأخر.
ورغم توقع محللين عديد ين بأن تسهم الأسعار المرتفعة للنفط في تحفيز الشركات على زيادة استثماراتها، وهو ما يؤدي إلى زيادة الإنتاج النفطي خلال العام المقبل، إلا أن سيمونز يرى أن المشكلة تكمن في ضعف البنية التحتية للإنتاج النفطي التي صارت تعاني من أوجه قصور عديدة، وذلك نتيجة إهمال ضخ الاستثمارات فيها على مدى سنوات عديدة. موضحاً أن العديد من هذه المشروعات الجديدة مجرد تطلعات، كما أن الكثير منها لن يسهم في إحداث طفرة في الإنتاج خلال العام الأول من تنفيذها، فضلا عن أن العديد من هذه المشروعات سيتعرض إنتاجها للتراجع في غضون خمس سنوات.
وفي السياق ذاته، تنبأت وحدة استطلاعات «الإيكونوميست» بأن تصل الأسعار إلى مستوى الذروة بحلول نهاية العام الجاري، وتعود مرة أخرى للتراجع بنسبة 10 % خلال العام القادم، وذلك مع التباطؤ المتوقع أن يشهده الاقتصاد الصيني، الأمر الذي سيؤدي إلى تراجع في الطلب على النفط، بحكم أن واردات النفط الصينية لعبت دورا حيويا في رفع أسعار النفط خلال العامين الماضيين.
وحذرت وحدة استخبارات «الإيكونوميست» من أن تنبؤاتها التي تشير إلى زيادة بنسبة 30 % في الأسعار خلال عام 2005، يمكن أن تكون محافظة إذا ما كان هناك تذبذب في مستويات الإنتاج بسبب محدودية طاقة الإنتاج الاحتياطية، الأمر الذي يؤدي إلى تخفيضات غير متوقعة في مستويات الإنتاج، مما يدفع بالأسعار إلى مستويات أعلى مما هو مقدر لها.
وفي رأي بول هورسينيل محلل السلع في بنك « باركليز » أن القيود على جانب العرض ستتواصل لتخلف مضاعفات على الأسعار خلال الأشهر المتبقية من العام.ويدفع الخوف من المجهول، في تقدير وكالة الطاقة الدولية، أسواق النفط نحو الارتفاع، وينبع هذا الخوف من المخاطر المرتبطة بالمناخ والجغرافيا السياسية التي تدفع التجار إلى بناء مخزون، وأورد تقريرها الشهري المعنون تحت اسم « تقرير سوق النفط » أن مشاعر عدم اليقين قد زادت بعد البداية النشطة وغير المعتادة لموسم العواصف.
علاوة على الأحداث الدموية التي هزت العالم كتفجيرات مدينة لندن، حيث كانت تلك الاعتبارات وراء اشتداد الطلب على النفط، مما دفع الأسعار إلى مستويات قياسية. وقيم التقرير أسواق النفط بأنها تتسم بالقفزات الحادة في الأسعار مما يجعلها تعكس حالة السوق الآخذ في الصعود بالمعنى الكلاسيكي.
* انتاج واعاصير
أدى إعصار «دينيس» وفقا لتقديرات الحكومة الأميركية - إلى وقف إنتاج 44. 1 مليون برميل يوميا من إنتاج النفط الأميركي في 11 يوليو أي ما يعادل 96 % من الإنتاج المعتاد لخليج المكسيك، وذلك وفقا لتقديرات الحكومة الأميركية، وهناك إعصار استوائي آخر يعتبر الخامس خلال هذا الموسم، وهو «إيميلي» في المحيط الأطلنطي الذي يتجه صوب الولايات المتحدة وبحر الكاريبي بسرعة 13 ميلاً في الساعة، وذلك حسبما أعلن مركز الأعاصير الوطنية في مدينة ميامي الأميركية.
ويتطلع السوق في رأي كريستوفر بيلوي المحلل في مؤسسة «باشي فايننشيال» بلندن إلى تأثير الإعصار القادم، وقدر بول جود هاو المحلل في مؤسسة «إيه بي إن آمرو» أنه على الرغم من قوة إعصار دينيس، إلا أنه لم يصب منشآت الإنتاج النفطية بالكثير من الضرر.
وتراجع بحدة كبيرة سهم شركة بريتش بتروليم ليسجل أكبر انخفاض منذ شهرين، إثر الضرر الذي لحق منشآتها النفطية في خليج المكسيك والتي تبلغ قيمتها مليار دولار، ومن غير المقدر- حسبما أعلنت شركة بريتش بتروليم - أن تعود تلك المنشآت إلى الإنتاج قبل نهاية العام الجاري.
وجاء اجتماع قمة مجموعة الثماني في المملكة المتحدة مؤخرا ليزيد وطأة حالة السيولة التي تسود السوق، فعلى الرغم من إشادة المراقبين بما صدر عن المجموعة من دعوات تحث على الكفاءة في استخدام الطاقة والوقود الأقل تأثيرا على البيئة، وضخ المزيد من الاستثمارات في الطاقة المتجددة وتشجيع نقل التكنولوجيا وتقاسم المعلومات حول أفضل الممارسات في الصناعة لأجل معالجة مشكلة سخونة المناخ، إلا أنهم أشاروا إلى أن مثل هذه الدعوات بحاجة إلى اتخاذ أفعال ملموسة في الوقت الحالي.
فضلا عن وضع أهداف محددة، وهو ما يعترضه رفض الولايات المتحدة التصديق على بروتوكول كيوتو بشأن تقليل تلوث الهواء الذي يعد على حد قول كلود ما نديل المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية بأنه الخيار الأفضل والمتاح لتقليل تلوث الهواء، ولكن لا أحد يتوقع أن الولايات المتحدة ستقوم بالتوقيع على هذه الاتفاقية، وأنه يمكن أن تقل انبعاثات أكسيد الكربون من محطات الطاقة التي تعمل بالفحم لو استخدمت الدول النامية تكنولوجيات أكثر كفاءة كتلك الموجودة في دول العالم المتقدم .
* «أوبك» تواجه وقتاً عصيباً
ويتكهن المحللون بأن منظمة أوبك ستواجه وقتا عصيبا في تنفيذ تعهداتها لتعزيز الإنتاج بما يؤدي إلى تهدئة الأسعار، وذلك بسبب محدودية طاقة المصافي على تحويل النفط الثقيل إلى منتجات مكررة، وهو ما يجعل الزيادات في الإنتاج محدودة التأثير في كبح ارتفاع الأسعار. وذلك على الرغم من إعلان منظمة «أوبك»عن استعدادها لرفع الإنتاج خلال النصف الثاني من هذا العام لتلبية الطلب في موسم الشتاء المقبل في نصف الكرة الشمالي.
حيث لم تؤد الزيادات السابقة في مستويات الإنتاج إلى كبح ارتفاع الأسعار التي زادت بنسبة 10 % خلال الشهر الماضي نتيجة لتزايد المخاوف من عدم قدرة إنتاج المصافي على تلبية احتياجات الطلب المتصاعد لتخزين وقود التدفئة لموسم الشتاء المقبل. وفي نهاية الأسبوع الماضي، أبلغت السعودية، أكبر منتج للنفط في العالم والدولة الوحيدة من بين الدول المنتجة للنفط التي تمتلك طاقة إنتاجية احتياطية، زبائنها الذين تعاقدت معهم في أوروبا والولايات المتحدة، بأن يتوقعوا تلقي كميات من النفط في شهر أغسطس تماثل تلك التي حصلوا عليها خلال شهر يوليو الجاري.
ويقدر محللون أن السعودية حافظت على معدل إنتاجها دون تغيير عند مستوى 5,9 ملايين برميل يوميا، وذلك على مدى أشهر عدة، نظرا لعدم وجود اهتمام بشراء 5,1 مليون برميل يوميا من النفط السعودي الذي يحتوي على نسبة عالية من الكبريت، وخلص هؤلاء المحللون إلى أنه بات من الصعب على السعودية فعل أي شيء لتهدئة الأسعار، في وقت تتعرض فيه عروضها للتجاهل، ويدللون على صحة هذا الاستنتاج بإشارتهم إلى المقولة التي تتردد دائما على لسان وزير النفط السعودي على النعيمي وآخرين في منظمة أوبك بأن ارتفاع الأسعار يعود إلى محدودية طاقة التكرير في معالجة النفط الثقيل والذي يحتوي على نسبة عالية من الكبريت.
وعلي الرغم من تعهد «أوبك» بزيادة سقف الإنتاج بمقدار 500 ألف برميل يوميا إذا ما ظلت الأسعار على مستوياتها المرتفعة، فإن الشيخ أحمد فهد الصباح رئيس المنظمة أثار الشكوك حول نية المنظمة بالفعل لضخ المزيد من النفط في السوق بإشارته بأنه إذا ما كان السوق بحاجة إلى هذه الكمية فسوف نقوم مباشرة بزيادة الإنتاج .
وفي رأي المحلل كين ميلير بشركة « جيرتز وبيرفين » بهيوستن أن النعيمي والوزراء الآخرين في أوبك في إشارتهم إلى مشكلة القيود على التكرير، يقصدون أن طاقة المصافي صارت محدودة على تحويل النفط الذي يحتوي على نسبة عالية من الكبريت إلى منتجات مكررة، خاصة المصافي الموجودة خارج الولايات المتحدة. حيث أن القدرة التحويلية للمصافي تعمل بكامل طاقتها، ويتم موازنة كل شيء بناء على طاقة مصافي التكرير والتي أصبحت غير قادرة على إنتاج منتجات النفط الخفيفة لعدم توافر طاقة تحويل احتياطية.
وأدخلت السعودية بعض التعديلات على أسعار عقودها بإعطائها المصافي الأميركية خصما مقداره دولارا واحدا للبرميل لتعاقدات شهر أغسطس المقبل بالمقارنة مع أسعار شهر يوليو الجاري، ولكن لم تكن تلك التخفيضات - من وجهة نظر بعض المحللين - كافية لجعل التجار يطلبون المزيد من النفط، وأشار وزير النفط السعودي على النعيمي إلى أنه لا يوجد سوق لنفط إضافي وأن المملكة لن تنتج نفطا لا تجد من يشتريه. ووفقا لبيانات الحكومة الأميركية فقد بلغ متوسط شحنات النفط السعودية للولايات المتحدة 4. 1 مليون برميل يوميا خلال الربع الأخير من عام 2004، ثم ارتفع إلى 57. 1 مليون برميل يوميا خلال الربع الأول من العام الجاري، ولكنه تراجع منذ ذلك الحين.
* قلق بنك التسويات الدولية
عبرت البنوك المركزية في العالم عن قلقها من تأثير صعود أسعار النفط على الاقتصاد العالمي وذلك مع ارتفاع الأسعار إلى مستوى 9. 60 دولارا للبرميل. ومع ظهور دلائل تشير إلى أن صعود أسعار النفط بنسبة 40 % منذ مطلع العام، أثر سلبا على أفق نمو الاقتصاد العالمي، حذر بنك التسويات الدولية الذي يعتبر بمثابة «بنك البنوك المركزية في العالم»، من أن أسعار النفط قد تظل مرتفعة لبعض الوقت، وان المزيد من الارتفاعات قد يضر الاقتصاد العالمي أكثر مما هو متوقع في الوقت الحالي.وقال نوت ويلينك عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي ان الأسعار المرتفعة بدأت بالفعل في كبح النمو في بعض أجزاء ��ن العالم، وذلك على الرغم من محدودية تأثير هذا الارتفاع على معدل التضخم.
كتب مجدي عبيد