لعلها ليست المرة الأولى التي يسارع فيها بنك الشعب الصيني (البنك المركزي) بنفي شائعات اعتزام الحكومة الصينية تعويم سعر صرف العملة الوطنية (رينمينبي) ـ كما حدث أول من أمس ـ ، واصفا تلك الشائعات بأنها مغرضة وعارية عن الصحة، ومتهما جهات أجنبية بالترويج لها بهدف زعزعة استقرار المنظومة المالية والاقتصادية للبلاد.
لكنها تكاد تكون المرة الأولى التي تتردد فيها تلك الشائعات بمثل هذه القوة وعلى هذا النحو التفصيلي لتؤكد في مجملها (أنه لم يعد بد مما ليس منه بد!!) وأن الصين التي حافظت على سعر صرف ثابت ومستقر لعملتها الوطنية منذ عام 1994 قررت أخيرا رفع قيمة عملتها من 26. 8 مقابل الدولار الواحد إلى نحو 7. 7 على أن يسرى ذلك اعتبارا من الأول من أغسطس المقبل!!!
وإن صحت هذه الشائعات وبصرف النظر عن دوافعها وأهدافها ستصبح الصين أول دولة تقدم على تلك الخطوة الانتحارية في وقت لا تزال فيه عملتها النقدية غير قابلة للتحويل الأمر الذي حذر منه الكثيرون من خبراء الاقتصاد المحليين والأجانب على حد سواء وأسهبوا في الحديث عن تداعياته المدمرة على مسيرة التنمية الاقتصادية برمتها!!
والشائعات التي تداولتها الألسنة على مدار الأسبوع الماضي، لم تنطلق من فراغ، حيث إن هناك سلسلة من الشواهد جعلت المواطنين والمراقبين يستشعرون بأن ثمة تحركاً يدفع الأمور بهذا الاتجاه، بدءا بقرار مجلس الدولة بشأن إقالة نائب محافظ البنك المركزي لي رو قوه والذي يشغل في الوقت ذاته منصب عضو لجنة السياسات النقدية وهو القرار الذي أعلن عنه قبل أيام قليله بشكل مفاجئ ودون إبداء أي مبررات وإن يعلم الجميع أن الرجل من أشد المعارضين لتحرير سعر صرف الرينمينبي، وانتهاء بمذكرة تم تعميمها على بعض البعثات الأجنبية المعتمدة لدى الصين بشأن الاستعداد لدفع إيجار مقارها.
وكذلك رواتب موظفيها المحليين بالعملة الوطنية عوضا عن الدولار اعتبارا من الشهر المقبل، مروراً بتصريحات رئيس الوزراء ون جيا باو خلال مؤتمره الصحافي السنوي والتي قال فيها إن الحكومة شرعت في إعداد خطة لإصلاح سعر صرف العملة الوطنية منبها إلى أنه حال توفرت الظروف المواتية ستدخل تلك الخطة حيز التنفيذ بشكل فجائي ربما لن يتوقعه أحد!
إن حجم الضغوط الرهيبة التي تتعرض لها الصين منذ فترة ليست بالقصيرة لرفع قيمة عملتها الوطنية ليست بخافية على أحد، حيث تمارسها علانية أطراف خارجية عديدة في مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي واليابان. وفود تجئ وترحل لا هم لها سوى مناقشة قضية العملة الصينية مع السلطات في بكين مؤتمرات إقليمية وقمم عالمية تدرج على رأس جدول أعمالها قضية العملة الصينية وآخرها قمة مجموعة الثماني التي انعقدت في اسكتلندة أوائل الشهر الجاري.
دول ثقيلة الوزن أقدمت ـ بعد أن أعيتها الحيل ـ على تعيين مبعوثين خاصين في مناصب استحدثتها خصيصا لمواجهة السياسات الاقتصادية الصينية أو التنسيق معها أو معالجة تداعياتها على اقتصادياتها الوطنية!!الجميع يتهم الصين بأنها السبب الرئيسي في حالة عدم الاستقرار التي يعانى منها الاقتصاد العالمي، ويتهمها بأنها العامل الأساسي في ذلك الخلل الرهيب في توازن السوق العالمي.
ويحملها كامل المسؤولية عن هذا العجز الهائل في ميزانها التجاري مع غالبية شركائها الرئيسيين والذي يميل لصالحها بفروق ضخمة تخطت في بعض الحالات سقف المئة مليار دولار كما حدث مع الولايات المتحدة الأمر الذي دفع واشنطن لتحذير بكين مرارا من مغبة فرض عقوبات تجارية ما لم تسارع بتلك الخطوة وتصلح نظامها النقدي في موعد غايته نهاية العام الحالي.
مع ذلك كله ظلت الصين صامدة في مواجهة تلك الضغوط ولم تتحرك قيد أنمله وتمسكت بموقفها الرافض بشكل قاطع وحازم وصارم الإذعان لتلك الضغوط أو لمحاولات تسييس القضايا الاقتصادية أو للتلويح بعصا العقوبات الغليظة، وشدد كبار المسؤولين خلال مناسبات عديدة محلية وعالمية وفي مقدمتهم وزير المالية جين رن تشينع ومحافظ البنك المركزي تشو شياو تشيوان على أن قيمة العملة الوطنية تدخل في صميم قضايا السيادة الوطنية التي لا تخضع للجدل أو المساومة أو النقاش.
وتساءلوا: إذا تم إجبار الصين على رفع معدل سعر صرف عملتها الوطنية فكيف يمكن لها أن تزيد من قدرتها على الاستيراد من الولايات المتحدة الأميركية أو الاتحاد الأوروبي أو اليابان علماً بأنها أصبحت تحتل المركز الثالث في حركة التجارة العالمية وتوقفها عن التجارة البينية مع مثل هذه التكتلات الاقتصادية الكبرى سيفضى بالتبعية إلى اندلاع أزمة مالية في العالم بأسره ما لم يفض إلى انهيار المنظومة الاقتصادية العالمية برمتها.
وتعهد المسؤولون الصينيون بالحفاظ على معدل صرف العملة الوطنية (رينمينبي) مستقراً ومتوازناً ومعقولاً مع تحسين آليات تحديد سعر الصرف ومواصلة تعميق إصلاحات إدارة النقد الأجنبي وتصويب الخلل في الميزان التجاري للصين مع شركائها الرئيسيين وتسهيل استخدام وتداول العملات الأجنبية من جانب الأفراد والمؤسسات والمضي قدماً في إعادة هيكلة القطاع المصرفي.
وجدد هؤلاء المسؤولون التأكيد على أن الصين تلتزم بقوانين اقتصاد السوق وعلى أنها ستدفع بتحسين آليات صرف الرينمينبي متى سمحت ظروفها الخاصة بذلك ووفقاً لمبادراتها الذاتية بعيداً عن أي ضغوطات خارجية مهما بلغت كثافتها وشدتها (دون إعطاء أي جداول زمنية محددة)، وتحدثوا بلغة الأرقام.
فأشاروا إلى أن الصين حافظت على نظام سعر صرف معوم وموحد ومدور ومرن يرتكز على قوى العرض والطلب للنقد الأجنبي داخل السوق المحلي وهو ما جعل قيمة الرينمينبي ترتفع بمعدل 83 في المئة مقابل الدولار الأميركي خلال الفترة من 1994 إلى 1999 كما كان العامل الرئيسي الذي أنقذ أسواق المال الآسيوية من الانهيار جراء الأزمة الحادة التي عصفت بها عام 1997.
وأكد الجانب الصيني أن إجراءات الإصلاح المنشودة لابد أن تتماشى مع مفهوم ومنطق ومنظومة الإصلاح الداخلي سواء كان ذلك يتعلق بسعر الصرف أو سعر الفائدة أو قيمة الضرائب مع الأخذ بعين الاعتبار تأثيرات ذلك على الاقتصاد العالمي واقتصاد دول الجوار انطلاقاً من كون الصين دولة مسؤولة تلعب دوراً متزايداً في التمويل الدولي وحركة التجارة العالمية فضلا عن تأثيرها الذي لا يمكن إغفاله على أسواق البورصات العالمية.
ولفتت السلطات الصينية المعنية إلى أن عملية إصلاح سعر صرف العملة الوطنية تعد مهمة بالغة التعقيد وتتطلب حسابات فائقة الدقة ويتعين أن تتم تدريجيا وفي الوقت المناسب وبالطريقة الملائمة التي يستطيع النظام المالي للبلاد تحملها وامتصاص تداعياتها على نحو يؤمن استقرار أداء السوق المالي في المدى القريب والمتوسط مستبعدة تماما أن يتم أي تغيير خلال العام الحالي.
وبين الموقف الصيني المتشدد الذي أعاد التأكيد عليه بيان البنك المركزي الصيني الصادر يوم أمس الجمعة.وبين الضغوط المتصاعدة من جانب أطراف أجنبية عديدة والتي ارتقت مؤخرا إلى مستوى التهديدات.وبين شائعات تحرير الرينمينبي اعتباراً من الأول من أغسطس المقبل والتي تتردد بقوة داخل الصين وخارجها.
تعيش أسواق المال والهيئات المصرفية والدوائر الاقتصادية العالمية حالة من الترقب يتطلع فيها الجميع لاستجلاء الحقيقة قبل التحرك لمواجهة تداعياتها على النظام الاقتصادي محليا وإقليميا ودوليا خاصة وأن العملاق الصيني قفز برصيد احتياطيه من النقد الأجنبي إلى المركز الثاني على مستوى العالم ـ بعد اليابان ـ بحجم بلغ في نهاية يونيو العام الحالي 711 مليار دولار أميركي.