دعا عدد من الخبراء في شؤون النفط والاقتصاد صانعي السياسة الأميركية في البيت الأبيض والكونغرس إلى وضع استراتيجية للطاقة استعداداً لـ «حروب الطاقة المقبلة» في القرن الحادي والعشرين، وحذروا من التحديات الخطيرة التي تواجهها الولايات المتحدة واقتصادها، والتي قد تتحول إلى حروب عسكرية تخوضها من أجل تأمين مصادر الطاقة الحيوية لها وفي مقدمتها النفط.
ولم يستبعد بعض الخبراء أن يتحول التنافس حالياً للسيطرة على مصادر الطاقة وتأمين إمداداتها إلى حرب عسكرية شاملة، وأشاروا إلى التهديد الذي يشكّله نشاط الصين حالياً للاستحواذ على النفط وتأمين مصادر إمدادات له تلبي حاجاتها المتعاظمة له. ومن ذلك النشاط سعي شركة «CNOOC» النفطية الحكومية الصينية لشراء شركة «يونوكان» الأميركية (وهي شركة نفطية تعمل أيضاً في التنقيب عن المعادن النادرة)، وهو ما اعتبره بعض الخبراء تهديداً للأمن القومي الأميركي.
ولفت الخبراء إلى أن اليابان دخلت الحرب العالمية الثانية من أجل السيطرة على الطاقة والمواد الخام، وكان هدف هتلر من غزو الاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية السيطرة على مصادر الطاقة في باكو، وحوض بحر قزوين، ولذلك يرى الخبراء النشاط الصيني الذي يمتد من شرق آسيا إلى فنزويلا وكندا للاستحواذ على مصادر الطاقة مثالاً حياً يهدد الأمن القومي الأميركي، والذي يقود إلى حروب عسكرية.
ما سبق، هو بعض ما جاء في ندوة عقدتها «مؤسسة هيريتيج» في واشنطن أول من أمس، تحت عنوان: «حروب الطاقة المقبلة: قنبلة القرن الحادي والعشرين الموقوتة». تحدث فيها فرانك جافني، وهو من أبرز رموز اليمين الأميركي ورئيس «مركز سياسة الأمن»، وفريدريك سيدوز نائب رئيس «فريق مياه العالم واستراتيجية الطاقة» وإيلان بيرمان نائب رئيس مجلس السياسة الخارجية الأميركية.
في هذه الندوة التي حضرتها «البيان» قال سيدوز في كلمته التي كانت بعنوان: «الوصول إلى النفط: اللعبة العظمى للقرن الحادي والعشرين»: إنه لتجنُّب أزمة كبرى في مجال الطاقة على الرئيس وصانعي استراتيجية الطاقة في الكونغرس أن يؤكدوا على تطوير واستثمار بدائل كمصادر للطاقة غير النفط، واقترح على الحكومة الأميركية دراسة فكرة إقامة منطقة إقليمية لاحتياطات الطاقة.
وقال إن التنافس العالمي على النفط أدى إلى ارتفاع سعر البرميل إلى أكثر من 60 دولاراً. وأعرب عن أمله في أن الحكومة الأميركية تدرك دور الصين في هذا التنافس، وتتخذ الإجراءات اللازمة لمواجهة هذا التحدي للحفاظ على أمننا القومي.وتطرق إلى منظمة «أوبيك» التي فقدت الكثير من امتيازاتها وقوتها في السابق وأنها توشك على النهاية.
وفي رد على سؤال لـ «البيان» عمّا يعنيه بقوله، قال سيدوز: إنه لا يعني أن «أوبيك» قد ماتت فعلاً وقوة، وإنما ضعف تأثيرها وتأثير قوة قراراتها.ودعا صانعي سياسة الطاقة الأميركية إلى بدء البحث في «آلية جديدة لإمدادات النفط» وبمشاركة «أوبيك» وغيرها من المنظمات الدولية، لكنه أكد أن على الولايات المتحدة أن تظل اللاعب الأساسي لتأمين إمدادات النفط.
وقال إن استهلاك الولايات المتحدة من النفط يومياً أكثر من 20 مليون برميل، وهذا ما يعادل ربع إنتاج العالم وهو ما بين 82 ـ 84 مليون برميل. بينما لا تنتج الولايات المتحدة إلا 6 ملايين برميل يومياً. وهذا ما يجعلها تعتمد على وارداتها النفطية اعتماداً حيوياً.وحذّر قائلاً: ومن هنا، وحيث التنافس العالمي الحاد على مصادر الطاقة وهو النفط، فإن على الولايات المتحدة أن تواجه هذا التحدي قبل أن تنجر إلى صراع عسكري.
وقال: إن الصين، هذا «التنين العطشان» للنفط، تسعى وتنشط من شرق آسيا إلى كندا إلى فنزويلا وأميركا الجنوبية وافريقيا للاستحواذ على مصادر النفط. وقال ان استراتيجية الطاقة الصينية، تختلف عن استراتيجية الولايات المتحدة، فاستراتيجية الصين تنسجم مع نظامهم الشمولي، المعاكس تماماً للنظام الأميركي.
وأشار إلى أن ممارسات الصين في السودان كمثال على أساليبها في استراتيجيتها للطاقة، وقال إنهم يستغلون أي وضع تكون فيه الدولة التي يسعون إلى تأمين بعض حاجتهم منها، فحيث إن السودان في خلاف مع الولايات المتحدة، عمدت الصين، عبر شركتها الوطنية للنفط (Cnpc) إلى احتلال الموقع الذي تركته «تالسمان» الكندية النفطية، بسبب الأوضاع السياسية والأمنية في دارفور وفي جنوب السودان، حيث النفط في هذه المناطق.وأعرب عن أمله من أن يؤدي اتفاق السلام في السودان إلى إحلال الاستقرار.
لكنه أعرب عن خشيته من الآثار السلبية من السماح للشركة الصينية بأن يكون لها النفوذ الكبير والتأثير على ذلك.أما فرانك جانفي، أبرز المحافظين الجدد، فقد دعا إلى ضرورة أن تقف الولايات المتحدة في وجه التحدي الخطير الذي تشكله الصين. وقال لـ «البيان»: انه دعا الكونغرس في كلمة له أمام لجنة القوات المسلحة عن الموضوع الأربعاء الماضي، إلى اتخاذ كل الخطوات اللازمة لتأمين والدفاع عن الأمن القومي الأميركي، ومهما استدعى ذلك من خطوات».
وأكد: «انه على يقين تام بأن الكونغرس والإدارة، سينفذون التوصيات التي قدمت لهم من أجل وضع وتنفيذ استراتيجية طاقة تحفظ المصالح الأميركية من أي تهديد أو خطر». وقال: إن الصين تنفذ استراتيجية في سعيها للحصول على النفط على حساب المصالح الأميركية. فهي تنشط في افريقيا والشرق الأوسط وأميركا الجنوبية.وقال: إن الولايات المتحدة يجب ألا تتردد لاستخدام القوة العسكرية ضد الصين، مع العمل في الوقت نفسه تجنب الحرب.ولمواجهة الخطر الصيني قال جانغي:
أولاً إن على الولايات المتحدة أن تعرف وتفهم استراتيجية الصين واحتوائها.
وثانياً: إن تعمل لتغيير النظام في الصين.
وثالثاً: إن تعمد الولايات المتحدة إلى تطبيق سلسلة من المبادرات والخطط لتوفير مصادر بديلة للطاقة من النفط.
وقال إن الخطر الصيني يمثل فرصة للقيادة الأميركية لبذل كل جهد ووسيلة لتحرر الولايات المتحدة من اعتمادها على النفط من الخارج ما أمكن من جهة، وأن تبقى قادرة على ضمان وتأمين النفط من مصادره الخارجية، ولو استدعى ذلك استخدام القوة العسكرية.
وأشار إلى أن معظم الدول الرئيسية المنتجة للنفط تعيش أوضاعاً غير مستقرة سياسياً وأمنياً، وهنا يشكل ذلك خطراً على الأمن القومي الأميركي، كما أن هناك خطراً على خطوط ووسائل نقل وإمداد النفط من الأعمال الإرهابية.وقال إن على القيادة الأميركية أن تبدأ التفكير استراتيجياً وعليها أن تشرك الشعب الأميركي في هذا التفكير، ودعا الحكومة الأميركية إلى أن تحول دون شراء شركة النفط الصينية للشركة الأميركية النفطية.
واشنطن ـ محمد صادق