أوفدت مجلة « لونوفيل أوبزيرفاتور» الأسبوعية الفرنسية مبعوثة خاصة هي لور دوكاروا إلى دبي كتبت تقريراً مطولاً تحدثت فيه عن مساحات للتزلج على الجليد في قلب الصحراء، وغابة استوائية تحت قبة زجاجية، مشيرة إلى أنه في دبي تولد المشروعات الأكثر جنونا على الأرض، فبعد عشر سنوات سينضب الذهب الأسود، وهذه القطعة الصغيرة من الصحراء يمكن أن تودع الثروة البترولية.

وتريد الإمارة إعادة توجيه اقتصادها لتعتمد على رأسمالها من الشمس. لذا، قررت استثمار 50 مليار دولار لتصبح مدينة الأحلام السياحية. تقول دوكاروا: في دبي، يلقى بطائرات إيرباص A300 في البحر، ويلقى أيضا بالسيارات والقطارات والمرجان الصناعي وسبائك الذهب.. قد يبدو ذلك ضربا من الجنون لكن الإمارة لا تبدد على الإطلاق البترودولار في الخليج ، بل تجتذب الغواص الغربي ليرى «ما لم يره في حياته».

وفي الإمارة المدينة لا يمر أسبوع دون الإعلان عن مشروع سياحي مدو، إن لم يكن مبتكرا، مثل مشروع المهندس المعماري الألماني الذي يحلم ببناء فندق تحت الماء، يسميه هيدروبوليس بمبلغ 500 مليون دولار، أو فكرة أخرى مجنونة مثل فكرة الملياردير الروسي كيرسان ايلومينوف المهووس بالشطرنج والذي يأمل أن يجعل من دبي قبلة الشطرنج الجديدة بإنشاء مدينة الشطرنج.

وهو يأمل بجدية اجتذاب 60 مليون هاو. وستتخذ مدينته شكل رقعة شطرنج هائلة عليها 32 مبنى (بالأبيض والأسود فقط)، وسيصل ارتفاع الملك الأبيض والملك الأسود إلى 64 طابقا. وستتكلف هذه اللعبة الصغيرة 6. 2 مليار دولار. وبميزانية قدرها 12 مليار دولار، تعتبر شركة «نخيل» المحلية صانعة المشروعات المذهلة. ومهمتها توسيع الساحل الذي يبلغ طوله 40 كيلومترا ببناء 1500 كيلومتر من الشواطئ الجديدة الساحرة كأنها قطعة من الجنة.

ولدى «نخيل» ندخل قصرا لونه مثل لون الرمال وكأنه من قصص «ألف ليلة وليلة»، وعيون ماء غناء على رخام فاتح اللون. وداخل القصر تعرض نماذج لمشروعات مستقبلية.. فنادق وفيلات وطائرات هليكوبتر ويخوت خاصة. هنا ترتسم معالم أرض ملعب صناعة السياحة في المستقبل. وآخر مشروع كان إنشاء أكبر واجهة بحرية في العالم، هي واجهة دبي البحرية. تمتد على مساحة 81 كيلومترا مربعا، أي تقريبا مثل مساحة باريس.

ولا تزال تكلفة المشروع محاطة بالسرية، ولكن شركة نخيل تدعو أصحاب المشروعات الفندقية إلى المشاركة في الاحتفالات. وتقترب منك المسؤولة التجارية لتشير على صور فوتوغرافية ملتقطة بالأقمار الصناعية إلى الجزر الشهيرة على شكل نخلة: النخلة جميرة طرحت عام 2001 بسعر 5. 1 مليار دولار. والفيلات بسعر 3. 1 مليون دولار للفيلا بيعت في ثلاثة أيام. وتواصل شركة «نخيل» الأعمال الضخمة بعد أن حققت نجاحا كبيرا: وستظهر نخلتان قريبا هما النخلة جبل علي و«النخلة ديرة».

ولتسلية السياح الأثرياء ، يتم إعداد فندق بتكلفة 650 مليون دولار: فندق أتلانتيس. يمكن للعملاء المميزين أن يلعبوا في الماء مع الدلافين وأن يزوروا بقايا المدن الأثرية الصناعية التي ترقد تحت الماء أو يقوموا بالبحث عن الذهب تحت الماء. وهناك دعاية أكبر لمشروع أكبر هو جزيرة العالم 300 جزيرة تتراوح مساحاتها بين عدة كيلومترات مربعة و40 كيلومترا مربعا وتشكل خريطة نصفي الكرة الأرضية على بعد بضع مئات من الأمتار من الساحل. وسيجهز مالك المستقبل جنته الصغيرة على هواه.

ويكرر المسؤولون في شركة «نخيل» القول بأنه «ليس هناك حدود سوى خيالك». والحدود الأخرى هي ميزانيتك بالطبع. والأسعار معلنة: من 5. 7 ملايين إلى 36 مليون دولار للجزيرة. وهناك إعلان للهواة يقول: فرنسا للبيع بمبلغ 32 مليون دولار فقط. وتسري شائعات عن هويات المشترين الذين يتم اختيارهم بعناية. يقال إن المغني الانجليزي رود ستيوارت استحوذ على بريطانيا مقابل مبلغ 33 مليون دولار. ويقال أن مادونا والتون جون وديفيد بيكهام ومايكل أوين سيستأثرون هم أيضا بالسحر الصناعي للخليج الجديد للمليارديرات.

إنه موقع عمل دائم على الأرض الصلبة. تسمع ليلا نهارا ضجيج الجرافات والمطارق. وعلى جانب الطريق السريع، تبدأ معالم إنشاءات جديدة في التشكل. هل هو فندق جديد؟ جبل لقطار ملاهي؟ ليس بالضبط، إنها مركز للتزلج على الجليد في معرض تجاري. خمسة منحدرات بطول 400 متر ستمتد بعرض ثلاثة ملاعب لكرة القدم. وعند سفح المدارج: فندق خمسة نجوم فيه 400 جناح وشاليهات صغيرة صممت على الطراز الجبلي. انفجر أحد المهندسين بالموقع ضاحكا وهو يقول «إن تسلق هذا المدرج حتى قمته يستغرق مني ربع الساعة، وكأننا في جبال الألب». ننتظر الندفات الأولى في شهر سبتمبر.

وعلى مسافة أبعد، يجري إعداد أهم مشهد هو دبي لاند، هذا العالم الرائع الذي سيتكلف خمسة مليارات دولار، وسيضم 45 حديقة ترفيهية، بدءا من استكشاف الفضاء وحتى اكتشاف الديناصورات بالحجم الطبيعي، مرورا بالحديقة القطبية التي توجد فيها طيور البطريق الحية. وعلاوة على كل ذلك، ستخرج من الرمال غابة استوائية «حقيقية» تحت قبة زجاجية هائلة الحجم. وتمتد الحديقة الضخمة على مساحة 186 كيلومترا مربعا وسيبلغ حجمها ضعفي حجم المدينة.

وينتظر أن يزورها 200 ألف شخص يوميا. وتثور ضجة إعلامية كبيرة حول هذه المشروعات الغريبة. فبالنسبة للبريطانيين، أصبحت دبي هي الوجهة المفضلة للتسوق والحياة المرفهة الخمسة نجوم. وتستقبل دبي خمسة ملايين سائح سنويا والفنادق غالبا ما تكون كاملة العدد. وتهدف الإمارة إلى استقبال 15 مليون زائر سنويا عام 2010 لتصبح في المركز الخامس ضمن الوجهات السياحية الأساسية.

وإذا كانت دبي تنفق 50 مليار دولار لتطوير بنيتها الأساسية السياحية، فهذا ليس جنونا بل إنها مسألة بقاء. والواقع أن دبي تملك اثنين في المائة فقط من احتياطي الذهب الأسود في دولة الإمارات العربية المتحدة. وستنضب آبارها بعد عشر سنوات. وليس أمام دبي من مخرج لتأمين مستقبلها سوى خفض اعتمادها على الثروة البترولية بتنويع اقتصادها. واليوم لم يعد يمثل البترول سوى سبعة في المائة من إجمالي الناتج الداخلي. والقطاع الأول للإمارة هو قطاع النقل والاتصالات السلكية واللاسلكية ويليه الصناعة والتجارة والعقارات. والقطاع الأخير الذي لا يزال في المؤخرة هو السياحة ولكن ليس لمدة طويلة.

لقد جذبت المشروعات الهائلة في دبي كما كبيرا من رؤوس الأموال الأجنبية إلى حد أن عام 2004 أطلق عليه «العام الذهبي». وشهدت الإمارة في العقد الأخير متوسط نمو سنوي بلغ سبعة في المائة. وبلغ إجمالي الناتج الداخلي عن كل فرد 17500 دولار وهو يقترب من مستوى الكويت. وعلى طول الطريق السريع ذي المسالك الخمسة تظهر صورة لبرج دبي المستقبلي مشيرة إلى السماء: إنه أعلى برج في العالم. وحيث أنه ينافس الصين والولايات المتحدة، يحاط ارتفاعه الحقيقي بالسرية بدافع من الغيرة (800 متر) ولكن هناك تأكيد بأن يفوز بهذا اللقب عن جدارة.

والطموحات لا تقف عند هذا الحد. إذ تحلم الإمارة أيضا بأن تصبح أهم مركز لتعاملات الأسهم في الشرق الأوسط بتدشين مركز دبي المالي الدولي. ويتوقع ألا يقل عدد الأشخاص الذين سيعملون في هذا المركز المالي الضخم الذي سينشأ في عام 2006 عن 50 ألف شخص. ولكي يصبح هذا الحي الذي يسمى الخليج التجاري حقيقة سيتم بناء ناطحات سحاب على الماء. وسيقدر المستثمرون ذلك.

ويبدو أن الأمور تسير بشكل طيب: يقول البريطاني جاي ويلسون مدير شركة The Consulting House في دبي للانترنت سيتي «ما كان يمكن أن أدير عملي في دبي بدون ذلك». وتوجد بالفعل تسع مناطق حرة ذات تخصصات مختلفة معفية تماما من الضرائب. وهناك أيضا مشروع لإنشاء مناطق لبائعي الزهور والمنظمات الإنسانية غير الحكومية والعاملين في مجال السينما وحتى باعة السجاد.

ولاستقبال كل هذا الحشد يجب أن تبسط السجادة الحمراء. يتم ضخ 1. 4 مليارات دولار في البنية الأساسية لتوسيع مطارها. ومن جانبها، طلبت شركة طيران الإمارات الحصول على 45 طائرة ايرباص A380. والرؤية تأخذ أبعادا كبيرة ما دام الطيران المدني مستعداً لاستقبال 100 مليون شخص في عام 2025. وتنتظر هذه الإمارة التي يبلغ عدد سكانها 2. 1 مليون نسمة أن تصبح وجهة تسجل أرقاما قياسية. وقد أصبحت الأرقام القياسية بالفعل مصدر سعادة للصحف المحلية.

وهناك ميزة أخرى تفخر بها الإمارة: إذ تظل دبي أكثر المدن أمنا في العالم. لا يوجد مكان للتسول أو الإجرام. والإماراتي من جانبه يجد نفسه أحيانا حائرا بين احترام التقاليد والخطوة العملاقة التي يخطوها نحو العالم العصري. ولكي يميز نفسه عن باقي السكان فهو يرتدي الدشداشة التقليدية ولا يرضى باستبدال الزي الغربي بها.

باريس ـ «البيان»