استعادت العقود الآجلة للنفط بعض خسارتها في بورصة نايمكس في نيويورك بعد هبوطها دولارين في اليوم السابق مع استمرار المخاوف بشأن قدرة المصافي على تكوين مخزونات قبل أن يصل الطلب ذروته في فصل الشتاء في نصف الكرة الأرضية الشمالي. وارتفعت أسعار مزيج برنت خام القياس الأوروبي والخام الأميركي الخفيف، وجرى تداول برنت في عقود سبتمبر بارتفاع 48 سنتا إلى 48. 57 دولاراً للبرميل في بورصة البترول الدولية.
وانتهى أجل تداول عقود أغسطس على انخفاض 95 سنتا الخميس أول من أمس في حين انخفض سعره في عقود سبتمبر بأكثر من دولارين. وارتفع سعر الخام الأميركي الخفيف 47 سنتا ليسجل 27. 58 منتعشا كذلك بعد انخفاضه بأكثر من دولارين في اليوم السابق. كما ارتفع سعر السولار «زيت الغاز» 57. 6 دولارات إلى 529 دولاراً للطن في بورصة البترول الدولية.
وقال متعامل إن السوق مازالت تميل نحو الانخفاض لكن يسودها القلق من تعطل محتمل في الإمدادات بسبب إعصار أو أي أنباء أخرى من شأنها دفع الأسعار للارتفاع. وأوضح «لاتزال هناك المخاوف بشأن قوة الطلب في موسم الشتاء. ويبدو أننا سنشهد هذا العام عددا من الأعاصير اكبر من المعتاد».
وقالت إدارة معلومات الطاقة التابعة لوزارة الطاقة الأميركية في تقرير لها الأربعاء ان المخزونات التجارية للنفط الخام انخفضت بمقدار 9. 3 ملايين برميل إلى 321 مليونا في الأسبوع الذي انتهى في الثامن من يوليو، ورغم هذا الانخفاض فما زال مخزون النفط الخام أعلى من الحد الأعلى لنطاقه المتوسط في مثل هذا الوقت من العام.
وأرجع محللون التذبذب في أسعار النفط إلى عدة عوامل ذات أبعاد مختلفة من بينها فوائض منظمة الدول المصدرة للبترول أوبك ووضع المخزون التجاري الأميركي والطقس والمضاربين والإرهاب وانخفاض طاقات التكرير والأوضاع في كل من العراق وإيران ونيجيريا وفنزويلا وروسيا. وأمنت صحيفة «لوموند» الفرنسية على تلك التحليلات وقالت إنها تبدو صحيحة حين يبلغ سعر برميل البترول 30 أو 40 أو 50 دولارا، لكنها أشارت إلى الحاجة إلى تفسير آخر حين يصل هذا الارتفاع إلى 60 دولارا للبرميل في الوقت الحاضر.
وأكدت أن هناك ثلاثة عوامل حاسمة تؤدي إلى استمرار ارتفاع أسعار البترول وهي الندرة الجيولوجية للبترول التقليدي الرخيص التكلفة فى استخراجه، ودخول عالم يسوده الإرهاب والحروب المستمرة للسيطرة على البترول والزيادة الكبيرة فى الطلب نتيجة للنمو الآسيوى والمحافظة على الاستهلاك الغربى ورأت أن توقعات تجار الجملة بصدد هذا العامل الأخير بالتحديد هى التي أدت إلى اشتعال أسعار البترول حاليا.
وأكدت أن العرض كان يلبى دائما الطلب العالمي على البترول في الفترة من عام 1859 إلى 2004 وذلك من خلال توافر هوامش المناورة وزيادة الإنتاج كما كانت الصدمات البترولية السابقة سياسية وليست اقتصادية. وأضافت أنه وفي الوقت الذي يناهز فيه الطلب العالمي 84 مليون برميل يوميا في المتوسط عام 2005 تعد هوامش مناورة العرض شبه معدومة ويتم ضخ البترول بأقصى طاقة ممكنة لإشباع الطلب خوفا من أن يؤدى حادث ما كإضراب أو تخريب أو نزاع محلي إلى تدني الإمدادات ونقص البترول نسبيا ومن ثم حدوث تأزم نسبى يدفع بالأسعار إلى أعلى.
ونقلت الصحيفة عن أحد المحللين قوله انه طالما لن يتمكن العرض من تلبية الطلب فسوف يتجه سعر البترول إلى الارتفاع إلى أن يتواءم استهلاك عدد كاف من المستهلكين مع إمكانيات ميزانيتهم موضحا أنه إذا كان العرض العالمي يبلغ 84 مليون برميل بترول يوميا فان الأسعار سوف تتحدد وفق المستوى الذي يضمن عدم تجاوز استهلاك ال84 مليون برميل يوميا. وقال وأنه مع زيادة الندرة الجيولوجية فسوف تتجه الأسعار إلى الارتفاع من أجل استبعاد المزيد من المستهلكين والحد من الاستهلاك.
وأضاف أن اعتماد عدد كبير من البلدان على البترول لفترة طويلة يدعو إلى الاعتقاد بأن الطلب سيظل مرتفعا لأسباب حيوية . وبرر ذلك بالسعي إلى تحقيق النمو وزيادة عدد السكان في العالم مما يؤدي إلى زيادة الطلب بواقع 5,1 فى المائة سنويا. وتبين الأرقام بالفعل أن الطلب على البترول لا يتسم نسبيا بالمرونة بالنسبة للأسعار بمعنى أن الطلب لن ينخفض بسبب ارتفاع أسعار البترول.
وأشارت الصحيفة إلى أن الطلب على البترول ارتفع عام 2004 بما يتجاوز 5. 3 في المئة «نحو 7. 2 مليون برميل يوميا» وهي أعلى زيادة سجلت منذ خمسة وعشرين عاما وذلك في الوقت الذي ارتفع فيه سعر برميل البترول من 26 دولاراً في المتوسط في 2002 إلى 31 دولاراً في 2003 و 41 دولاراً في 2004. وارتفعت أسعار البترول بنسبة 350 في المئة كما ارتفع الطلب على البترول بواقع 10 في المئة منذ بداية عام 1999 وحتى نهاية 2004 وذلك على عكس جميع التوقعات.
ويسمي المحللون هذه الظاهرة بظاهرة «المرونة العكسية» حيث يزداد الطلب حين ترتفع الأسعار ولكن هذه القاعدة سارية حتى حد معين من الأسعار وبالنسبة لسرعة معتدلة للزيادة ولفترة محددة لارتفاع الأسعار.ويرى المحللون أن هناك اعتقادا تقليديا خاطئا آخر مفاده أن ارتفاع أسعار البترول يؤدي إلى تباطؤ الاقتصاد ويقولون إن العكس يمكن أن يحدث، فالأسعار المرتفعة إلى حد ما تميل إلى دفع عجلة النمو العالمي الذي سجل في العام السابق زيادة لم يشهدها قبل خمسة عشر عاما مضت.
كما ازدادت معدلات التجارة العالمية بما في ذلك في بعض الدول الفقيرة كما حدث بالنسبة للنمور الأسيوية الصغيرة، ومن ثم فان الطلب العالمي على البترول ليس مرتبطا ارتباطا كبيرا بأسعار البترول الخام في نيويورك وذلك على الأقل بالنسبة لمستوى معين من الأسعار وحتى سرعة معينة لهذه الزيادة.ووفقاً للمحللين فإن «الصدمة البترولية» يمكن أن تكون سلاح ذو حدين ففي حين أنها تؤدى بعد فترة إلى حدوث تباطؤ أو كساد في منطقة ما من العالم يمكن أن تؤدي إلى تنشيط الاقتصاد في منطقة أخرى.
ويرون أن من المرجح في حال استمرار ارتفاع أسعار البترول ارتفاعا سريعا بدءا من 70 أو 80 دولاراً للبرميل أن تكون الآثار التضخمية لارتفاع أسعار البترول واضحة بما يكفي حتى يقرر محافظو البنوك المركزية في الدول الغنية وشديدة الاستهلاك للبترول، وبالتحديد أمريكا الشمالية واليابان والاتحاد الأوروبي رفع أسعار الفائدة في محاولة لاحتواء التضخم.