كان هدف إنشاء عملة أفريقية موحدة منذ فترة طويلة إحدى ركائز الوحدة الأفريقية ورمزاً للقوة التي يأمل مؤيدوها أن تنجم عن الجهود المبذولة من أجل تحقيق تكامل القارة.

ومع أن إمكانية إنشاء هذه العملة قد تبلورت في منافسات منظمة الوحدة الأفريقية، إلا أن المشروع قد اكتسب أولوية متجددة منذ عام 2001 حين وافقت الدول الأعضاء في المنظمة وعددها 53 دولة على تحويل المنظمة الحكومية الدولية إلى «الاتحاد الأفريقي» مع الحفاظ على رسالتها السابقة في تحقيق وحدة سياسية واقتصادية، في حين تشرع في تطبيق ولاية أوسع لمواجهة تحديات العولمة.

وفي أغسطس 2003 أعلن محافظو رابطة البنك المركزي الأفريقي أن الرابطة ستعمل من أجل إصدار عملة موحدة وإنشاء بنك مركزي مشترك بحلول عام 2021.

وتعتمد استراتيجية الاتحاد الأفريقي على إنشاء اتحادات نقدية في خمسة اتحادات اقتصادية إقليمية إذ ستكون هذه الاتحادات مرحلة وسطية تؤدي في النهاية إلى اندماجها وإنشاء بنك مركزي أفريقي واحد وعملة موحدة. ويرى تقرير حديث لصندوق النقد الدولي انه رغم ما ينطوي على مخطط إنشاء هذه العملة من نتائج اقتصادية وسياسية تمتد في أنحاء القارة كلها إلا انه بحاجة إلى أن يفحص بعناية، بيد أنه لم يتم حتى الآن سوى القليل جدا من البحوث بشأن استصواب هذا المخطط وجدواه.

وتشير النتائج التي توصل إليها تقييم صندوق النقد الدولي. والتي تضمنها تقرير ـ نشر مؤخرا ـ تساؤلات جدية بشأن جدوى إنشاء اتحاد نقدي أفريقي كامل، غيران التوسع الانتقائي للاتحادات النقدية القائمة يمكن استخدامه كوسيلة لحض البلدان على تحسين سياساتها اتساقاً مع مبادئ «الشراكة الجديدة من اجل التنمية» التي أقرها في 2001 أعضاء الاتحاد الأفريقي بهدف تحسين السياسات الاقتصادية، وحفز النمو وتعزيز حسن الإدارة والتنظيم في البلدان الأفريقية.

* لماذا الاهتمام بالاتحاد النقدي

ويرى صندوق النقد الدولي في تقريره الذي أعده بول ماسون وكاثرين باتيللو أن هناك سببين رئيسيين للحماس من اجل إنشاء الاتحاد النقدي الأفريقي وكلاهما يتجاوزان الأهداف الاقتصادية التقليدية لزيادة النمو وخفض التضخم.

الأول هو أنه من الواضح أن إصدار عملة اليورو بنجاح حفز الاهتمام بإقامة الاتحادات النقدية في مناطق أخرى، ولكن قد يطرأ أحيانا نسيان الطريق الطويل الذي قطعته أوروبا فعلا لتحقيق ذلك.

وفى أفريقيا تبدو المشكلات المالية أكثر حدة ومصداقية المؤسسات المالية أكثر هشاشة، لأنه إذا كانت عملية إقامة مؤسسات ملائمة أمراً صعبا للغاية بالنسبة لمجموعة من البلدان الغنية تتوافر لها بيروقراطيات عالية الكفاءة تعاونت على نحو وثيق لأكثر من خمسين عاما، فمن ثم فإن التحدي الذي تواجهه البلدان الأفريقية في الواقع لابد أن يكون ضخماً.

أما السبب الثاني فيتمثل في أن الرغبة في التصدي لأوجه الضعف الاقتصادي والسياسي قد حفزت الحماس لإنشاء اتحاد نقدي أفريقي ومن الممكن أن تساعد التجمعات الإقليمية أفريقيا في التفاوض للتوصل إلى ترتيبات تجارية مواتية سواء على النظام العالمي في سياق منظمة التجارة العالمية أو على نطاق ثنائي مع الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة.

ويوضح التقرير أنه وأن بدا أن هدف تحقيق التكامل الإقليمي قد رسخت أسسه، إلا أنه ليس من الواضح إذا كان إنشاء اتحاد نقدي سيسهم كثيراً في تحقيق ذلك، إذ إن عمله يجري إداراتها على نحو سيئ وتتعرض لتخفيض مستمر في قيمتها لا يرجح أن تثير الفخار في المنطقة.

وعلى عكس ما تتمتع به بلدان منطقة اليورو من روابط في النقل والاتصالات أفضل من البلدان الأفريقية، فإن أفريقيا قد لا تتوقع الحصول على نفس المكاسب من وفورات الحجم الكبير وخفض تكاليف الصفقات، حتى بنسبة تتفق من حجمها الاقتصادي، على النحو المتوقع من الاتحاد النقدي الأوروبي .

ونظراً لأن البلدان الأفريقية متخصصة بدرجة عالية، فإنها تعاني من الصدمات الكبيرة في تغير معدلات التبادل التجاري، التي لا تتضمن غالباً نفس السلع.

ومن ثم لا تتحرك سوياً، ولا تبشر سواء السمات الهيكلية للاقتصاد أو أدوات السياسة المتاحة بالكثير من الأمل بتيسير التكيف مع هذه الصدمات، فحراك العمالة في بعض المناطق الأفريقية أعلى منه في أوروبا، ولكنه لا يزال محدوداً وينطوي على حساسية سياسية ولا يوجد حالياً سوى نطاق محدود للتحويلات المالية بين البلدان الأفريقية.

ويرى التقرير أن التحديات المؤسسية في أفريقيا أكبر كثيراً عنها في أوروبا، فالبنوك المركزية أرغمت على تمويل أوجه العجز العام أو الأنشطة شبه المالية الأخرى.

وثمة سؤال حاسم بالنسبة لأفريقيا هو ما إذا كان إنشاء بنك مركزي إقليمي يمكن أن يكون أداة لحل مشكلات المصداقية التي تلقى ظلالاً قاتمة على البنوك المركزية القائمة.

فإذا كان ذلك كذلك، فإن إنشاء بنك مركزي أكثر استقلالاً ويفرض انضباطاً أكبر على السياسات المالية عن البنوك المركزية الوطنية، قد يمكنه من أن يصبح «هيئة ضبط وتقييد». غير أن التاريخ يؤكد بأن مثل هذه الهيئة المنوط بها عملية الضبط والتقييد تتطلب أوجه دعم مؤسسي أخرى ولا تنشأ مباشرة من إقامة اتحاد نقدي وحده.

والواقع أن تجربة الاتحادين قديمي العهد في أفريقيا وهما الاتحاد النقدي واتحاد سعر الصرف الرسمي ـ منطقة الفرنك الأفريقي (التي تشمل منطقتين: «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا» و«الجماعة الاقتصادية والنقدية لأفريقيا الوسطى».

ومنطقة النقد المشتركة القائمة على عملة جنوب أفريقيا (الرائد) ـ لا تبين أن وجود اتحاد نقدي في حد ذاته مرتبط بزيادة كبيرة في التجارة الإقليمية وتنسيق السياسة. ومدى التجارة بين المناطق أكبر مما يتنبأ به نموذج الثقل الأساسي في الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا ومنطقة النقد المشتركة، في حين أن ذلك لا ينطبق على حالة الجماعة الاقتصادية والنقدية لأفريقيا الوسطى.

وفي حالة منطقة الفرنك المالي الأفريقي اقتضى الأمر حدوث أزمة شديدة في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات للحث على بذل مجهود كبير لتنسيق السياسة، مما أسفر عن إنشاء مؤسسات عبر قومية. وأعطى عدم التناسق في الحجم في منطقة النقد المشتركة لجنوب أفريقيا القوة لتحديد السياسة النقدية للمنطقة.

ويعتبر إجراء تنسيق اقتصادي كلي أقل ضرورة، حيث أن بلدان منطقة النقد المشتركة الأصغر ـ ليسوتو، وناميبيا، وسوازيلاند ـ لا تحصل على تمويل نقدي من بنك الاحتياطي بجنوب أفريقيا.

وفيما يتعلق بأداء الاقتصاد الكلي، في حين حققت منطقة الفرنك المالي الأفريقي دون شك تضخماً أقل عن باقي النظم النقدية في أفريقيا، فإن دلائل النمو مختلطة ـ حسب الفترة قيد الاعتبار.

غير أن نجاح المنطقة وقدرتها على البقاء يرجع أيضاً جزئياً إلى الظروف الخاصة بالدعم الفرنسي، وبالذات ضمان الخزانة الفرنسية قابلية العملة للتحويل المتجسدة في حساب العمليات. وقد استفادت بلدان منطقة النقد المشتركة أيضاً بوجه عام من التضخم المنخفض، وهناك دلائل على تقارب دخل الفرد في الاتحاد.

* نموذج فريد

لتقييم مشروعات إقامة اتحاد نقدي أفريقي، استحدث التقييم نموذجاً يدمج فكرة الصدمات غير المتسقة مع غياب المؤسسات القادرة على نحو فعال على عزل البنك المركزي عن الضغوط الرامية إلى تمويل أوجه العجز والأخذ بسياسات نقدية مفرطة التوسع. وتقلل الاتحادات النقدية إلى حدئما من الانحياز نحو التوسع النقدي لأن تثبيت سعر الصرف بين أعضاء الاتحاد النقدي يضيق المجال أمام أي عضو، بمفرده إلى استخدام السياسات النقدية التي تؤدي إلى إفقار الجار.

غير أن تشكيلة الاتحاد النقدي أمر حاسم. فلن يرغب بلد في الانضمام إلى اتحاد نقدي مع بلد آخر يواجه صدمات خارجية مختلفة للغاية ـ بالنسبة إلى معدلات تبادله التجاري مثلاً ـ على الأقل إذا كان ذلك البلد كبيراً بما فيه الكفاية بما يحدث فرقاً. كما أن بلداً ما قد لا يرغب في الانضمام إلى خلق تضخم أكبر، مع ما يترتب على ذلك من عواقب على رفاه البلد الأول.

وفيما يتعلق بالانضباط المالي، فقد تم تقييمه باستخدام مقاييس التنمية المؤسسية وغياب الفساد. ويرى أن البلدان الأفريقية تنزع بسياساتها النقدية الخاصة إلى المعاناة من التضخم المرتفع كلما قلت درجة نجاحها في اتخاذ تدابير تتيح لها تحويل الإنفاق والضرائب إلى أهداف لا تعكس الاحتياجات الاجتماعية.

وبدلاً من ذلك، فإن هذه الأموال المحولة يمكن فحسب أن تخدم أهدافاً خاصة للحكومة التي تتولى السلطة، والتي قد تتغاضى عن الفساد كوسيلة لمكافأة مؤيديها، على سبيل المثال.

* الرابحون والخاسرون

ويطرح التقرير تساؤلاً عما إذا كانت استراتيجية الاتحاد الأفريقي للانطلاق من الجماعات الاقتصادية الإقليمية مفيدة، باستخدام البيانات التاريخية الأخيرة للجماعات التي لديها بالفعل مشروعات وجداول زمنية محددة.

ويرى التقرير أن الأعضاء المرتقبين ينبغي أن ينظروا إلى الاتحاد على أنه شيء مرغوب فيه، وإذا كان الاتحاد النقدي موجوداً بالفعل، فحينئذ ينبغي للأعضاء الحاليين أن يروا أن مصلحتهم قبول أعضاء جدد. وهذان العاملان قد يمثلان قيداً تاماً ما لم تكن المزايا العامة كبيرة جداً أو يكون هناك حماس سياسي كبير لإقامة اتحاد نقدي، رغم أن الاتحادات النقدية التي تنشأ خلال فترة الوفرة قد لا تستمر إذا لم تحقق مزايا اقتصادية حقيقية.

وكان من المقرر إنشاء المنطقة النقدية لغرب أفريقيا بحلول يوليو 2005، وكان من المتوقع أن يؤدي ذلك إلى الاندماج مع الجزء الواقع غرب منطقة اليورو يستهدف تقليل ذلك الخطر لأدنى حد. ويثور خلاف كبير حول فعالية هذا الميثاق، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن حكومات عديدة خرقت سقف العجز، ولكن لا يثور قلق عاجل من أن استقلال البنك المركزي الأوروبي يواجه خطراً.

غير أن التحديات المؤسسية في أفريقيا أكبر كثيراً. فالبنوك المركزية الوطنية القائمة ليست مستقلة بوجه عام، والبلدان التي لها عملات خاصة بها كثيراً ما عانت من فترات من التضخم المرتفع لأن البنوك المركزية أرغمت على تمويل أوجه العجز العام أو الأنشطة مما يختلف كثيراً عن اقتصادات جيرانها التي تصدر سلعاً أولية أخرى، ومن ثم تتعرض لصدمات مختلفة.

(وعموماً، فإن ارتباط الصدمات المتعلقة بمعدلات التبادل التجاري أقل بين بلدان الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا ومنطقة النقد لغرب أفريقيا، وبين بلدان منطقة النقد لغرب أفريقيا عنه بين بلدان الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا). والواقع أن لنيجيريا إمكانية التأثير في السياسات النقدية بطرق يعتبرها الشركاء المحتملون غير مرغوبة.

وتبين عملية المحاكاة التي قمنا بها أن وجود اتحاد نقدي كامل سواء بين بلدان منطقة النقد لغرب أفريقيا أو بلدان الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا لن يكون أمراً مرغوباً فيه بالنسبة لمعظم الأعضاء المرتقبين.

كما أن التوسع، بوجه خاص، بين بلدان مجموعة بلدان الفرنك المالي الأفريقي النقدي وبلدان الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، في اتحادها طويل الأمد ليشمل نيجيريا يعتبر على وجه القطع تدنياً لوضعها الراهن، ما لم يقترن هذا الاتحاد بطريقة ما بانضباط مالي فعال في نيجيريا.

وفي جنوبي أفريقيا، تعتزم البلدان التي تشكل جزءاً من جماعة التنمية لجنوبي أفريقيا تكوين اتحاد نقدي، رغم أن هذا المشروع أكثر غموضاً وأبعد منالاً، وعلى أية حال، فإن كثيرين من أعضاء جماعة التنمية لجنوبي أفريقيا، جد بعيدين عن استقرار الاقتصاد الكلي.

والنظم المالية في معظم بلدان جماعة التنمية لجنوبي أفريقيا وبوجه عام أقل نمواً من البلدان الواقعة في أقصى الجنوب ـ جنوب أفريقيا والبلدان المجاورة لها مباشرة ـ كما أن حصصها من إنتاج وتصدير السلع المصنوعة أكثر انخفاضاً، كما أن ارتباط صدمات معدلات التبادل التجاري أقل كثيراً.

ويعتبر إنشاء اتحاد نقدي كامل لكافة بلدان جماعة التنمية لجنوبي أفريقيا أمراً غير مستصوب. خاصة بالنسبة للبلدان المشاركة بالفعل في اتحاد نقدي يرتكز على راند جنوب أفريقيا (منطقة النقد المشترك). غير أن التوسع الانتقائي لمنطقة النقد المشترك قد يكون أمراً مستصوباً بصورة متبادلة بالنسبة للأعضاء الحاليين وبعض الأعضاء الجدد.

كذلك تقوم السوق المشتركة لشرقي أفريقيا وجنوبيها، وهي مجموعة من البلدان تمتد عبر منطقتين جغرافيتين، بتطوير مشروع للاتحاد النقدي. وأوجه التفاوت بين اقتصادات السوق المشتركة لشرقي أفريقيا وجنوبيها تماثل في أهميتها تقريباً تلك التي تؤثر في مجموعة التنمية لجنوبي أفريقيا، وهناك تداخل كبير في العضوية بين المنظمتين.

والواقع أن تداخل العضوية في مختلف التجمعات الإقليمية ومن ثم تداخل الالتزامات، أسفر عن ازدواج الجهود وأحياناً عدم اتساق الأهداف في مبادرات التكامل الإقليمي الأفريقي، فعلى سبيل المثال، فإنه في الجماعات الاقتصادية الإقليمية الرئيسية الخمس المشاركة في الاتحاد الأفريقي، تشارك 10 بلدان في أكثر من تجمع إقليمي، مع انضمام جمهور الكونغو الديمقراطية إلى ثلاثة تجمعات.

وتواجه السوق المشتركة لشرقي أفريقيا وجنوبيها عائقاً إضافياً يتمثل في أن جنوب أفريقيا، وهي القطب الأكبر للاستقرار النقدي في المنطقة، ليست من أعضائها، ولذا فإن التقييم الذي يقدم نموذجياً يبين أن الاتحاد النقدي الكامل للسوق المشتركة لشرقي أفريقيا وجنوبيها لن يكون أيضاً أمراً مرغوباً فيه.

وعودة إلى إمكانية إنشاء اتحاد نقدي محدود، نجد أن كينيا وأوغندا، وهما عضوان في السوق المشتركة لشرقي أفريقيا وجنوبيها، تخططان مع تنزانيا لإحياء منطقة العملة المشتركة لجماعة شرق أفريقيا التي حلت في 1977.

ويبدو أن فرص نجاح هذا الاتحاد النقدي أكبر، رغم أنه يوجد هنا أيضاً بعض من خطر عدم التناسق بين البلدان، مع تحقق المكاسب أساساً لكينيا. (خاصة لأن صدمات المنافع الصافية للاتحاد النقدي)، وعلاوة على ذلك فإن هذا المشروع يصور المشكلة الشائعة في أفريقيا، وهي تداخل الالتزامات التي قد لا تتسق بالضرورة.

* المضي نحو إصدار عملة موحدة

هل استراتيجية الاتحاد الأفريقي التي ترمي إلى إصدار عملة أفريقية مشتركة من الاتحادات النقدية الإقليمية قابلة للنجاح ومستصوبة؟

ويلفت التقرير في إجابته عن هذا التساؤل إلى النظر في إنشاء الجماعات الاقتصادية الإقليمية وإلغاء تداخل العضوية وذلك بتحديد مجموعة أو أخرى لكل من البلدان الـ 39 المبينة في التقييم.

ويبقى النموذج بوجه خاص على العضوية القطرية الحالية في اتحاد المغرب العربي دون مساس، وكذلك الجماعة الاقتصادية لدول أفريقيا الوسطى، والجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا وجماعة تنمية جنوبي أفريقيا.

ويفترض أن تحافظ جماعة التنمية لجنوبي أفريقيا على عضويتها الراهنة، باستثناء جمهورية الكونغو الديمقراطية (المفترض أن تكون عضوا في الجماعة الاقتصادية لدول أفريقيا الوسطى فقط) وتنزانيا التي نخصصها للسوق المشتركة لشرقي أفريقيا وجنوبيها لتظل مع شريكتيها في مجموعة شرق أفريقيا، كينيا، وأوغندا. والمفترض أن تكون البلدان الباقية أعضاء في السوق المشتركة لشرقي أفريقيا وجنوبيها.

والمفترض أيضا أن تؤثر البلدان في السياسة النقدية للبنك المركزي المشترك حسب حصتها في الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي. (وليس من المفترض أن يستفيد الاتحاد النقدي للجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا ولا غيره من الاتحادات من ربط مضمون باليورو).

وتشير أوجه محاكاة النموذج الخاصة بعملة موحدة لأفريقيا إلى أن جماعتين فقط من الجماعات الخمس (وهما الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا والسوق المشتركة لشرقي أفريقيا وجنوبيها) قد تحققان كسبا في المتوسط من وجود عملة موحدة. وتضم هاتان الجماعتان المناطق الأكثر احتياجا للتمويل بالنسبة لناتجها المحلي الإجمالي.

وعلى العكس، فإن المناطق التي تتبع سياسات مالية أكثر انضباطا (الاتحاد النقدي الأفريقي، وجماعة التنمية لجنوبي أفريقيا، والجماعة الاقتصادية لدول أفريقيا الوسطى) لن تحقق كسبا في المتوسط. وقد تواجه جماعة التنمية لجنوبي أفريقيا، وجنوب أفريقيا، بوجه خاص (بحصتها الكبيرة في الناتج الإجمالي للمنطقة) خسارة كبيرة في الرفاه.

ويتضح من جمع المكاسب الصافية (مرجحة بحصة كل منطقة من مجموع الناتج المحلي الإجمالي) أن الاتحاد النقدي بين أعضاء الاتحاد الأفريقي قد يودي إلى خسارة إجمالية صافية قليلة في الرفاه. وبالنسبة لجميع المناطق فإن التجارة مع باقي الاتحاد الأفريقي لا تشكل سوى جزء صغير من الناتج المحلي الإجمالي ـ اقل من 1 في المئة على نحو نموذجي ـ مما يبين أن المكاسب المتحققة من العملة المشتركة الناجمة من خفض إغراء تخفيض قيمة العملة لإفقار الجار قد تكون محدودة جدا.

وبالإضافة إلى ذلك، فإنه بدون انضباط مالي أفضل يجعل البنك المركزي المشترك أقل عرضة للضغوط الرامية إلى تمويل العجز، قد لا تحقق العملة الأفريقية الموحدة تضخماً أقل أو سعر صرف مستقراً. وهذا قد يجعل تلك العملة أقل نفعاً من بعض العملات الموجودة حالياً، خاصة راند جنوب أفريقيا، وفرنك الاتحاد المالي الأفريقي، وبولا بوتسوانا.

* الطريق قدماً إلى الأمام

ويؤكد التقرير أن ثمة عقبة كبيرة تواجه هدف إنشاء عملة أفريقية موحدة قبل أن تنشأ. وهي أن الحديث عن إنشاء اتحادات نقدية جديدة تشمل مناطق يتم تحديدها مسبقاً، هو أنه إما أن البلدان لن ترغب جميعها في المشاركة، وإما أن بلداناً في المنطقة لن يتوافر لديها سوى حافز ضعيف لتكييف سياساتها مع بعض معايير أفضل الممارسات لأنه من المسلّم به أنه ما من بلد سيرفض انضمامه.

فإذا كان الأمر الأخير هو الحال، فإنه من المحتمل كثيراً أن ينشأ اتحاد نقدي غير جذاب وغير مستقر. فهل يعني هذا أنه ليس هناك أمل في إيجاد سياسات وهياكل مؤسسية أفضل لأفريقيا؟ ويقترح التقرير بديلين يبشران بالأمل ويستحقان المتابعة.

ويعتمد البديل الأول على خطة توسع محدود للاتحادات النقدية القائمة يمكن أن يكون مجدياً، لأن هذا التوسع يمكن أن يوفر حافزاً قوياً للأعضاء الحاليين لتقصي سياسات الأعضاء المرتقبين.

ونظراً للافتقار واسع النطاق لكل من الانضباط المالي ولسياسات الاقتصاد الكلي المستقرة، فإنه من الحيوي استخدام هدف الاتحاد النقدي لتشجيع تحقيق انضباط مالي أكبر وإدارة وتنظيم أفضل. وعلاوة على ذلك، فإن النجاح يولّد النجاح. وحين ينمو الاتحاد النقدي بانضمام بلدان تتبع سياسات مستقرة للاقتصاد الكلي، فإن الانضمام إليه يصبح أكثر جاذبية بالنسبة لبلدان أخرى.

ويمكن للاتحادين النقديين القائمين حالياً في أفريقيا ـ وهما منطقة فرنك الاتحاد المالي الأفريقي ومنطقة النقد المشترك لجنوب أفريقيا ـ التوسع انتقائياً، حين تحقق البلدان المجاورة تقارباً أكبر مع البلدان التي تتقاسم بالفعل سياسة نقدية مشتركة وعملة واحدة.

وهذا يمكن أن يعتمد على مصداقية الاتحادات النقدية القائمة بإضافة بلدان أكدت التزامها وقدرتها على انتهاج سياسات اقتصادية سليمة من خلال الالتزام بمعايير تقارب مرضية ـ خاصة بشأن السياسات المالية ـ خلال فترة زمنية كافية.

وهذه الاستراتيجية لا تنطوي على تدمير اتحادات النقد وسعر الصرف القائمة، التي أسهمت بوجه عام في تحقيق الاستقرار الإقليمي. غير أن المدى الذي يمكن به توسيع منطقة فرنك الاتحاد المالي الأفريقي ومنطقة النقد المشتركة قد يكون محدوداً، لأنه ليس بوسع كل الأعضاء المحتملين تحقيق تقارب كافٍ.

ثانياً، تعترف مبادرة الشراكة الجديدة من أجل التنمية الأفريقية التي تبناها الاتحاد الأفريقي ـ وهي مبادرة موازية لمشروع الاتحاد النقدي ـ بأن ضغط النظراء داخل أفريقيا يمكن أن يساعد في تحقيق أهداف تلك المبادرة في تحسين النمو الاقتصادي، والإدارة والتنظيم، والسياسات.

ولئن كان من السابق لأوانه للغاية تقديراً ما إذا كانت الشراكة الجديدة من أجل التنمية الأفريقية ستكون فعالة، فإنها تنطوي على إمكانية معالجة أهم أسباب إخفاق صياغة السياسة الأفريقية. ويمكن للإدارة والتنظيم والسياسات المحلية الأفضل أن تسهل بدورها التكامل الاقتصادي الإقليمي، بما في ذلك إقامة الاتحاد النقدي. وسيكون عدم إحراز تقدم بشأن هذه القضايا بالتأكيد نذيراً بإخفاق اتحاد النقد الأفريقي.

إعداد مصطفى عبدالعظيم: