تشهد المنطقة العربية حاليا تطورا سياسيا سيكون له - وبلا شك - انعكاساته وتأثيراته على الكثير من المجالات ،سواء السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية. يتمثل هذا التطور في تنامي نشاط الحركات والجماعات ومنظمات المجتمع المدني المطالبة بالتغيير والإصلاح السياسي وإقامة المجتمعات الديمقراطية في الدول العربية، وهو ما يتزامن أيضا مع وجود ضغوط خارجية تصب في الاتجاه نفسه وتقودها الولايات المتحدة الأميركية مستهدفة بالأولوية عدداً من الدول العربية الكبرى.
مثل مصر والسعودية وسوريا بهدف دفعها الى إحداث تغييرات كبيرة في بنيانها السياسي. هذا المخاض السياسي الراهن ربما ينتج عنه ـ وفقا لبعض الاحتمالات بعض التصدعات أو عدم الاستقرار في عدد من الأنظمة العربية.في حين تشير احتمالات أخرى متفائلة الى أن مثل هذا المخاض ربما يؤدي الى تحقيق إصلاح سياسي وديمقراطي منضبط. وقد عقد مكتب «البيان» بالقاهرة ندوة للبحث في الانعكاسات الاقتصادية المتوقعة للتطور السياسي الراهن في المنطقة العربية.
أكد المشاركون فيها أنه بدون وجود إصلاح سياسي حقيقي لن يكون هناك إصلاح اقتصادي ناجح يحقق معدلات نمو مرتفعة في مصر أو في أي من الدول العربية، سواء جاء هذا الإصلاح السياسي نتيجة ضغوط خارجية أو بمبادرات من الداخل. وقال المشاركون إن النظام الديمقراطي وحده هو القادر على تحقيق التنمية المستدامة في الدول العربية، ففي ظله سوف يسعى الحاكم للقيام بالإصلاحات الاقتصادية التي تصب في مصلحة المجموع الأكبر من أفراد الشعب وإلا وجد نفسه خارج السلطة في أقرب انتخابات رئاسية قادمة.
وأضافوا أن الديمقراطية لابد وأن تكون نقطة البداية في أي سيناريو ناجح لتحقيق الإصلاح الاقتصادي المطلوب في الوقت نفسه، وفيما يتعلق بالعلاقة بين الاقتصاد والسياسة بشكل عام اتفق على القول بأنها تبادلية ، ولكن السياسة هي الرحم الحقيقي للاقتصاد ، وأنها هي العامل المحدد الأهم ، خاصة في البيئة العربية الندوة شارك فيها كل من د. جمال الناظر رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين ووزير السياحة والطيران المصري الأسبق، ود. سمير رضوان مدير منتدى البحوث الاقتصادية ومستشار مدير عام منظمة العمل الدولية الأسبق، ود. أحمد الغندور أستاذ الاقتصاد الدولي بجامعة القاهرة والعميد الأ��بق لكلية الاقتصاد.
ود. أحمد جلال المدير التنفيذي للمركز المصري للدراسات الاقتصادية والخبير الاقتصادي الأسبق بالبنك الدولي، وأدارها د. محمد السيد سعيد مدير مكتب البيان بالقاهرة والذي استهل النقاش بالتأكيد على أن العلاقة بين السياسة والاقتصاد علاقة تبادلية على المستويين الداخلي والخارجي، وأنه ليس صحيحا أن الاقتصاد هو الذي يتأثر فقط بالسياسة ولكنه كثيرا ما يؤثر فيها بإنتاج هياكل ومواقف سياسية بعينها..
وبالنسبة للوضع في مصر قال د. سعيد: لقد كان مطروحا تأجيل مسألة الإصلاح السياسي حتى يتم علاج الوضع الاقتصادي، ولكن لم يتحقق الانطلاق الاقتصادي بعد ثلاثة عقود من التركيز على هذا الملف على حساب الإصلاح السياسي حيث ظلت الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد المصري كما هي، أما الآن فإن هناك شعورا عاما بأنه لابد من إصلاح الأوضاع السياسية في المنطقة العربية حتى يمكن ضمان تحقيق انتقال اقتصادي بالمستوى المطلوب.. وأضاف أن أدبيات البنك الدولي ساهمت في ذلك بتأكيدها أن الحكم الجيد يمكن أن يضيف معدل نمو نسبته 5,0% على الأقل سنويا.
* نقطة البداية
ـ «البيان»: في البداية كيف يمكن النظر الى العلاقة بين الاقتصاد والسياسة بشكل عام وأيهما أكثر تأثيرا في الآخر؟
ـ د. أحمد الغندور: عندما نبحث في العلاقة بين السياسة والاقتصاد، فإننا سنكتشف في واقع الأمر أن الاثنين صنوان، لأن إدارة المجتمع الاقتصادية تنتهى في نهاية الأمر بقرار سياسي ولكن مضمونه اقتصادي، وبالتالي الفصل بينهما فصل تحكمي، وكذلك الأمر بالنسبة للسياسة الدولية والسياسة العسكرية، فالسياسة الدولية هي قرار سياسي ذو مضمون سياسي دولي، والسياسة الحربية هي قرار سياسي ذو مضمون عسكري.
وبالتالي فالسياسة الاقتصادية هي قرار سياسي ذو مضمون اقتصادي والسياسة هي نقطة البداية فإذا صلحت، صلحت معها المضامين المختلفة للقرارات السياسية وصلح التطور في المجالات المختلفة ومنها المجال الاقتصادي، ومن هنا فالذي يجب أن نبحث عنه هنا هو طبيعة النظام السياسي، فمثلا القرار السياسي في ظل نظام شمولي، يختلف عن القرار في ظل نظام ديمقراطي، فالنظام الشمولي البنيان تترأسه القيادة السياسية، أما قاعدته السياسية فهي بيروقراطية صرف تعمل لصالح طبقة بيروقراطية، والبيروقراطية هنا ليست موظفي الحكومة ولكن جميع مؤسسات النظام.
ولو نظرنا إلى النموذج المصري سنجد أن مشكلته سياسية أولا وأخيرا ومنذ عام 1952، فقبل ذلك كان النظام ليبراليا تستطيع أن تقول فيه ما شئت ولكن تظل ـ في جوهره ـ الحرية والعدالة والمؤسسات التي تعمل من أجل ذلك، كما توجد فيه القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتصارعة. وبالتالي أيا كان ما انتهى إليه النظام قبل 1952، فإن نهايته أفضل بكثير من هزيمة 67، لأن الليبرالية نجحت في إقامة نظام عقلاني يقوم علي الحوار والصراع بين القوى السياسية.
هذه اللعبة الليبرالية اختفت مع نظام الحكم الشمولي الذي بدأ في 1952 فهذا النظام أدرك ومنذ البداية أنه لا يستطيع الاعتماد على الطبقات السابقة وبالتالي أنشأ طبقة جديدة هي الطبقة البيروقراطية، وهذه الطبقة لها مصالح خاصة، تتعارض مع طبيعة المصالح العامة لأن القرار يصدر في خفاء دون حوار بين الطبقات، وهي طبقة متحكمة وتدعم القيادة السياسية، وبالتالي لا يوجد حوار حقيقي أو شفافية، كتلك الموجودة في الليبرالية.
ويكفي أن نعرف ونحن نتحدث عن علاقة السياسة بالاقتصاد أن مصر كانت تملك قبل عام 1952 ميزانية محددة البنود والنفقات تخضع بكل عناصرها لسلطة البرلمان الشاملة ولا تستطيع السلطة التنفيذية أن تحصل على اعتماد جديد إلا بموافقة البرلمان.. أما الموازنة الحالية فليس لها ضابط في الإنفاق فهي تبنى على الاعتماد الإجمالي وهناك ميزانيات لا يراقبها البرلمان مثل ميزانيات قناة السويس وقطاع البترول، فهل يعقل أن إيرادات البترول لا تدخل ميزانية الدولة.
ـ د.سمير رضوان: نحن هنا نتحدث عن الانعكاسات الاقتصادية لتطور سياسي معين يحدث في المنطقة وهذه في رأيي ليست مسألة غامضة ولكنها واضحة تماما ففي تطور المجتمعات المختلفة غالبا يوجد لديك تكوينات اجتماعية تفرز نظاما سياسيا معنيا، هذا النظام يدافع عن مصالح اقتصادية ويكون له نظام اقتصادي متسق معه، وبالتالي لو رجعنا للفترة الليبرالية في تاريخ مصر سنجد أن ذلك كان موجودا إلى حد ما.
أما الناصرية فسنجد أنها وحتى عام 1966 كانت متسقة مع نفسها حيث قامت على أطلال نظام ليبرالي وصل إلى طريق مسدود وبالتالي انهار بسهولة جدا لأن التناقض بين الأوضاع الاقتصادية التي أفرزها هذا النظام وبين مصالح الشعب أصبح واضحا للغاية وأصبح النظام غير مقبول شعبيا. في هذه الفترة أيضا كانت هناك محاولة لإقامة نظام معين وكان لابد أن يكون ذلك على حساب أعمدة النظام الليبرالي القائم وقتها، ومن هنا تم إفراز نظام بدأ يخاطب طبقات لم تكن قد دخلت من قبل في العملية السياسية.
كما بدأ يعتمد على أمور مثل التصنيع والتعليم لإدخال تلك الطبقات في العملية السياسية ومن ثم الاقتصادية، فمثلا الإصلاح الزراعي كان هدفه ضرب الطبقة الحاكمة وتوفير فرص عمل ولكن من الناحية الإصلاحية والعدالة الاجتماعية فهو لا شيء، حيث لم يتعرض إلا لنحو 9% من الأراضي الزراعية فقط.. نفس النظام الناصري دخل في مأزق ووصل إلى مرحلة التناقض في عام 1966 حينما اعتمد على الدولة وبيروقراطية التصنيع إلى آخره.
كما لم يكن هناك تطور يسمح بالتعامل مع المد التكنولوجي الذي بدأ في العالم، والذي أوجد دولا مثل تايوان وكوريا وغيرهما ودخل النظام في حالة عداء دولي، فضلا عن الصراع العربي الإسرائيلي، لكل هذه الأسباب انتهى النظام الناصري من وجهة نظرى في عام 1966، أما المرحلة الثالثة للتطور السياسي والاقتصادي المصري فقد كانت على عهد الرئيس الراحل أنور السادات وخصوصا الفترة التي تبدأ من عام 1974 مرورا بالانفتاح.
والخطأ في تلك المرحلة أنك حققت معدلات نمو غير مسبوقة وصلت أحيانا إلى 13% ولكن لم يكن لذلك مردوده في عملية تكوين رأسمال القاعدة الإنتاجية لمصر، وكما فعلت دول مثل كوريا الجنوبية وتايوان، فقد كان للانفتاح ضحاياه الذين لم ينظر إليهم السادات فكانت أحداث 18و 19 يناير وفي رأيي أن النظام انتهى منذ ذلك الوقت.
أما الفترة الرابعة والحالية فنلاحظ أن النظام وعى - ومنذ البداية- الدرس الخاص بضرورة حدوث تصالح وطني حتى لا تتكرر مثل تلك الأحداث ولكنه أهمل شيئين في غاية الأهمية أولهما هي طريقة إحداث النمو داخل المجتمع المصري بما يتناسب مع ما هو موجود في العالم، وثانيهما أنه لم يستفد من نهاية الحرب الباردة. الأمر الآخر بالنسبة للحالة المصرية أنه لم يكتمل أي نظام منذ عهد محمد علي.
أما إذا نظرنا للوضع على المستوى العربي فسنجد شيئين مهمين، أولهما: دور البترول في تشكيل البيئة السياسية ونمط التنمية الاقتصادية سواء في الدول التي تنتجه، أو حتى التي لا تنتجه من خلال حركة الهجرة بحثا عن فرص العمل.وثانيهما: أن المحور الأساسي ومفتاح الأنماط السياسية التي تحدثنا عنها هو دور الدولة، وليس دور المجتمع السياسي ومن هنا فلو أردنا وضع تصور للمستقبل بالنسبة للمنطقة العربية فلابد أن نبدأ من البترول ونحن وسط فقاعة ثانية ستكون أكبر من فقاعة السبعينات «أسعار النفط تجاوزت الآن 60 دولارا للبرميل».
وكل العالم ينظر إليها على أساس كيف يحقق أقصى استفادة منها، أما بالنسبة لدور الدولة، فالواضح أن الدولة العربية في مأزق سواء في الدول الغنية مثل دول مجلس التعاون الخليجي أو كثيفة السكان مثل مصر، أوالفقيرة والمهمشة مثل موريتانيا.ـ د. جمال الناظر: أولا أنا أتفق مع ما قيل من صعوبة الفصل بين السياسة والاقتصاد، فعلى مستوى العالم هناك حالة فريدة واحدة تم فيها الفصل بين السياسة والاقتصاد وهي الصين ولكن مع ذلك أعتقد أنها لن تستمر في ذلك طويلا، ولابد في النهاية أن تغير من وضعها السياسي.
وبالنسبة لمصر فما يحدث فيها يكون له غالبا مردوده على المنطقة العربية، فمثلا لم يكن في منطقتنا نظام عسكرى حتى قيام ثورة 1952 ولكن بعد قيام الثورة أصبح هناك نظام عسكري في سوريا والعراق وهذا يدفعني للتأكيد على نقطة هامة جدا، فنتيجة لأحداث 11 سبتمبر تولدت حقائق منها أن العقل المدبر لهذه العمليات هو العقل المصري تدعمه القوة المالية من السعودية بالذات، وأن هذه التربة التي تفرخ هذا النوع من البشر لابد أن يحدث بها تغيير، بعيدا عن الإجراءات الأمنية التي تتبع في مثل تلك الظروف.
وأعتقد أن غزو العراق جاء في هذا الإطار، فقد فكرت الولايات المتحدة في إقامة النموذج الذي تريده في ذلك البلد العربي، بحيث يتأثر به الآخرون ولكن حدثت مشاكل ولم يتم التوصل إلى هذا النموذج.. ومن هنا أعتقد أن التفكير الغربي قد تغير وأصبحت هناك قناعة بأن النموذج الذي يريدونه يجب أن يكون في مصر وليس في العراق، ولذلك فالضغوط الحالية على مصر دافعها العمل على إحداث هذا التغيير.
وطالما أن التفكير السابق، الذي كان ينادي بضرورة إحداث الإصلاح الاقتصادي أولاً ثم النظر في الإصلاح السياسي، لم يسفر عن إصلاح اقتصادي أو سياسي، أصبحت هناك قناعة بأن يتم البدء من الإصلاح السياسي، وإذا تحسنت الأوضاع السياسية، فالأمور الاقتصادية ستتحسن هي الأخرى وأعتقد أن هذا هو الاتجاه السائد حاليا.
ـ «البيان»: نفهم من ذلك أنك توافق على هذا الطرح بضرورة الإصلاح السياسي أولاً؟
* د. جمال الناظر: أنا مؤمن تماما بأن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن يستمر ويحقق معدلات النمو التي أريدها، إلا إذا كان هناك إصلاح سياسي، فبدون هذا الإصلاح سوف تجد نفسك عند نقطة معينة لا تستطيع أن تستمر.
* نموذج سياسي ناجح
ـ «البيان»: هل يعني ذلك أنك متفائل بالنسبة لإمكانية حدوث الإصلاح السياسي؟
ـ د. جمال الناظر: أنا واثق من حدوث الإصلاح السياسي في مصر، فهي دولة مؤهلة للقيام بنموذج سياسي ناجح، أما الذي يستوقفني هنا هو أن هناك بديهيات، لا أحد يتحدث عنها حتى الآن، فمثلا ونحن شباب كنا نمارس السياسة في المدارس والجامعات فجاءت حكومة الثورة وألغت هذا النشاط، وأنا لو أعدت السياسة إلى المدارس والجامعات فسيكون ذلك هو البداية الحقيقية للإصلاح السياسي في مصر.
أيضا هناك ضغوط خارجية رهيبة لكي نسير في هذا الاتجاه وأنا أعتقد أننا لسنا في حاجة لمثل تلك الضغوط ونستطيع القيام بذلك بأنفسنا، وإن كان هذا لا ينفي أن هناك من لا يريدون لنا هذا الإصلاح وأتمنى أن نكون حذرين ومدركين لطبيعة ما يسعى إليه هؤلاء، وكلما توافرت لنا امكانات مادية أكبر، كما هو الحال الآن مع الارتفاع الحالي لأسعار البترول، علينا أن نكون أكثر حرصا وحذرا حتى لا نتورط في أشياء قد تعطل هذا الإصلاح.
ـ د. أحمد جلال: لدي ثلاث نقاط أساسية سوف اتحدث عنها، النقطة الأولى وهي علاقة السياسة بالاقتصاد بشكل عام، وقد اتفق الجميع على أنها علاقة تبادلية، فمن المؤكد أن الاقتصاد يؤثر على السياسة وينمي طبقات معينة دون غيرها، ومن ناحية أخرى فإن السياسة تقود الاقتصاد، لأن أي قرار اقتصادي مغزاه سياسي، فأنت تأخذ قرارا اقتصاديا لأنك غالبا تريد خدمة مصالح بعض الطبقات أو الأفراد على حساب الآخرين، أي أن العلاقة بالفعل تبادلية ولكن إذا أردنا بالضرورة تحديد من منهما يخضع للآخر فهنا نستطيع القول إن السياسة تطغى على الاقتصاد.
أما الأهم من وجهة نظري هو أنك لا تستطيع القيام بتنمية اقتصادية مستدامة بدون ديمقراطية، فقد تنجح في عمل إصلاح اقتصادي في فترة ما ولكن ليس هناك ضمان أن يستمر هذا الإصلاح أو أن يكون له عائد بدون ديمقراطية، فهذه الديمقراطية هي وسيلتك للتأكد من أنه إذا لم يستمر الحاكم في عمل الإصلاحات المطلوبة لصالح المجموع الأكبر من أفراد الشعب فسوف يتم تغييره، وبالتالي فليس هناك ضمان لتنمية مستدامة بدون ديمقراطية.
ـ البيان: ولكن هناك حالات كوريا الجنوبية وجنوب شرق آسيا والتي تختلف عن هذا الطرح؟.
ـ أحمد جلال: هذه حالات ليست بالضرورة هي الحالات الصحيحة التي يجب القياس عليها، وخاصة أن هناك حالات أخرى على العكس من ذلك تماما، أي أن التعلل بتلك الحالات الناجحة في كوريا وغيرها ليس هو الحل لمشكلتنا فنحن يجب ألا ننظر لمثال من هنا وآخر من هناك بل يجب أن نحكم على الظواهر بالنظر لمتوسطات نتائجها، وأنا مؤمن تماما بأن الوسيلة الوحيدة لكي يكون لدينا تنمية مستدامة في المنطقة العربية هي أن يكون لدينا ديمقراطية، فالنظام الديموقراطي هو الوحيد الذي يسمح بالاستدامة في التنمية لأن الذي يحدد السياسة الاقتصادية ويحصل الضرائب يعرف في ظل هذا النظام أنه إذا لم يحقق مصلحة أكبر عدد ممكن من أفراد الشعب فسوف يقولون له في أقرب فرصة مع السلامة، فهنا الذي يحكم هو المصلحة.
أما النقطة الثانية فهي عندما نحاول تفسير التاريخ، وتاريخ مصر بالتحديد، من الغريب ألا يلفت نظرنا شيء مهم وهو موجود في كل الأحوال، فإذا تأملنا تاريخ دول أميركا اللاتينية خلال النصف قرن الماضي أو معظم دول آسيا فلن نجد فروقا واضحة، فجميع هذه الدول بعد الحرب العالمية الثانية.. فيها الدولة والزعيم وبشكل أو آخر لم يعد لدى الشعوب استعداد للانتظار حتى تحدث التنمية ودائما كانت هناك ثقة في تلك الزعامات على أساس أنها قادرة على أن توفر للشعوب كل متطلباتها.
ولكن فجأة وجدت الشعوب أنها أفرطت في التفاؤل وأصبحت تكلفة النظام باهظة إلى الدرجة التي لا يمكن معها أن يستمر وكل دولة راحت تبحث عن طريق للخروج من هذا المأزق، وبدأت الكثير من الدول تسمح بدخول المزيد من رأس المال الأجنبي والديمقراطية ، أي صار هناك إعادة توازن بين دور السوق ودور الدولة، وأنا اتصور أن هذه مسألة حتمية ومصر لابد أن يحدث بها شيء من هذا القبيل كما حدث في دول أميركا اللاتينية التي تشبهنا كثيرا، فمصر ليس أمامها حل آخر غير أن تكون أكثر ديمقراطية وأن يكون هناك إعادة لتوزيع الأدوار بين السوق والدولة.
ـ «البيان» : ولكن كيف أضمن أن لا يحدث اتحاد بين الدولة والسوق يؤدي إلى فقدان التوازن الاجتماعي ؟
ـ د. أحمد الغندور : هذا ما حدث بالفعل . ولكن الملاحظ هو أن الدولة هي التي صنعت السوق ، أو بالأحرى صنعت قطاع خاص ورجال أعمال مواليين لها .. وهؤلاء يتصرفون على أنهم رجال أعمال السلطة « .. ومن ثم فشلوا في التصرف كمنظمين صناعيين يدفعون النمو الاقتصادي المتواصل كما حدث في الغرب . وأعتقد أن المشكلة أصبحت على المستويين معاً : دولة غير ديمقراطية ورجال أعمال لا يتصرفون فعلا وفقا لقوى السوق وإنما على أساس سوق القوه أو السلطة.
ـ «البيان»: ما هو البرنامج الاقتصادي الذي يمكن أن يساهم في نجاح الديمقراطية في الدول العربية؟
ـ د. أحمد جلال لا استطيع الجزم هنا بأنك تستطيع عمل الإصلاح الاقتصادي الذي يؤدي بالضرورة إلى الإصلاح السياسي الذي تريده، والعكس ليس صحيحاً، فالعلاقة ليست واحدا لواحد، بل هناك بدائل كثيرة هنا، وأخرى هناك.. والسؤال الأهم هنا هو : من أين سيأتي الإصلاح؟ واتصور أنه سيأتي من عدة أمور أولها: فكرة الداخل في مقابل الخارج، ثانيها: أن الاحساس بالأزمة أفضل وسيلة للإصلاح، فمعظم الدول التي سارت في طريق الإصلاح واجهتها أزمات شديدة جدا وأدركت أن تكلفة التعامل معها دون السير في طريق الديمقراطية ستكون عالية جداً وأنه يمكنك الأخذ بأحد طريقين: إما أن تنتظر حدوث أزمة، أو حتى تفتعلها.
أما الطريق الثاني فهو أن يحدث ضغط عليك من الخارج، وأنا أعتقد أن مصر تتعرض حاليا لضغط خارجي بشكل أو بآخر، كما تتزايد الأصوات المطالبة بالتغيير من الداخل وهنا لا تستطيع التحدث عن عمل برنامج إصلاح اقتصادي لكي يساعدك على إحداث هذا التغيير.
ـ د. جمال بيومي: بالنسبة للعلاقة بين السياسة والاقتصاد أنا أميل كثيرا للجانب التطبيقي فقد خدمت فترة طويلة في وزارة الخارجية المصرية وكانوا دائما يقولون إن الاقتصاد في خدمة السياسة، ولذلك كانت هناك إجراءات تتخذ دون النظر لأبعادها الاقتصادية، فمثلا يتم غلق مكتب شركة النصر للاستيراد والتصدير في لاغوس لأن أحدهم كتب مقالا ضدنا وهكذا، ولم يتغير هذا الوضع على الأقل بالنسبة لي حتى عام 1982، عندما أخذت اليونان الوقف المصري هناك على عهد وزير الخارجية المصري كمال حسن على.
فقد فوجئت بترك هذا الوقف لليونان على أساس أن موقفهم من مصر وقت أزمة المرشدين الأجانب في قناة السويس عام 1956كان إيجابياً، ولأن ثمن هذا الوقف يتعدى مئة مليون دولار، وقد كنت وقتها مستشارا اقتصاديا بالسفارة المصرية باليونان فقد صممت على عدم التفريط في هذا المبلغ لأن ذلك يحقق لمصر منفعة اقتصادية وقد كان. أما النقطة الأخرى فهي هل يعقل أن يكون لديَّ سياسة اقتصادية دون أن تكون مبنية على رؤية سياسية؟
ما ينقصنا في مصر على مر العقود الماضية هو غياب الرؤية سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، كما أنني أرى أن هناك انقلاباً صامتاً حدث في مصر استولى فيه رجال الأعمال على الحكم بمعرفة بعض السياسيين ذوي الخبرة القليلة وما يجنيه هؤلاء السياسيون من مكاسب لا يساوي واحد على مليار من الخسائر التي ستخسرها مصر إذا استمرت هذه العملية، هذا الانقلاب حدث يوم 14 ديسمبر 2004 عندما تم توقيع اتفاقية الكويز بين مصر وأميركا وإسرائيل.
والغريب أن الوزير المسؤول عن هذه الاتفاقية يقول إنه لولا هذا التوقيع لضربت صناعتنا في مقتل خلال العام الحالي، فأين الرؤية في هذا الكلام الغريب، ثم لماذا الإصرار على التصدير لأميركا عبر بوابة إسرائيل رغم أن أوروبا تفتح لنا أسواقها ودون أية رسوم جمركية؟
* علاقة تبادلية
ـ د. أحمد الغندور: هناك أمور لابد أن نتفق عليها منها حكاية العلاقة التبادلية بين السياسة والاقتصاد فهذا التعبير لا يساعد كثيرا عند القيام بالتحليل، لأن العلاقات التبادلية لا تنفي أن هناك عاملاً ما أكثر تأثيراً من العوامل الأخرى، فنقطة البداية لابد أن تكون هي النظام السياسي، لأنه هو الذي يضع النظام الاقتصادي، فإذا كان نظاما شموليا فهو يتحكم كما يريد، أي أن النظام الاقتصادي صنيعة النظام السياسي وإلا كيف نفسر قيام نظام القطاع العام والنظام البيروقراطي الذي يدير مرافق الدولة بما فيها الاقتصاد.
ـ د. أحمد جلال: فعلا الاقتصاد يخضع للسياسة ولكن مع ذلك قد يتخذ النظام السياسي أحيانا مجموعة قرارات للإصلاح الاقتصادي تكون نتيجتها ظهور جماعات لا تتفق مصالحها بالضرورة مع استمرارية النظام السياسي.
ـ «البيان»: على المستوى العربي ما هي السيناريوهات المحتملة للوضع السياسي وتأثيره على النواحي الاقتصادية؟
ـ د. أحمد الغندور: بالنسبة لسيناريو المستقبل نقطة البداية فيه هي الديمقراطية كأحد عناصر النظام وإلى جوارها تأتي سيادة حكم القانون، وحقوق الإنسان، وترجمة ذلك الاقتصادية هي أنك تستطيع أن تقيم نظاما اقتصاديا ليبراليا، وأن تفتح الطريق لرأس المال الوطني والأجنبي للدخول والعمل بحرية وشفافية وبما يتيح إمكانية التوقع الصحيح بعكس الوضع الحالي، فأنت في ظل نظام اقتصادي لا تستطيع معه توقع أو تحديد ماذا يمكن أن تفعل، فمثلا تكلفة المشروع بالنسبة للمستثمر السلطوى أي القريب من السلطة تختلف عنها بالنسبة لغيره.
ـ د. جمال الناظر: نحن مطالبون بالتركيز على النظام أو «السيستم» أكثر من التركيز على الأفراد، فنحن نشغل أنفسنا كثيرا بهذا أو ذاك رغم أن الأفضل هو التركيز على وضع آلية تسمح للكل بالمشاركة في الحكم.
ـ «البيان»: كيف استطيع إقامة «سيستم» أو نظام ديمقراطي يحل لي معضلة نظام المصالح الموجود حاليا؟
ـ د. جمال الناظر: النظام أو «السيستم»، لابد أن تكون به درجة عالية من الشفافية وصراحة أكبر وإصرار على مواصلة تنفيذه فهو لن ينجح من أول يوم يوضع فيه وإنما لابد من الاستمرار في دعمه، خاصة أنك ستجد أصحاب الفكر القديم يحاولون التسلل إلى هذا «السيستم» الجديد، المفروض أنه لا يوجد رجال أعمال السلطة، ولكن ما أدى لوجودهم هو وجود قصور في «السيستم»، فلو تم وضع هذا النظام بطريقة لا تسمح لرجل السلطة أن يعطى ميزات لرجل اعمال معين لما وجدت هذه الطبقة التي يقال عن أعضائها إنهم رجال اعمال السلطة، أي أنه لابد من التركيز على وضع النظام الأمثل الذي لا يسمح بحدوث ثغرات.
ـ د. أحمد الغندور: نظام المصالح لا يمكن الحد من تأثيراته السلبية إلا من خلال النظام الديمقراطي لأن هناك صراعاً ومواجهة بين القوى السياسية، أما في النظام الشمولي فيبقي نظام المصالح معلقا إلى الأبد.
* سيناريو المستقبل وخيار الاصلاح
ـ «البيان»: ماذا عن السيناريوهات المتوقعة للمستقبل؟
ـ د. سمير رضوان: عند رسم سيناريوهات المستقبل أنت تنظر لنظام متكامل، فيه الجانب السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وأنت إذا اخترت نظاما غير ديمقراطي غالبا سيفرز نظاما اجتماعيا واقتصاديا معينا، وأنا اتصور أنه لو صح ما تحدثنا عنه الآن، فالمسألة هنا ليست خاصة بالإصلاح وإنما بضرورة إحداث تغيير بالمعنى العلمي لهذا الكلمة، وهنا يمكن طرح عدة أمور منها: ما هي مصادر هذا التغيير؟ هل تتمثل الأزمة الطاحنة، كما قال البعض، في وجود مأزق للنظام يدفعه إلى هذا التغير؟
هل هي ضغوط من الخارج؟ ما نراه الآن هو أن مصادر التغيير تتمثل في وجود ضغط من الخارج وأن النظام المصري حاليا وصل إلى مرحلة مفترق طرق، إما أن يختار الإصلاح من الداخل أو سيكون هناك بديل آخر بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي يتوقف سيناريو المستقبل على ما تفعله الدول مع فوائض البترول، وهناك حديث يردده البعض حاليا يؤكد أن الزيادة الحالية والكبيرة في أسعار البترول ستؤدي إلى تأجيل عملية الإصلاح في تلك الدول.
في حين يرى آخرون أن هناك إعادة استثمار لتلك الفوائض في بعض الدول الخليجية بغرض إحداث النمو، وإذا عدنا لمصر سنجد أنه لابد من التغيير ولدينا سيناريوهات يمكن طرحها بهذا الخصوص أولها: سيناريو الفوضى الخلاقة، هذه الفوضى ستفرز غالبا حكما إسلاميا لأن مجموعة الإخوان المسلمين في مصر هي أكثر الجماعات السياسية تنظيما وأنا لا أعتقد أن ذلك سيكون في صالح الديمقراطية مهما تم التظاهر بذلك، ومهما قيل عن نجاح النموذج التركي، فنحن مختلفون تماما عن هذا النموذج.
أما السيناريو الثاني فهو أن يتم الإصلاح من داخل النظام وهناك محاولات تتم بالفعل من اجل ذلك، وهذا النوع من الإصلاح يتطلب أن يكون هناك انقلاب من داخل النظام على مصادر تعطيل الديمقراطية، وعلى المصادر التي تمنع وصول نتائج النمو إلى أكبر عدد ممكن من أفراد الشعب، وهنا لابد من طرح السؤال: هل النظام قادر وراغب في القيام بعملية الانقلاب على نفسه بهذا الشكل؟.. أنا أعتقد أن هذا أفضل سيناريو بالنسبة لمصر لو استطاعت القيام به..
وهنا أرى أنه من الضروري الإشارة إلى التجربة الصينية فما حدث هناك شبيه تماما بما أقوله الآن، فالنظام هناك وصل في مرحلة ما إلى طريق مسدود، يحتاج إلى تكنولوجيا من الخارج من أجل تشغيل افراد الشعب، فعمل انقلابا على نفسه حيث أطاح بالعواجيز من السلطة وأتى بالشباب.. كل ما سبق يثير قضيتين مهمتين بالنسبة لمصر، القضية الأولى: تتعلق بطبيعة مصادر النمو التي لا غنى عنها في أية مرحلة وهل ستستمر في الاعتماد على المعونات الخارجية إلى آخره؟
فأنت ثمنك السياسي في النازل ولو حدثت تسوية في فلسطين سوف ينزل أكثر، وإذا تم الاتفاق مع السوريين سينزل أكثر ولذلك لابد أن تبحث عن مصادر للنمو تختلف عن الريع السياسي الذي كان مصدرا أساسيا من مصادر تمويل عملية النمو. ويضيف د.رضوان: هل يجوز هنا التفكير في نوع من التكامل الاقليمي خلال الفترة المقبلة؟
أنا لدي قناعة كبيرة بأنه إذا أرادت مصر أن تحسن التصرف في المرحلة المقبلة بالنسبة لسياساتها الاقتصادية فيجب ألا يكون البعد الاقليمي مجرد «يافطة» لأنني من خلال زياراتي الكثيرة لعدد من الدول العربية وجدت أن لديهم هلعا كبيرا من الاعتماد على الولايات المتحدة على أساس أنها من الممكن أن تتركهم دون غطاء في أي وقت في ظل وجود المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية..
ومن ناحية مصر أرى أن لديها فرصة تاريخية للدخول في شراكة مثمرة مع تلك الدول إذا تعاملت مع البعد الاقليمي على أساس المصلحة المشتركة وبعيدا عن موضوع الأمة الواحدة، واللغة المشتركة وغيرها.. أي أنك مطالب بأن تعرف شكل اقتصادك وما هي مصادر النمو التي سيعتمد عليها. النقطة الأخيرة، وهي غاية في الأهمية، تتمثل في الكيفية التي يمكن بها أن تكسب تأييد الأغلبية الصامتة للسيناريو المستقبلي الذي تختاره، أيا كان هذا السيناريو.
وهنا لابد من الاهتمام بالبعد الاجتماعي والعقد الاجتماعي الذي ننشده هنا لابد أن يتوافر فيه شيئان أهمهما أن يكون لدى فرصة متكافئة سواء في تكوين امكاناتي الاقتصادية أو استخدامها، وبالتالي لن تنفصل الديمقراطية عن وضعك الاقتصادي، فالديمقراطية تعطيك سلطة سياسية تمكنك من استثمار قدراتك وامكاناتك.
ـ د. جمال بيومي: بالنسبة لسيناريوهات المستقبل هناك استحالة لأن يستمر هذا الحال، أما بالنسبة لكيفية التغيير فلم يعد مقبولا موضوع التدرج الذي يتحدث البعض عنه، إذا كنا نريد الإصلاح فما الذي يمنعنا؟ أما بالنسبة لقيام آلية تشجع الجميع على المشاركة والاشتباك في هذا الملف فهذا أمر غاية في الأهمية، لابد من طريقة لتحقيق ذلك. وعندما نأتي للبعد الخارجي فلابد من وضع رؤية تقوم على أسس عريضة، حتى لا نتوه وبمعنى آخر نحن مطالبون بوضع ترتيب جيد للأولويات الاقتصادية وبما يحقق مصالحنا.
ـ د. أحمد جلال: لكي أضع سيناريوهات للمستقبل لابد أولا أن تكون لديك رؤية، وصعب جدا أن نتصور دولة في الإطار والسياق التاريخي والنظام العالمي الحالي لا توجد فيها ديمقراطية وحقوق إنسان واحترام لحقوق الأقليات، أما الناحية الاقتصادية فأتصور أنه لا يمكن إقامة مجتمع متوازن ومتسق مع نفسه بدون أن تكون هناك درجة نمو عالية جدا وتوزيع عادل للدخل، والملاحظ بالنسبة للحكومة المصرية الحالية هو أن هناك تركيزا شديدا على النمو.
وفي نفس الوقت هناك هدوء على الجانب الاجتماعي، في الصحة والتعليم، وكأن مجلس الوزراء مكون من وزراء اقتصاديين فقط ولا يوجد وزراء للصحة وغيرها، وهذا يعنى أن هناك عدم توازن إن صح التعبير. وبالنسبة لموضوع الإصلاح وهل يأتي من الداخل أم من الخارج فأعتقد أن هذه المناقشة مغلوطة، فلا يهم من أين سيأتي الإصلاح طالما هناك أفكار جيدة. وأنا اتصور بالنسبة لسمات الإصلاح الداخلي أنك تحتاج تعديل الدستور وتقوية المجتمع المدني، أيضا لابد أن يكون في مصر حزبان قويان.
أما النقطة الأخيرة فتتعلق بموضوع التكامل الاقليمي وهو حلم أكثر كونه واقعا ولو أردنا الحديث عن تكامل عربي بشكل معقول وقوى لابد أن ندرس بجدية تجربة الاتحاد الأوروبي، فهذه المجموعة من الدول كان دافعهم الرئيسي لتكوين الاتحاد الأوروبي سياسيا وليس اقتصاديا، فأولا هم أرادوا تجنب حدوث حرب عالمية ثالثة، ولذلك سارعوا بالتكتل، وثانيا هم أبدوا استعدادهم للتنازل عن شيئين مهمين: أولهما: قدر من السيادة في مقابل مصلحة المجموع.
وثانيهما : إنه كان لديهم الاستعداد لإعادة توزيع الدخل، فمثلا فرنسا وألمانيا كانتا على استعداد لدعم اليونان والبرتغال وغيرهما من الدول الأوروبية، ونحن ليس لدينا مثل هذا الاستعداد، أيضا هم أقاموا تركيبة مؤسسية تتشابه مع التركيبة المؤسسية الموجودة في كل دولة، أقاموا بنكا أوروبيا، ومجلس وزراء أوروبياً، والبرلمان الأوروبي، نحن تحدثنا عن ذلك ولكننا لم نفعل.
ـ د. أحمد الغندور: أنا لا استطيع أن أقيم الديمقراطية بفكر شمولي، فمشكلتنا أن فكرنا شمولي ونريد إقامة الديمقراطية، وفقا لذلك الفكر وهذا مستحيل، أنا لا استطيع القول إنه لابد أن يكون لدينا حزبان، أنا سأترك التفاعل السياسي يحقق نتائجه، أراقبه ولا أتدخل فيه، أي أنني لن أصنع ديمقراطية، بل سأضع لها فقط الحدود الدنيا أو الأساسية.
أدار الندوة: د. محمد السيد سعيد
أعدها: صالح الفتياني- تصوير: سعيد عبدالحميد