تنوعت موضوعات وأساليب أفلام المسابقة الرسمية الطويلة الأربعة عشر في الدورة الاربعين لمهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي الذي يقام في جمهورية التشيك، ومعظم هذه الافلام لمخرجين راسخين أصحاب تجارب سينمائية رائدة إلا الإيراني «بورتريه لسيدة من بعيد» للمخرج علي مصطفى القادم من التمثيل.
وطغت العلاقات العائلية بمشاكلها على أكثر من فيلم وأبرزها الفيلم الكندي «الحياة مع أبي» للمخرج سباستيان روز (36 سنة) الذي حقق فيلمه الأول «أمي ولدتني خلال فترة استراحة» (2003) ـ ونال عنه جائزة الاكاديمية الكندية للفيلم والتلفزيون. يذكرنا هذا الفيلم بفيلم كندي سابق بعنوان «غزوات بربرية» للمخرج دينيس اركان الذي عرض للنقاد والمهتمين، ثم تجاريا في مصر، ويتحدث الفيلم عن رجل تسوء حالته الصحية ويهرع أبناؤه لرعايته، وظل يعشق النساء حتى نهايته.
ويتناول «رجل الصين» من انتاج مشترك بين الدنمارك والصين اخراج هنريك فون جينز، صدمة العامل الدنمركي كيلد عندما هجرته زوجته بعد 25 سنة من الزواج، وشعوره بالوحدة في مسكنه، وتقوده الصدفة الى ملهى صيني ويتعرف على صاحبه الذي يعرض عليه أن يتزوج من أخته الصغرى، حتى تستطيع ان تبقى في الدنمرك. اما الفيلم الياباني «مائدة عشاء نوريكو» من اخراج سيون سونو فيتحدث عن تغيير العلاقات الأسرية في اليابان المعاصرة من خلال ثورة ثلاث فتيات قررن الاستقلال وترك الأسرة ومحاولة والدهن استعادتهن.
ويعود بنا فيلم «ملكة لؤلؤة سبأ» من انتاج مشترك بين السويد وبريطانيا اخراج كولين نوتلي، الى الحرب العالمية الثانية، وما تعرضت له لندن من قصف وأثرها على أسرة برادلي التي أرسلت طفلها جاك الى الريف حيث تقيم جدته، ولكن الجدة تموت بسبب سقوط طائرة عسكرية فرنسية على المنطقة، وفي حفل عيد ميلاده الستين يذاع خبر موت الملك، فيسيطر جو من الكآبة على الأسرة الى أنه تأتي «نانسي» التي تدق على الباب.. وبحضورها تتغير حالة الكآبة.
ويتناول فيلم «مدينة الشمس» انتاج مشترك بين التشيك وسلوفاكيا، للمخرج السلوفاكي مارتين شو ليك، عن حياة بعض العمال الذين فقدوا عملهم واشتروا قاطرة لنقل البضائع، يتناول حياتهم العامة مع تركيز على علاقاتهم الأسرية الخاصة. أما الفيلم السلوفاكي «تحوّل» من اخراج ستيرك فيتناول تدهور العلاقات بين زوجين وموضوعات أخرى، غير عائلية كما في فيلم «المنطقة الأخيرة» انتاج مشترك بين فرنسا ورومانيا وأسبانيا وايطاليا، واخراج راؤول رويز، الذي هاجر من شيلي الى فرنسا بعد المؤامرة على الليندي ويتناول الفيلم حياة رجلين من شيلي وفرنسا عشقا الطيران ومصير كل منهما.
أما الفيلم الايطالي: «تعالي الى الضوء» اخراج روبرتو فرينزا فيعود بنا الى عصابات المافيا التي قتلت الاسقف في باليرمو يوم عيد ميلاده، والعمليات الارهابية التي قامت بها في روما وفلورنسا وميلانو. وتعود المخرجة المجرية المعروفة مارتا ميساروش (74 سنة) بإنتاج ضخم عنوانه: «الرجل غير المدفون» يتحدث عن أحداث الانتفاضة الشعبية في المجر التي قادها إيميري ناجي في العام 1956، وواجهتها القوات الروسية بالعنف، ما أدى إلى انهيار النظام الديمقراطي الجديد، وسجن قائد الثورة، وبعد محاكمة صورية 1958، صدر حكم بإعدامه، ودفن كشخص مجهول، وقد استخدمت المخرجة مواد أرشيفية ومذكرات ابنة ناجي.
وتعود أحداث الفيلم الروسي «سائق لفيرا»، إخراج بافيل شوكراي إلى العام 1962، وفيما تقرر نقل جنرال إلى القرم على البحر الأسود مع ابنته المعوّقة فيرا التي خصص لها والدها سائقاً شاباً للسيارة، تقوم علاقة بين فيرا والسائق، ويقوم والدها بتزويجها من السائق بعد حملها إنقاذاً لسمعتها. ويتناول الفيلم البولندي «نيكفور» إخراج كريستوف كراوزي حياة فنان فطري اكتشفه فنان تشكيلي ونظم له معرضاً، اجتذب النقاد وسلطت عليه الأضواء.
ويحكي الفيلم الإيراني «بورتريه لسيدة من بعيد»، وهو الأول للممثل علي مصطفى، عن مهندس يبحث عن سيدة تركت له رسالة هاتفية تبلغه فيها بعزمها على الانتحار. وتعرّف على صديقتها، ويعيده هذا المسعى إلى اجترار ذكرياته، والغوص في ماضيه.
فعاليات وبرامج «الحياة تبدأ بعد الأربعين»، عنوان الشريط القصير، سريع الإيقاع، الذي يقدم قبل عرض كل أفلام مهرجان كارلوفي فاري، ولادة طفل ـ 1966، ووصوله للأربعين عام 2005، مع رحلة جديدة من الحياة.
وتحفل الدورة الأربعون بفعاليات وأنشطة وبرامج وحفلات تكريم تعطي للدورة حيوية، كما تجد إقبالاً ضخماً من الجمهور، وخاصة الشباب، وتحولت بلدة كارلوفي فاري الخضراء التي تبعد عن العاصمة براغ مسافة ساعتين، عبر صاخب بأطياف الشاشة الفضية، وأحلامها، ونجومها، وفقرات الغناء والموسيقى التي تعزف أمام الفندق الكبير الذي يضم بين جدرانه قاعات العرض بين كبيرة ومتوسطة وصغيرة، ومركز للصحافة والندوات.
ويتجمع الجمهور أمام قاعته الكبرى ليحيي النجوم، وقد وفق المهرجان إلى دعوة نخبة منهم مثل النجمة النرويجية بطلة أهم أفلام المخرج السويدي الكبير انغمار برغمان ليف أولمان التي منحت كرة الكريستال الذهبية تكريماً لكل إنجازاتها، كما تم تكريم الممثل الأميركي روبرت ريد فورد، والنجمتين الأميركيتين آلي ماكجرو، وشارون ستون، والمخرج الكندي ـ الأرمني الأصل ـ الذي ولد في مصر توم إيغويان، وعملاق سينما التحريك اليابانية كيماشيرو كاواموتو الذي نظمت له عروض لعدد من أفلامه.
ونجحت المديرة الفنية للمهرجان الناقدة التشيكية إيف زاورالوفا في إعداد برامج ثرية تضم ثلاث مسابقات دولية: الرئيسية للأفلام الروائية الطويلة التي تضم في عضويتها الكاتبة والمخرجة الكندية روبا ندا وهي من أصل سوري ـ فلسطيني، والثانية للأفلام التسجيلية، والثالثة لأفلام لجان تحكيم جانبية للنقاد، ونوادي السينما، وللنقاد الشبان التشيك. يضم قسم «آفاق» 42 فيلماً أغلبها أوروبية ـ أميركية، إلى جانب أفلام من أفريقيا. وهناك فيلم من إنتاج مشترك بين إيران والعراق بعنوان: «السلاحف لا تطير» إخراج بهمان غبادي (2004).
أما البرنامج الموازي «نظرة أخرى» لعله يقترب من برنامج «نظرة خاصة» لمهرجان كان، فيضم خمسة وأربعين فيلماً أغلبها أوروبية وأميركية، وأحدها من الهند. ويقام ضمن فعاليات المهرجان ملتقى «السينما المستقلة» للمرة الثانية عشرة، وهو مخصص للإنتاج خارج الشركات والاستديوهات الكبرى، والأغلبية من أميركا وكندا، وهناك أفلام من المكسيك وإيران وشيلي، والمجر. على نمط أسبوع النقاد لمهرجان كان ينظم أسبوع للنقاد وهنا هم من مجلة «كاريتي» الأميركية الذين اختاروا عشرة أفلام كلها أوروبية، خمسة برامج استعارية عن «الطبيعة والمناظر الطبيعية في النرويج»، و«نظرة خاصة إلى السينما ا��كندية»، وتكريم سام بيكاينباه (1925 ـ 1984)، و«أودية موسيقية» 2005، و«هموم العمل».
ولابد أن يكون للدولة المضيفة وجود بارز، فقد اختير 16 فيلماً تشيكياً إنتاج 2004، كل من هذه الأقسام والبرامج له أهمية . وقد حرص الرئيس السابق لجمهورية تشيكوسلوفاكيا سابقاً، تشيكيا حالياً، فاسلاف هافيل على حضور الافتتاح وتحية الجمهور والسينمائيين وتكريم ليف أولمان.ولك الحق أن تتساءل: أين السينما العربية التي كانت تتواجد في الستينات والسبعينات؟
لقد غابت السينما العربية منذ سنوات، لكنها تواجدت في هذه الدورة بتواضع من خلال فيلم «الجنة الآن» (2005) للمخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد، ولكن كإنتاج مشترك بين فرنسا وألمانيا وهولندا وفلسطين، وقد قدم في قسم «آفاق» كما قدم فيلم «صباح» 2005، للمخرجة روبا ندا، من أصل فلسطيني سوري، في برنامج «نظرة خاصة على السينما الكندية».
تشيكيا ـ فوزي سليمان