قال خبراء اقتصاديون إن القطاع الخاص في كرواتيا يزداد سيطرة ويبني قاعدة جديدة، ويبدو أحياناً أنه نتج عن النسيج القديم، لكنه ليس مثله، فالاقتصاد الجديد يشكل حالياً 50 و60% من الصورة.وتتبلور طبقة من رجال الأعمال أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة في كرواتيا وتساهم في إعادة تشكيل الاقتصاد والرخاء، غير أنهم يواجهون تحديات سياسية. ويثني خبراء الاقتصاد في البلد البالغ سكانه 3,4 ملايين نسمة على الحقبة الحالية التي يقود الاقتصاد فيها رجال أعمال يرجعون إلى الطبقة المتوسطة.
ويقول زاركو ميلينوفيتش الخبير الاقتصادي في زاجريباكا بنك، أكبر بنوك البلاد إن الشركات الصغيرة والمتوسطة تشكل قطاعاً مهماً في الاقتصاد الكرواتي الحالي، ويزداد نشاط هذه الطبقة المتوسطة الجديدة في المجتمع.أحد هؤلاء رجال الأعمال هو دامير مايتيك، مواطن من الطبقة المتوسطة من مدينة زادار السياحية على ساحل كرواتيا، الذي يملك يختاً باسم ماديكس، على اسم شركته الصغيرة. لكن امتلاك مايتيك لليخت وحياته المرفهة لم تأت من لا شيء، فقد قضى سنوات يدير شركته الصغيرة ماديكس.
وقد بدأت قصته كغيره من رجال الأعمال من هذه الطبقة منذ أكثر من عقد من الزمان، عام 1993 عندما كانت كرواتيا منهمكة في حرب ضد صربيا، وخلال فترة الخصخصة غير الشفافة للمشروعات الحكومية التي نشأ عنها عملية لإفراز أباطرة رجال الأعمال.في ذاك الوقت وضع القادة الجدد للبلاد حديثة الاستقلال، وكانوا ضعفاء، مئات المشروعات المملوكة للدولة في أيدي دائرة مغلقة من الموالين الذين يثقون فيهم، وجمع هؤلاء ثروات طائلة من هذه الشركات.
وظهر مايتيك وغيره في ذاك الوقت، حيث كان مديراً لشركة مملوكة للدولة لأدوات المطبخ، وتلقى عرضاً بأن يشتري الشركة بسعر زهيد من الدولة. وجمع مايتيك قروضاً من أصدقائه تعادل 10 آلاف يورو ليفتح مصنعاً لإنتاج فرشات البياض، لأنه رأى أن استغلال أموال الدولة أمراً ليس أخلاقياً، وبدا انه كان حكيماً. فقد تضاءل نفوذ الأباطرة بعد المكاسب التي حققتها الطبقة المتوسطة وبدأ رجال الأعمال من الطبقة المتوسطة يسيطرون على جزء أكبر من كعكة اقتصاد كرواتيا.
ومع ظهور رجال الأعمال الجدد أضافوا تنوعاً على القطاع الخاص سريع النمو، وهذا يوفر نوعاً من الأمان، لأنه ليس هناك قطاع معين يسيطر على غالبية الاقتصاد، أو حتى عدة قطاعات، وبالتالي تنخفض المخاطرة، كما تقول مارتينا داليتش وزيرة الدولة للمالية.وتراجع معدل نمو إجمالي الناتج المحلي لكرواتيا إلى 8. 3% العام الماضي، لكن الأساسيات الاقتصادية للبلاد تبدو قوية مقارنة بأي وقت مضى منذ انهيار يوغسلافيا منذ 15 عاماً. وبدأت مشكلة ديون القطاعين العام والخاص، التي كانت مستعصية من قبل في الانحسار. ولا يزال معدل التضخم أقل من 4% سنوياً.
بعض المخاوف
ورغم ذلك، هناك بعض المخاوف التي تؤرق خبراء الاقتصاد، مثلاً يقول محافظ البنك المركزي زليكو روهاتنسكي إن التدفق الكبير للنقد الأجنبي على البلاد يشكل ضغطاً على العملة المحلية (كونا) لكي ترتفع قيمتها. وقد يؤثر ذلك على ارتباط العملة باليورو الذي يتيح تغيراً بينهما في حدود 15%. ويضيف روهاتنسكي أن البنك يطرح مزيداً من العملة المحلية في السوق من أجل وقف ارتفاع قيمتها، لكن الثمن باهظ أيضاً.
ففي الوقت نفسه، لابد أن تحاول كرواتيا بقيادة رئيس الوزراء ايفو سنادر أن تخفض الإنفاق العام خلال العام الجاري، والقناة المستهدفة لذلك هي نظام المعاشات الحساس سياسياً، وأحواض بناء السفن التي تتلقى دعماً كبيراً، وكذلك السكة الحديد. ومن دون خفض الإنفاق يظل التحول الذي حدث عقب فترة الحكم الاشتراكي غير كامل. فلا تزال الحكومة تتحمل دعماً يزيد على ضعف متوسط الدعم في أوروبا قياساً إلى إجمالي الناتج المحلي.
وبرغم هذه التحديات، تفيد الشركات الخاصة بتحسن مناخ الأعمال الذي يتميز بحرية التجارة والانخفاض التدريجي للإجراءات الروتينية بفارق رهيب لا يقارن بما كان يحدث منذ عقد مضى. فقد كانت شركات مثل شركة مايتيك تعد لا شيء بالنسبة لشركات الحكومة العملاقة في فترة الحكم الاشتراكي، لكن هذه الشركات تزدهر الآن، في الوقت الذي تعاني فيه الشركات الحكومية الكبيرة من الخسائر.
وقد نجت هذه الشركات من البداية الصعبة بفضل توقف الحروب عام 1995 عندما بدأ أصحاب المنازل يشترون فرشات البياض التي ينتجها مايتيك لإصلاح منازلهم بأنفسهم. وتبلغ قيمة إنتاج شركة مايتيك 5. 4 ملايين يورو، حسب أرقام 2004، وسجلت ارتفاعاً في المبيعات بنسبة 11% العام الجاري ويعمل بها 40 موظفاً فقط. ووسعت الشركة نشاطها فبدأت تستورد البويات ومعدات البياض وتستهدف التصدير في مرحلة لاحقة. وأنشأت ماديكس فرعاً لها باسم ماديكس مارينا متخصصة في دهان اليخوت والقوارب.
ويقول مايتيك إن هناك عدة تغيرات ساعدت بيئة الأعمال في كرواتيا على أن تكون أفضل مما كانت عليه منذ خمس سنوات. أولاً القادة وأصحاب القرار يقضون على تجار السوق السوداء ويجبرونهم على دفع الضرائب، وهذا يحقق المساواة للآخرين. ويتناقص عدد الشركات غير القانونية بشكل ملحوظ. ورغم تكدس القضايا أمام القضاء، فهو يبلي بلاء حسناً وأسرع.
والأكثر أهمية أن البنوك تفتح أبوابها للشركات الصغيرة والبنوك الأجنبية التي تسود السوق تنوع نشاطها وتنافس بخفض أسعار الفوائد على القروض.وأخيراً الثورة الثقافية، فالتحول من نظام الاشتراكي إلى الرأسمالي ليس سهلاً، لكن العقليات تتغير وبدأ الناس أخيراً يفهمون انهم يجب أن يفعلوا شيئاً لأنفسهم بأنفسهم.ويقول زعماء كرواتيا انهم يتوقون إلى رؤية بلادهم ناجحة في إطار الاتحاد الأوروبي، ولكي يفتحوا باب التفاوض للانضمام للاتحاد، لابد أن يدفعوا الاصلاحات الاقتصادية مهما كان الثمن.
ترجمة: أشرف رفيق