تعد البنوك المركزية الأكثر ربحية في القطاع المصرفي في كافة الدول لكن البنك المركزي الأوروبي وبعض البنوك المركزية في دول أخرى خرجت على تلك القاعدة. ففي حين أعلن مجلس النقد الاحتياطي الأميركي عن تسجيله أرباحاً قدرت بأكثر من 23 مليار دولار عام 2003، لم يكن الحظ حليفا لجميع البنوك المركزية.

فالبنك المركزي الأوروبي الذي مني بخسارة كبيرة في العام 2004، مني بها للعام الثاني على التوالي، كما ان بنك اليابان اتخم ميزانيته العمومية بالسندات الحكومية التي لا هي أسمنت، ولا أغنت من جوع، وإذا ما دارت بها الدوائر، فإن الميزانية العمومية ستعاني الأمرين.

لقد كدست البنوك المركزية، بما فيها بنك لبنان، والبنوك المركزية الآسيوية، ما يربو من تريليونين من الاحتياطي النقدي الأجنبي، سبعون في المئة منها في صورة دولارات أميركية. وإذا ما انحدر الدولار، فإن تلك البنوك معرضة لخسائر رأسمالية هائلة.

وفي ورقة وزعت على نطاق واسع العام الماضي، لخص ماثيو هيجنز وتوماس كليتمجارد، الخبيرين الاقتصاديين في مجلس النقد الاحتياطي في نيويورك. ان ارتفاع 15% في الوون الكوري الجنوبي مقابل الدولار، وغيره من العملات الاحتياطية سوف يعني خسارة رأسمالية للبنك المركزي الكوري الجنوبي، بحدود 3% من الناتج الإجمالي المحلي، كما ان الصين سوف تعاني من نسب مماثلة، في حال اكتساب اليوان لعشرة في المئة.

وتلك الاستنتاجات، رغم قتامتها، كانت قائمة على أرقام 2003، غير أن نورييل روبيني من جامعة نيويورك، وبرادسيتسر، من جامعة أكسفورد، قاما باستشراف عامين إلى الأمام. وإذا ما واصلت الصين تكديس الاحتياطيات بمعدلها الحالي، فإنهما يقدران أن ارتفاعا في قيمة اليوان بمعدل 33% في نهاية 2006. من شأنه إيقاع خسارة رأسمالية تقدر بـ 15% من الناتج الإجمالي المحلي.

ان خسارة في مثل هذا الحجم، ستكون الطامة الكبرى بالنسبة لبنوك وطنت نفسها على حياة من الرغد. غير أن لذلك سابقة، ففي 1989، على سبيل المثال مني بنك نيكاراغوا بخسارة تقدر بـ 8. 13% من الناتج الإجمالي المحلي، وفقا لورقة عمل قدمها بيترستيلا من صندوق النقد المحلي. وفي الربع الثاني من العام ذاته، سجل بنك الأرجنتين المركزي خسارة قدرت بـ 5. 23% من الناتج الإجمالي المحلي. ويمضي «ستيلا» في سرده، قائلا بأن بنك البلاد المركزي، إبان الحرب الأهلية الليبيرية، بلغ حالة من الفوضى، أدت إلى طرده شر طردة من غرفة المقاصة الوطنية.

وفي الوقت الذي يفترض فيه أن تقف البنوك المركزية وراء المؤسسات المالية المحلية، والمحافظة على تراصها إلا أن الآية في ليبيريا، انعكست وانقلبت الرعية على الراعي.إن الخسائر التي يحذر منها كل من «روبيني» و«سيتسر» تبدو وكأنها ستصيب بعدواها البنوك المركزية الآسيوية، أو أنها ستجبر دافعي الضرائب الآسيويين على إنجادها، بضخ 15% من مخرجاتها السنوية لاستعادة ميزانياتها العمومية. إلا أن البنك المركزي لا يسعه «الإخفاق» كما هو الحال بالنسبة للبنك التجاري، فالبنوك المركزية، تتمتع بكل حرية، بحق طبع العملات.

وهكذا لو استبعدنا ليبيريا، فإن البنوك المركزية لا تعدم الوسائل للوفاء بالتزاماتها، لأن «سبل الوفاء» هي دور السك والمطابع. غير أن المشكلة تكمن في أن البنوك التي قد تجد نفسها مضطرة للركون إلى مطابعها وفاء لالتزاماتها، تخاطر بإشعال فتيل التضخم، وينوه ستيلا إلى أن البنوك المركزية، التي تخسر المال عاماً وراء عام، تفقد في النهاية سيطرتها على الأسعار.

ففي عام 1989، كان التضخم الأرجنتيني من القوة بحيث إن مطابع دار السك الوطنية انهارت تحت وطأة الضغط. ومن جانب آخر فإن الفوضى المالية ليست بالضرورة نتيجة لخسائر البنوك المركزية. ويستشهد ستيلا في مثال معاكس، بتشيلي، فالبرغم من تسجيله خسائر خلال تسعينات القرن الماضي إلا أن البنك المركزي نجح في ترويض التضخم. مخفضاً إياه من 26% في التسعينات إلى رقم فردي في أواسط العقد من القرن السابق.

فأي من المثالين، التشيلي أو الأرجنتين، الأكثر صلة ببنوك آسيا المركزية؟ في حالة الأرجنتين كانت الخسائر التي مني بها البنك المركزي، والتضخم الذي لجمه، عوارض للسبب الكامن ذاته، حكومة ركنت على البنك المركزي لتمويل إنفاقها غير المحتمل.وفي المقابل، فإن حكومة التشيلي اتبعت سياسة نقدية مشدودة، وبناء عليه كما يحاجج ستيلا، عندما قام البنك المركزي بإيجاد السيولة لتغطية خسائره، كانت آثار التضخم متوازنة بفضل موقف الحكومة الانكماشي.

فلماذا كان البنك المركزي غير مربح في المقام الأول؟ بداية، حقق البنك المركزي خسارة بسبب سياسة سعر الصرف التي اتبعتها البلاد. وعلى غرار بنوك آسيا المركزية فإن بنك التشيلي المركزي، يختزن احتياطات هائلة من النقد الأجنبي ومن نافلة القول إن هناك استحالة لقيام البنوك المركزية الآسيوية ببيع احتياطياتها، وإعادة استثمار العوائد في أصول عالية المردود، دون إثارة خسائر الرساميل التي يأملون في تجنبها، وإذا ما حاولت تحريك تلك الأصول النائمة، فإنها ستفرغها من قيمتها وإذا ما أرادت المحافظة على قيمتها، لا بد لها من إبقائها راقدة.

و.خ