تقدر هيئة الخدمات المالية البريطانية الأصول المتداولة في الحسابات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية على نطاق العالم، بنحو 500 مليار دولار، وبنمو معدله 10 ـ 15% سنوياً. وبات التمويل المالي الإسلامي يشكل قوة اقتصادية عالمية لا يستهان بها، وتحولت إلى سوق رائج في دنيا المال، وراحت البنوك البريطانية تتطلع بصورة متزايدة إلى الشرق الأوسط ليس شغفا في ولوج أسواق جديدة، وإنما رغبة منها في المساهمة في تطوير هذا القطاع.

واعترافا منه بأهمية المطالب المتزايدة، فإن معهد الأوراق المالية والاستثمار البريطاني ضاعف جهوده مع «إيكول سوبيريور ديز آفيد» اللبناني لتطوير أهلية خاصة في العمل المدني الإسلامي للمزودين الماليين. ومن جهته فإن المعهد يأمل في التعويل على نجاح الأعمال المصرفية الإسلامية في البلدان الإسلامية مثل ماليزيا وتركيا. فضلا عن البلدان الأوروبية كفرنسا وألمانيا وهولندا، التي تحتضن شريحة واسعة من السكان المسلمين.

بات التمويل الإسلامي قوة كبرى في الاقتصاد العالمي، والذي يتراوح إجماليه ما بين 200 ـ 500 مليون دولار سنوياً. غير أنه كان حكراً على المستثمرين الكبار، نظراً لأن معدل المستهلكين بين المسلمين في الغرب يتطلعون للعيش وفق الشريعة الإسلامية، في ظل وجود خيارات ضيقة. وكانت شريحة من مليوني مسلم بريطاني محرومين من شراء منازلهم الخاصة بسبب الافتقار للتمويل المتوافق مع الشريعة الإسلامية.

وفي هذا السياق، يقول روث مارتن المدير المنتدب لمعهد لأوراق المالية والاستثمار ان ثمة غيابا للفهم، وأنه يعتقد بوجود فجوة حقيقية، وكانت عائقا أمام فهم الناس للشريعة الإسلامية، والأعمال المصرفية الإسلامية، وتطورها. غير ان البنوك الضريبية راحت تصحو من غفوتها. فقد أشهر بنك لندن الإسلامي في شهر سبتمبر، وأطلق هذا الشهر خدمة مصرفية بريدية وهاتفية للوصول إلى المسلمين خارج فروعه في لندن وبيرمنغهام، وليستر. ويهدف إلى تدشين مزيد من الفروع في أنحاء البلاد نهاية هذا العام.

ويقول مايكل هانلون المدير المنتدب إن جزءاً من المهمة تكمن في إفهام المسلمين أن ثمة بدائل متوفرة، مضيفاً «أن الصيرفة الإسلامية باتت الآن جزءاً من الاقتصاد العالمي المعاصر». وكانت مجموعة لويدز TSB العامة المحدودة أطلقت حساباً جارياً متوافقاً مع الشريعة الإسلامية في شهر فبراير، وبيتاً تمويلياً في شهر مارس.

وقال اميل أبو شقرا الناطق باسم المجموعة «إن هناك قرابة مليوني مسلم الآن في بريطانيا، وتظهر دراساتنا المستقلة أن 75% من هؤلاء يريدون منتجات مصرفية متوافقة مع الشريعة الإسلامية». يذكر أن الحسابات الجارية في لويدز لا تدفع فوائد ولا تتضمن تسهيلات حسابات مكشوفة. وبموجب خطة بيت التمويل «إجارة» فإن البنك يشتري 90% من المنزل بالأصالة عن العميل الذي يقوم بالسداد على دفعات شهرية متفق عليها، مضافة إلى دفعات الإيجار، حيث إن المنزل يكون مملوكاً للبنك حتى السداد الكامل لجميع الدفعات.

وبدوره فإن مجموعة HSBC القابضة، أكبر البنوك الأوروبية من حيث القيمة السوقية، يعزز من الخدمات التي يقدمها من خلال فرع «أمانة» التابع له، والذي افتتح في أواسط العام 2003. واهتداء بتوجيهات مجلس العلماء الشرعيين التابعين له، فإن البنك يخطط لإطلاق «تكامل للتأمين» للمباني ومحتوياتها في شهر يوليو، وللتمويل التجاري نهاية هذا العام. كما انه يحول خطة التمويل الإسكاني من مبدأ «الإجارة» إلى نظام يدعى «مشاركة» التناقصي، الذي يحول ملكية العقار من البنك إلى المشترين خلال سداد دفعاتهم بعد أن وجه المجلس الفقهي بأنه أكثر تماشياً مع الشريعة الإسلامية.

يرى أمجد علي رئيس فرع «أمانة» HSBC بأن الثقافة من شأنها توسيع السوق. ويقول «لو اتخذت نفسي مثالاً فقد ولدت في هذا البلد، وترددت على المساجد منذ سن الخامسة، ولبثت حتى سن الخامسة عشرة حتى قرأت ترجمة للقرآن الكريم حتى وصلت إلى موضوع الربا». ويمضي قائلاً: «في تلك المرحلة من حياتي لم يكن ذلك الحدث الأبرز، بيد أنني رحت أدرك فيما بعد فداحة هذا العمل في الإسلام.

ومن نافلة القول إن معهد الأوراق المالية والاستثمار عكف على إنشاء هيئة من علماء الشريعة لتقديم المشورة في أهليتها ويخطط لإطلاق مسيرته التعليمية أوائل العام 2006. وستتوفر دورات المعهد في كل من بريطانيا ولبنان، بحيث يجري تعميمها فيما بعد إلى ثلاثين بلداً.تعتبر العمليات الإسلامية مربحة ويقول مكتب «تراورز آند هاملينز» القانوني. إن الأسهم المتوافقة مع الشريعة الإسلامية والمدرجة في بريطانيا في مؤسسة داوجونز الإسلامي، أظهرت عائداً بلغ 2,15% خلال الشهور الاثني عشر الماضية، بمعدل ضعفي معيار مؤشر FTSE100 ويقول آلين باليان، نائب محافظ البنك المركزي اللبناني، الذي خاطب معهد الأوراق المالية والسندات بخصوص التأهيل، بأن المنتجات يمكن ان تكون جذابة لمستثمرين من مذاهب أخرى.

وقال باليان، «خصوصاً في بيئة مثل بريطانيا، حيث لا يوجد سعر فائدة ثابت، لمدة رهن تزيد عن عشرين إلى ثلاثين عاماً، مثلما هو الحال في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، فإن الرهن العقاري الإسلامي يمكن ان يكون بديلاً جديراً بالاهتمام. ومما تجدر الإشارة إليه، أنه اعتباراً من أواسط العام 2004، فإن السوق المالية الإسلامية، ضمت 265 مصرفاً، تمتلك أصولاً تقدر بـ 262 مليون دولار، واستثمارات تزيد عن 400 مليار دولار، وفقاً لتقدير نشرته المنظمة العالمية للجان الأوراق المالية. وقدر التمويل الإسلامي والتأمين وأسواق الرساميل بأنها حققت نمواً تراوح بين 15 ـ 20% سنوياً على مدى عقد من الزمن.

وتابع بأن نصف مدخرات 3. 1 مليار مسلم، ستكون خلال 8 ـ 10 سنوات في بنوك إسلامية وعلاوة على ذلك، فإن البنوك الرائدة، والمحللين يقولون ان تطور التمويل الإسلامي، حقق نمواً مضطرداً في الآونة الأخيرة، مع اتجاه المسلمين لتشغيل أموالهم في استثمارات إسلامية، أضف إلى أن درجة رقيها وتطورها، ومجالات خياراتها الاستثمارية في صعود مستمر.

وفي تقدير «ديفيد فيكاري»، أحد المستشارين المصرفيين، والخبير في التمويل الإسلامي في كوالالمبور، ان عشرين بالمئة من الأصول المالية العالمية، سوف تتحول إلى المنتجات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، في غضون 10 ـ 15 سنة. ويقول انه مع تطور جودة المنتجات المالية الإسلامية، فإن النمو سيأتي من جانب المسلمين وغير المسلمين. ومن جهتهم، فإن رجال المصارف والمحللين يعزون هذا التزايد إلى عدة عوامل، أسعار النفط المرتفعة، والعوائد المترتبة على ذلك، والخيارات الواسعة للمنتجات المتوفرة المتوافقة مع الشريعة الإسلامية والوعي المتزايد في أوساط المستثمرين المسلمين الأثرياء.

وفي مؤشر على الحماس تجاه الفرص المتاحة في هذا المجال، فإن سنغافورة، المفصل التقليدي للأسواق الرأسمالية، بدأت تتطلع الى القطاع الإسلامي، وقد أشار «غوه تشوك تونغ» رئيس الوزراء السنغافوري السابق، والرئيس الحالي لسلطة النقد، العام الماضي الى اعتزام بلاده بناء علاقات مع الشرق الأوسط، بهدف تحويلها الى مركز إقليمي لاستثمارات أسواق الرساميل الإسلامية وخدمات الأعمال المصرفية الخاصة وإدارة الصناديق المالية.

وقد أنشأت سلطة النقد مجموعة استشارية لتقديم المشورة في تطوير الأسواق المالية الإسلامية، كما حصلت سنغافورة، في شهر ابريل على العضوية الكاملة في مجلس الخدمات المالية الإسلامية، وهو هيئة عالمية تقدم المشورة في الأمور التنظيمية والإشرافية للأسواق المالية الإسلامية وقد حدا ذلك بمستثمرين أمثال «لي كار شينغ» الأمبراطور العقاري صاحب مجموعة «تشونغ كونغ» والشريك في ARA لإدارة الأصول الى توقيع اتفاق مع بنك دبي الإسلامي لإنشاء صندوق الشرق الأقصى العقاري الإسلامي.

ويقول رؤساء تنفيذيون في العمليات التشغيلية المالية الإسلامية دويتش بانك في لندن، بأنهم سيبدأون في تقديم نحو 50 منتجاً إسلامياً جديداً خلال الشهور الستة القادمة. بعد تبني ممارساتها كي تتوافق مع الشريعة الإسلامية. كما قررت ديلويت شركة الاستشارات المالية والتجارية ومقرها نيويورك، الدخول في المجال التجاري العالمي في شهر فبراير وتزمع تقديم المشورة في هيكلة الصفقات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية.

وفي البحرين وافقت مؤسسة نقد البحرين على تأسيس أول بنك استثماري متخصص في التمويل والاستثمار في المشاريع الناشئة والواعدة (الرأسمال المضارب). وقد تمت الموافقة على تأسيس البنك تحت اسم «فينتشر كابيتال بانك» ويقول غسان احمد عبدالله السليمان رئيس اللجنة التأسيسية للبنك، ان البنك سيستثمر في المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والواعدة التي تتميز بالأسس التجارية القوية وذات قابلية للنمو. وهكذا، فإذا ما واصل هذا القطاع نموه الحالي، فإنه سيكون من أسرع الإقتصادات نمواً في العالم.

وائل ابراهيم الخطيب