ستيفن سبيلبيرغ من المخرجين المثيرين في عالم الفن السابع. فهو لا ينتمي إلى نوع سينمائي معين. ففي كمه الإنتاجي تنوع أساليب في اختيار رواية الفيلم أولاً، وفي أشكال المعالجة البصرية.
فتارة نراه متطرفاً في نبش روحية الحكاية، وتحويلها إلى لغة بصرية تتجاوز أحياناً الرواية المقدمة، في توليد عالم مواز يؤلف حركية المشاهد ويضع كوادره على أنقاض صورة وقعت. وتارة يلامس أسلوب الفريد هيتشكوك بصناعة كوادر الشريط على أنه قطعة واحدة، معتمداً على تقطيع المشاهد بخصوصية ودقة وسرعة تجعل من كل المشاهد مشهداً واحداً، وكأننا إزاء لوحة واحدة تجمع في مساحاتها عدة عوالم في عالم واحد.
في سلسلة «انديانا جونز» من بطولة هاريسون فورد، يكاد المشاهد أن تنقطع أنفاسه لشدة تلاحق الصور بعضها ببعض، في سياق مغامراتي لا يتوقف ولا يستكين ولو لهنيهة. وهو يجمع بين الأسطورة و«التعويذات» والواقع والخيال في بوتقة، تشي جميعها بنوع سينمائي يسمى سينما المتعة.
ولكنه أيضاً وفي ظل هذا الصخب المتواصل، لا يتناسى الخيط الدرامي، الذي يبدو مخفياً داخل بطانة الفيلم، فبطل الفيلم هو ابن لعالم آثار وورث لوثة البحث في القديم إضافة إلى تجميع عناصر أخرى كحضور المرأة كجزء من المغامرة نفسها، والطفل، والأديان القديمة، التي تشكل معاً درامية الشريط.
وعلى المنوال ذاته قدم أسطورة «كابتن هووك»، القرصان الانجليزي (جسده راستن هوفمن)، الذي يصاب بالحزن الشديد لفقدان عدوه قوته، في إمتاع بصري في اختيار الألوان ومنهم لون الطعام الباهر. إضافة إلى عنصر درامي ممزوج «بسوريالية» سلفادور دالي الفنان التشكيلي الاسباني، حين يدخل هووك ويبدأ بتحطيم الساعات المتعددة والأشكال والأحجام، معلناً عن موقف من الزمن الذي لا يستطيع فيه أن يجد المرء عدواً قادراً.
ولا يمكن أن ننسى «الحديقة الجوراسيه» الفيلم، الذي يعد الأعلى في تكلفة إنتاجه في تاريخ السينما، وصاحب أعلى مداخيل على هذا النحو أيضاً. و«جويس» سمكة القرش المرعبة والذي أدى إلى فتح سجالات حول عنف هذه السمكة الضخمة مازال مستمراً حتى اللحظة.
يرى بعض النقاد في سبيلبيرغ، مخرجاً يهتم بعائدات الفيلم أولاً، وسينماه لا تحمل قضايا، بقدر ما هو يعالج سطح المسائل، مستخدماً لذلك الإمتاع البصري والمصاحبات التقنية. وأعتقد أن هذا الكلام يتضمن أفكاراً «مؤدلجة» أكثر ما هو كلام عميق وحقيقي. ويشي أنه لا يهتم سوى بالسطح. فالسينما في أصلها متعة بصرية، البعض يغرق في استعراض مجافي، والبعض كما هو ستيفن سبيلبيرغ يوظفها ضمن سياق السرد. لكنه لا يحولها إلى أداة فقط، بل على العكس تتوازى وتنتصب جنباً إلى جنب الفن.
«حرب العوالم» الإنتاج الجديد للمخرج ستيفن سبيلبيرغ، الذي بدأت الصالات المحلية عرضه مطلع هذا الأسبوع، أخذه المخرج عن رواية انجليزية للكاتب جورج ويلز، الذي ألف روايته نهاية القرن التاسع عشر، حول غزو يتعرض له كوكب الأرض من كائنات فضائية استمرت تراقب تطور هذا الكوكب على مدى قرون، فشعرت بالحقد والغيرة والحسد، وقررت تدمير كل منجزاتنا الحضارية، مدفوعة بكرهها الشديد لعظمة الإنسانية، التي منحها الخالق من علمه الشيء الكثير.
وهذا أول خيط درامي في العمل، إضافة إلى خيوط أخرى تتمحور حول بطل الفيلم توم كروز، رب العائلة غير المكترث بأمور عائلته، ولكنه يضطر في النهاية إلى أن يهتم ويسعى لإنقاذ ولديه وإيصالهما إلى زوجته.وكعادته يستخدم سبيلبيرغ المؤثرات الخاصة بتكثيف وبضخامة أدت إلى إبهار بصري في إطار فانتازي ممتع ومرعب وآسر في آن.
نهاية الفيلم لم تكن مقنعة كثيراً إذ أن العدو يخسر معركته لسبب بيئي هو من خصائص كوكب الأرض، التي على ما يبدو أنها تحسن الدفاع عن نفسها أكثر مما يستطيع الإنسان أن يفعل. ولعل هذه النهاية غير المتوقعة إضافة إلى قولية الفيلم رمزية تفيد بأن النظام البيئي لكوكبنا يتأسس على مكونات دفاع ذاتي، شرط أن لا يدمره الإنسان.
حسين قطايا