أكد حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة انه لا يسعى إلى ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية اللبنانية كما لم يعرض عليه مقعد وزاري، ولم يطالب به، وأنه في حالة سعيه سوف يتحدث في هذا الموضوع صراحة.

وتطرق سلامة في حديثه الذي تنشره الصياد اللبنانية و«البيان» عن علاقته بالرئيس رفيق الحريري، التي وصفها بأنها كانت صداقة مباشرة ومتحررة دامت حتى اللحظة الأخيرة، وان آل الحريري مشمئزون من حملات التجريح الشخصي التي يتعرض لها، مبدياً جهله لخلفيات هذه الحملات، وأنه لن يسكت عنها لدى معرفته بأسبابها، معرباً في الوقت ذاته عن انفتاحه على كل الانتقادات إذا كانت موجهة إلى السياسات المالية التي يتبعها البنك المركزي وليست ذات طابع تجريح شخصي.

كما تحدث سلامة عن علاقاته برئيس الحكومة العتيد السيد فؤاد السنيوره مشيراً إلى حصول تباينات في الرأي معه سابقاً، لكنه نوه باهتمامه داخل الحكم وخارجه باستقرار الوضع النقدي وثبات سعر صرف الليرة.أخيراً كشف سلامة تفاصيل الدور الذي لعبه مصرف لبنان في معالجة قضية بنك المدينة، والذي انتهى إلى تأمين جميع أموال المودعين دون ان يتكلف المصرف المركزي أو الدولة اللبنانية من الأموال العامة، مع الحفاظ على سلامة القطاع المصرفي اللبناني.

وفي ما يلي تفاصيل الحوار:

* خضتم «ملحمة نقدية» خلال الـ 12 شهراً الماضية، هل بدأنا ندخل مرحلة جديدة؟

ـ كانت الأوضاع خلال 12 شهراً الماضية صعبة سياسيا بسبب التجاذبات التي حدثت خلال الاستحقاق الرئاسي وما تبعها من تغيير حكومي بعد محاولة اغتيال الوزير السابق مروان حمادة، ثم اغتيال الرئيس رفيق الحريري، كلها عوامل أدت الى انخفاض الثقة وكانت ضاغطة على الاستقرار النقدي.

خصوصا ان التقلبات والتغيرات جعلت القيمين على البلاد منشغلين بما يجري على الصعيد النقدي، فكنا مضطرين حفاظا على مصلحة لبنان إلى اتخاذ عدة مبادرات وهندسات مالية لتأمين الاستقرار في الأسعار، خصوصا استقرار النقد الوطني. نحن نعتقد ان الذي قدمناه لبلدنا وللبنانيين هو أننا حافظنا على قوتهم الشرائية والقدرات التحويلية من خلال المحافظة على الودائع المصرفية التي لاتزال مرتفعة، وحافظنا على مصداقية السياسة النقدية، بتكلفة نعتبرها استثماراً، نحن فعلا في مرحلة جديدة شعارها الاصلاح لكننا لا نستطيع تكوين توقعات بانتظار معرفة خطة الحكومة.

* كلفة الاستقرار

* هناك من يقول ان تكلفة سياسة الاستقرار النقدي مرتفعة؟

ـ التكلفة مرتبطة بنسبة المخاطر التي يواجهها لبنان، ومع ذلك إذا قارنا اسعار الفوائد عندنا بأسعار الفوائد في بلدان مصنفة مثلنا بدرجة - من قبل مؤسسات التقييم الدولية، سنجد أن أسعار الفوائد سواء بالعملة الوطنية أو الاجنبية هي أقل، ان الاستقرار بالاسعار هو الذي عزز الثقة بلبنان بما يخفض من الاخطار الواقعية تفرض ان نترك الاسواق تتفاعل مع مستويات الفوائد. انما سياستنا الواضحة تخفف من التكلفة، والتكلفة يسهم في ارتفاعها أو انخفاضها الوضع العام والثقة بالبلاد.

نحن اليوم علي عتبة تأليف حكومة جديدة عنوانها الأصلاح وهذا الأمر وعدت الجهات السياسية الشعب اللبناني به، في الماضي لم يكن هناك قرار سياسي بهذا الموضوع، انما اليوم هناك كلام من كل الفرقاء على ضرورة الإصلاح، نحن من ناحيتنا نعود إلي التذكير بأن الهندسات المالية وإدارة الدين لا تغنيان عن أصلاح بنيوي يلغي العجز في الموازنة. أكيد هذا الالغاء له وقت زمني، ولا يمكن ان يحصل بين ليلة وضحاها، وبانتظار انطلاقة العمل الحكومي في الوقت الحاضر لا يمكننا ان نعمل أي تقييم مستقبلي بهذا الموضوع.

*هل هناك اختلاف في الرأي بينكم وبين دولة رئيس الحكومة العتيد فؤاد السنيوره، وخاصة حول كيفية تثبيت سعر صرف الليرة، وكيف تصفون بصورة عامة علاقاتكم به؟

ـ نحن سنكون متعاونين بما يطلب منا من أجل المساهمة بنجاح دولة الرئيس السنيوره بمهمته، وبمعرفتي به عندما كان وزيراً للمالية، مهما كانت التباينات التي كانت تحصل في بعض الأمور ولم تكن أموراً شخصية، وإنما لها علاقة بمالية لبنان، فإنه لم يكن لديه في أي لحظة تردد للقيام بكل ما هو مطلوب للحفاظ على استقرار صرف الليرة وبعد اغتيال الرئيس الحريري، ولم يكن وزيراً للمالية كان همه ايضاً من خلال الاتصالات التي كانت تجري فيما بيننا ان يطمئن إلى الاستقرار في الوضع النقدي عامة وسعر الصرف خاصة انا اعتقد أن هذه الأمور يجب ان تكون واضحة.

* إلى أي مدى ستظل السياسة النقدية تتعارض مع السياسة المالية ولا تساعد السياسية النقدية؟

ـ السياسة المالية هي الأساس، فبمجرد ما يحصل ضبط للعجوزات في القطاع العام تحرر السياسية النقدية من ضغوطات عناصرها الخارجة عن ارادتها. المهم في هذا الموضوع هو عنصر الفائدة، فعندما يتراجع العجز في القطاع العام يحصل ارتياح اكبر لمزيد من التخفيض في بنية الفوائد في لبنان، وأتصور انه بهذا الإطار سيكون التعاطي مع هذه المسألة.

* خفض الإنفاق

* بعض الخبراء يقولون انه يمكن خفض الإنفاق مليار دولار؟

ـ لا يمكن الركون إلى التوقعات بل إلى خطة وبرنامج متكامل للتوصل لخفض العجز، لان هناك عناصر عديدة تدخل القضية ليست فقفط محاسبية. نحن بانتظار البرنامج المقترح.

* بشكل عام هل أنتم راضون عن الوضع؟

ـ اعتقد ان لبنان قد حافظ على الاستقرار وهذا عنصر ايجابي يضاف إلى التفاؤل الموجود لدينا بصورة طبيعية.

* في الواقع لقد استطعتم في اعقاب عملية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في الحفاظ علي الاستقرار وسعر الليرة اللبنانية رغم كل التوقعات، والتكهنات السلبية. مع ذلك اخذتم تتعرضون لحملات تجريح شخصية من قبل بعض الجهات السياسية وفي وسائل الإعلام. ما هي برأيكم خلفيات هذه الحملة؟ ارجو أن لا يكون ردك: السؤال يطرح، على هذه الجهات.

ـ أنا فعلاً لا أفهم ما هي اسباب أو خلفيات الحملات التي ظهرت بعدما تجاوزنا فترة الخطر بنجاح. اليوم نحن كبنك مركزي وانا شخصياً منفتحون على كل الانتقادات المتعلقة بالسياسات التي نتبعها، انما التجريح الشخصي والذي فيه الكثير من الظلم، بما قيل وبما كتب امر يشير إلى أن الاستهداف لم يعد لعمل مؤسساتي بل لشخص بمفرده، وعندما نفهم ما هي هذه الخلفيات من المؤكد أننا لن نسكت عنها، ولكن فعلاً ليس لدي فكرة لماذا قامت هذه الحملات.

* أبقيتم مصرف لبنان دائماً بعيداً عن التجاذبات السياسية وهذا كان طبعاً لمصلحة الاستقرار النقدي، فإذا بكم تتهمون بأنكم قد انقلبتم على آل الحريري؟

ـ أولاً كانت تجمعني صداقة مباشرة ومتجردة مع دولة الرئيس رفيق الحريري ودامت حتى اللحظة الأخيرة.

ثانياً لديّ كذلك علاقة عائلية مع بيت الحريري تمتد لأكثر من 19 عاماً، وأعتقد أن آل الحريري اشمأزوا من الإشاعات التي تعرضت لها. بالفعل طلب الشيخ سعد الحريري عقد اجتماع معه بعد هذا الكلام الذي طلع، وأراد بذلك أن يبين علناً أن هذه الأمور غير قائمة في بيت الحريري.

*.. بعيداً عن السياسة

* هل عرض عليك مقعد وزاري؟

ـ كلا لم يعرض عليّ ولا أنا طالبت، ففي التشكيلات الوزارية تطرح أسماء عدة لكن هذا الأمر غير وارد، وأنا بعيد عن هذا الموضوع.

* هل تعتبرون أن حملات مماثلة في حال استمرارها ستكون لها تداعيات سلبية على الوضعين النقدي والاستثماري في لبنان؟

ـ نتأمل أن يبقى المنطق هو السائد والأعمال هي أفضل شاهد على الشخص عامة وعلى المؤسسة.

اليوم صارت هناك مصداقية لتجربة 12 عاماً، وهناك ثقة موجودة يلمسها من في الأسواق من خلال تحركنا بهندساتنا المالية وطريقة تجاوب السوق معنا، أعتقد أنه من الصعب من خلال حملات غير صحيحة أن يكون هناك تأثير لهذا الأمر، وأنا لا أريد أن استعمل هذا الضرر ليكون مانعاً ليعبّر أي واحد عن رأيه، ولكن يجب أن نترك لضمير كل مواطن أن يقرر إذا كانت هذه الأمور التي تحكى صحيحة أم لا.

* قضية بنك المدينة

* في جملة ما تطرقت إليه هذه الحملات قضية بنك المدينة.. هل يمكن أن توضحوا للرأي العام دور مصرف لبنان في هذه القضية وكيف عالجها؟

ـ في العام الفين تبين أن حركة بنك المدينة في سوق القطع غير اعتيادية، فطلبت من لجنة الرقابة أن تكشف على هذا المصرف، بالفعل أعدت تقريرها في أغسطس من ذلك العام، وتبعه مقابلة مع إبراهيم أبو عياش الذي كان رئيس مجلس إدارة البنك، حيث استفهمنا عن أسباب هذه الحركة، وأشرنا إلى التجاوزات التي كانت موجودة، وكانوا نسبياً قادرين على حلها بشكل سريع، كانت الإرادة متوفرة، وأتى في ما بعد تأكيد خطي من قبل أبو عياش على تصحيح الوضع.

في العام 2001 عاد المصرف إلى تصرفات غير طبيعية في سوق القطع، فطلبنا مجدداً من لجنة الرقابة إعداد تقرير بهذا الشأن قامت بتسليمه في مارس، وبعد أسبوع على تسلم هذا التقرير أحلنا المصرف على الهيئة المصرفية العليا، الالتباس هو أن طريقة الحكم بالتصرف قانونية، حينما يريد أن يتابع بشكل جازم أوضاع مصرف مخالف، وتقضي بإحالته على الهيئة المصرفية، التي تصبح مولجة بالملف وتتابعه.

هذه الهيئة قضائية، ويترأسها الحاكم وقراراتها غير قابلة للمراجعة، وقد تصرفت بشكل قانوني أيضاً ولمصلحة لبنان، وكان لديها توجيه أولاً لضبط أمور المصرف وثانياً عدم زعزعة الثقة بالنظام المالي من خلال معالجة سرية وهادئة لأمور البنك. لقد سبق اجتماع الهيئة اجتماع مباشر مع الدكتور عدنان أبو عياش، الذي هو المموّل الأساسي للمصرف وصاحبه، حيث نقلت له أنا شخصياً ما لدينا من شكوك في ما يتعلق بالمصرف، وكان رافضاً القبول بها. وأوفد كممثل شرعي رسمي له للهيئة المصرفية رنا قليلات.

الهيئة طلبت تعيين مدقق خارجي إضافي للبنك وقام بوضع تقرير عن أوضاعه بصعوبة لأنه لم يكن هناك تعاون معه، وحينما أنجز تقريره تعهدت الجهة المالكة للبنك بتغطية العجوزات المالية الموجودة، وكان هناك أكثر من 35 جلسة للهيئة المصرفية لمتابعة أوضاع البنك، طلب خلالها من صاحب العلاقة تغيير الإدارة، ولكنه لم يفعل، وطلب منه أموال دفعها لغاية ما وصلنا إلى وضع من الانخفاض في السيولة أوجد تشويشاً على المصرف، وكان ذلك في أواخر 2002.

في بداية العام 2003 قمنا بتحرك بشكل أوضح وأقوى، لأن القانون أصبح يسمح لنا بالدخول في البنك وفي محاسبته، كما أحلنا الأمر إلى القضاء أيضا إضافة إلى الهيئة المصرفية، وتعهد صاحب العلاقة الدكتور عدنان أبو عياش بوكالة مسجلة لدى كاتب العدل بتغطية كل العجوزات في المصرف، ولاسيما أعمال رنا قليلات، وحول لها أموالاً بموجب هذا الكتاب، كما طلب منّا التراجع عن جميع الدعاوى المقامة ضدها.

ـ ينشر بترتيب مع مجلة «الصياد» اللبنانية .

كتب حسان الخوري