أصبح عمر «دراكولا» اليوم 83 عاما، لكنه لا يزال بيننا ويتحدث على الرغم من شيخوخته. وقد كان موجوداً باستمرار في ذاكرة الجمهور ووجدانه. أدواره تنوعت بين الميلودراما، التي تكاد نكون نسيناها، مثل أفلام الرعب الكلاسيكية في الأربعينات وأفلام جيمس بوند، وصولا إلى أحدث أعمال «سيد الخواتم» و «حرب النجوم» الجزء الثاني وأخيراَ «حرب النجوم» الجزء الثالث الذي أطلق في دور العرض أخيراً.

في هذه المسيرة كانت هناك نجاحات هائلة مثل «الحياة الخاصة لشرلوك هولمز» وكبوات مؤلمة مثل «1941» لستيفن سبيلبرغ وأعمال من الأفضل أن ننساها مثل «أكاديمية الشرطة: مهمة في موسكو» و «تشارلز وديان: قصة حب ملكية» وأخرى نسيناها دون مبرر مثل «جناح» الذي يعتبره أعظم أدواره.

وهناك أفلام لن يعرفها المرء ان لم يكن ألمانيا أو ايطاليا «خصوصا وانه يتحدث سبع لغات». غير ان ذلك ليس إلا لمحة من حياة غنية بأحداثها، يصفها بنفسه في مذكراته «سيد الأحكام الخاطئة» باعتباره «ممثل عامل».

عن مذكراته تلك، لا يستطيع كريستوفر لي ان يقول شيئا الآن، لأنه وقع عقداً للنشر يتضمن شرطا يمنعه عن البوح بشيء عنها، لكن ما رآه الجمهور هو الكونت دوكو يخوض قتالا عنيفا بالسيف الضوئي مع يودا في مشهد يعتبر الأفضل في كل أجزاء «حرب النجوم» حتى الآن.

يقول إنه في هذه المرة «كان لدي عمل أقل لأقوم به، وأنا شاكر جداً لهذا الأمر، فقد استخدموا بديلاً لي في اللقطات المطولة لأن ما عدت قادراً على الركض، أما مشاهد القتال فكنت أقوم بها بنفسي، بل إنني تعرضت لإصابة قبل البدء بالتصوير مباشرة، لهذا كان الأداء الجدي من العمل مرهقاً جداً».

غير أن كريستوفر لي يفضل بالتأكيد دوره الكبير الآخر الذي قام به أخيراً وهو في فيلم «سيد الخواتم». وعن ذلك يقول: «قلت لهم قبل عرض الفيلم في دور السينما إنه سيكون نقطة مهمة في تاريخ السينما.

لقد صنفوه بطريقة مبتكرة جداً، لكن العمل كان مضنياً جداً، ربما أكثر عمل مضن ومتعب شاركت به طوال حياتي» غير أن لي أدهشه جداً أيضاً أن يعرف أنهم استبعدوه في الجزء الثاني «عودة الملك».

يقول: «شعرت بالصدمة، ليس لأني أنا، الممثل، فقد دوره، بل لأن الدور في أهمية حاسمة للقصة، وكل من شاهد الجزء الأول في العالم كان ينتظر لمعرفة ما الذي سيحدث لهذه الشخصية في الجزء الثاني. ملايين الانتقادات في الانترنت والصحافة حول العالم احتجت على هذه الخطوة».

ولد كريستوفر لي في لندن عام 1922 لأم أرستقراطية من أصول إيطالية وأب جندي من أصول غجرية، وكانت حياته دوماً تعرف المد والجزر، السهولة والصعوبة. أبوه ترك عائلته مبكراً، كما أن دراسته انتهت في الـ 16 عاماً، حين تركهم زوج أمه بعد أن أفلس، مما أجبر لي على العمل في وظيفة فراش. في الحرب العالمية الثانية أصبح ضابطاً في القوات الجوية، وحين انتهت كان ضابطاً في المخابرات.

السنوات شكلت مواقف قوية في لي، لكن هذا يعني أن تستطيع وصفه بأنه غير منفتح العقل، وإنما بالرجل الذي لديه أفكاره. أحياناً تحس بأنه غير مرتاح لكونه ممثلاً، لكنه يقول: «لا! أنا لم أشعر بالإحراج لأني كنت ممثلاً. أمي كانت تشعر بالحرج. أما أنا ففخور جداً لأني ممثل».

أياً كان موقفه، فقد أمضى لي السنوات العشر الأولى من عمله كممثل وهو يقابل بالرفض لأنه «طويل جداً، وأجنبي، وغريب». بعدها حصل على دور صامت لشخصية مسخ في فيلم «لعنة آينشتاين» عام 1957 في أول عمل قدمه لشركة هامر البريطانية للإنتاج السينمائي.

حينها وصف الفيلم بأنه فيلم رعب، مع أنه مقارنة بما تشهده السينما الآن في خانة أفلام الرعب، فهو لا يمثل أكثر من مزحة، غير أن هذا الفيلم كان بداية تغير حياة لي المهنية في السينما. «كان مخلوقاً مسخاً مشوهاً يقول أحدهم قال لي إن الشخصية تشبه إنساناً تعرض لحادث سيارة، بالفعل كان مصيباً في تشبيهه».

دور دراكولا الذي قدمه في العام التالي ترك وقعاً أكثر في الأوساط السينمائية. دور مصاص الدماء الذي لعبه لي في الفيلم كان ست دقائق في مجمله، (أما باقي الدور فقام به، كما في فيلم فرانكشتاين، بيتر كوشنغ) غير أن هذه الدقائق كانت كافية لأنها على أقل تقدير قدمت للجمهور ما أسماه محمد علي كلاي (أحد المعجبين بلي) الطلة: الحاجبان المرفوعان والفم القاسي والنظرة الحادة المباشرة.

بالنسبة للي، كان الفيلم لعنة أكبر من لعنة فرانكشتاين في النهاية، وخصوصاً مع السيدات، مع أنه في البداية كان نعمة. وهو شيء يقول إنه لم يفهمه في البداية، غير أنه أدرك في النهاية ذلك الشرخ الذي أحدثه الفيلم في شخصيته حتى مع أكثر النساء تحرراً.

النعمة كانت بالتأكيد هي سيل عروض العمل التي بدأ يحصل عليها. فقد بدأت شركة هامر تنتج المزيد من الأفلام من أهمها «المومياء» عام 1959، وأيضاً مع كوشنغ، إلى جانب ثمانية أفلام تحمل دراكولا إضافة لأفلام أخرى عن مصاصي الدماء، كثيرة جداً لدرجة أنه حتى أواخر الستينات كانت العروض لا تزال تأتيه، لكنها كلها كانت تنصب على النمط نفسه من الشخصية.

كانت دورة العمل لا تتوقف عند لي، ربما لأن عتبة الملل عنده منخفضة جداً، على الأقل منخفضة جداً بالنسبة للمسرح أو المسلسلات التلفزيونية، لدرجة أنه أمضى أربعة أشهر كاملة عاطلاً عن العمل.

يقول: «شاركت في أفلام ما كان يجب أن أعمل بها، ربما لأنهم قالوا لي إن نجوماً آخرين يعملون بها وأحياناً لأنني ممثل عامل والدور جيد. لم أكن أعرف ما سيكون عليه العمل حين ينتهي».

ولحسن الحظ، دائماً ما كان هناك ملعب غولف قريب حين يواجه لي فشلاً: «التمثيل كان جيداً بالنسبة لي، فقد أخذني إلى لعب الغولف في كل أنحاء العالم». وبالطبع، فإن العزاء الآخر هو أن الفيلم سيختفي للأبد طالما يخرج من دور السينما. لكن هذه لم تعد هي الحال مع ظهور الـ «سي دي» والـ «دي في دي».

يقول: «وماذا عن هذه؟» من بين الأفلام التي عادت لتنغص عليه حياته بعد أن اعتقد أنها اختفت للأبد هناك «يوجين: قصة رحلتها إلى الانحراف». يقول: «آه، يوجين. كنت راوي قصة المركيز دي سار، لا أتذكر العنوان... أمضيت يومين في العمل ببدلتي وقدمت دوري صوتاً وانتهى كل شيء. ما لم أعرفه هو أنهم نزعوا ملابسهم بعد أن غادرت».

غير أن هناك فيلمين عكسا السيرة. الأول هو «الحياة الخاصة لشرلوك هولمز» لبيلي ويلدر الذي يقوم فيه لي بدور شقيق المحقق الشهير. أما الفيلم الثاني «الرجل الماكر» فكان كما يقول «أفضل فيلم عملت فيه». الفيلم الذي أنتج عام 1973 يسرد قصة رعب لأناس وثنيين في جزر اسكتلندية يقوم فيه بدور رجل في السبعينات من عمره ومع ذلك يتلذذ بدهائه وشره.

ترجمة : جلال الخليل