من المثير للدهشة أن المؤسسات المالية الغربية هي التي تساعد على انتشار التمويل الإسلامي والمنتجات المصرفية الإسلامية في العالم. فمنذ فترة غير طويلة كانت القيود الدينية تعني محدودية التمويل الإسلامي، لكن في الفترة الأخيرة انطلقت كل الخدمات المالية والمنتجات المصرفية من مؤسسات مالية ومصارف تعمل حسب الشريعة الإسلامية.
منذ إعلان مؤسسة البحرين للنقد أن سيتي بنك، والمؤسسة الأميركية سيتي جروب سوف ترتبان إصدار صكوك إسلامية بقيمة 250 مليون دولار للمستثمرين خارج منطقة الخليج لأول مرة.
وأقامت بضعة بنوك دولية فروعاً أو وحدات للتمويل الإسلامي، وتحاول مؤسسات مالية على جانبي المحيط الأطلسي استهداف شريحة من المسلمين بخدمات الرهن العقاري وتمويل شراء السيارات. ومن سنوات قليلة أقام داو جونز مؤشرات لسوق الأوراق المالية تضم الشركات التي تعمل وفق الشريعة الإسلامية.
وهناك ثلاث قواعد تجعل التمويل الإسلامي يختلف عن التمويل الغربي. أولاً الحظر الصريح للاستثمار في أنشطة تتعارض مع الشريعة الإسلامية مثل المقامرة والمشروبات الكحولية ولحم الخنزير.
وثانياً الحظر التام للربا، أو الفوائد بالتعبير الغربي. وثالثاً الحسابات الجارية أو الادخارية ذات الفوائد الثابتة، وكذلك التأمين، إلا في حالة التأكد من استثمار عائدات الأقساط في الأنشطة الشرعية.
لكن كيف يمكن تفسير هذه المفاهيم؟ يقول محمد الجمال الأستاذ بجامعة ريس في تكساس إن القانون التجاري الإسلامي في فحواه قانون شائع، ويأخذ مبادئه من القرآن، لكن عملياً يعتمد على السوابق التي وضعها الفقهاء على مدى القرون. ولأنه ليس هناك نص مكتوب للفقه الاقتصادي الإسلامي فقد تختلف التفسيرات كثيراً.
وغالبية صفقات الإقراض الافتراضي الإسلامية تقوم على فكرة المشاركة في كل من الربح والخسارة أو المخاطرة. مثلاً يحصل المودعون أصحاب الحسابات الاستثمارية في البنوك الإسلامية على نصيب من الأرباح على ودائعهم، وليس على فوائد. وبدلاً من أن يمنح البنك قرضاً لشراء سيارة يشتري هذه السيارة لحساب العميل ثم يبيعها إياه مع ربح منها.
والرهونات الإسلامية تقوم على الأساس نفسه، فالمستفيد يدفع للبنك الأقساط على سبيل الإيجار، وليس الفوائد، حتى ينتقل العقار إلى ملكيته بعد انتهاء السداد. وغالباً تتماشى هذه الأرباح مع سعر الفائدة التقليدي.
ورغم انتشار هذه الممارسات، فإن هناك جدلاً حولها، وهناك ابتكارات جديدة مثل صناديق التحوط الإسلامية تطبق تقنيات تجارية تقوم على الشريعة الإسلامية. لكن الجمال يقول ماليزيا التي لديها سوق نقدية إسلامية متقدمة، أصبحت أكثر محافظة أخيراً بسبب رفض العالم العربي وباكستان لهذا النوع من النشاط التجاري.
ولذلك تم إنشاء مجلس الخدمات المالية الإسلامية في كوالالمبور في عام 2005 لتنظيم الخدمات المالية الإسلامية والهدف الآخر من إنشاء هذا المجلس هو توحيد معايير التمويل الإسلامي حتى تأخذه الهيئات التنظيمية الغربية في الاعتبار.
* بريطانيا
يزداد عدد الشركات والبنوك التي تقوم بخدمات في سوق التمويل الإسلامي في بريطانيا التي يقطنها 8,1 مليون مسلم، ويقول الخبراء ان المنافسة سوف تشتعل بين مؤسسات مالية أخرى تعتزم اجتذاب العملاء المسلمين. وقد أطلق لويدز تي. إس. بي خدمة حساب جار إسلامي أخيراً، بما يعني أنه لا يعطي فوائد أو يوفر خدمة السحب على المكشوف لأجل بالفوائد.
وإعلان البنك عن ذلك يعني أن التمويل الإسلامي دخل سوق الخدمات المصرفية بالفعل. لكن السوق لا تزال محدودة، حيث قدرت مؤسسة داتا مونيتور ان حجم سوق الرهونات العقارية حسب الشريعة الإسلامية سيبلغ 5. 4 مليارات دولار بحلول العام المقبل.
ويقول شير خان رئيس العلاقات العامة في المجلس الإسلامي البريطاني ان مزيداً من المؤسسات تسعى إلى خدمة العدد المتزايد من المسلمين من الطبقة الوسطى الذين يريدون الادخار وخدمات مالية أخرى حسب الشريعة الإسلامية، وكانوا يبحثون عنها ولا يجدونها لكن الأمر اختلف الآن مع انتشار الخدمات المالية حسب الشريعة الإسلامية.
غير أن هناك بعض العقبات تعترض هذه الخدمات، حيث يقول أمجد علي رئيس وحدة «أمانة» التابعة لبنك إتش. إس. بي. سي ان من العقبات نقص الوعي بين الناس حول ماهية التمويل الإسلامي، فضلاً عن القلق لأن المؤسسات المصرفية الكبرى ليست إسلامية.
والعقبة الأخرى أن الخدمات المالية المتخصصة يمكن أن تكلف أكثر وقد لا تكون في المتناول بالنسبة لبعض العملاء بسبب ذلك.
وتتبع الرهونات الإسلامية التي تقدمها مؤسسات مثل «أمانة» والبنك الإسلامي البريطاني، أول بنك إسلامي في بريطانيا، قواعد الشريعة الإسلامية لأن البنك يشتري المنزل لصالح العميل، ويدفع الأخير ثمن المنزل على دفعات فضلاً عن الإيجار، وفي النهاية يشتري المنزل من البنك وتنتقل الملكية إلى العميل.
وكثير من الرهونات الإسلامية تكلف أكثر من الرهونات التقليدية وتتطلب إيداعاً بنسبة 30% من القيمة، مقابل 5% في حالة الرهونات العادية. غير أن تزايد المنافسة يعني انخفاض نسبة الإيداع إلى 10% فقط، كما يفعل بنك إتش. إس. بي. سي، الذي كانت وحدة «أمانة» أول بنك إسلامي في بريطانيا يقدم صندوق معاشات يستهدف المسلمين.
ولا يحتفظ البنك بالأسهم في الشركات التي تعمل في مجالات تمثل مشكلات أو مخالفات شرعية مثل المقامرة والمشروبات الكحولية وغيرها من المحرمات. بل يستثمر البنك في أكبر مئة شركة تعمل في أنشطة تقرها الشريعة الإسلامية. ويتم التبرع بالعائدات التي تأتي من أنشطة غير شرعية مثل أرباح وكالة إعلانات عن شركة ذات نشاط غير شرعي، للأعمال الخيرية.
وفتح البنك الإسلامي البريطاني، الأول من نوعه في بريطانيا العام الماضي ويقدم خدمات الحساب الجاري وحساب التوفير والترتيبات المالية بدلاً من القروض. ويستخدم البنك الأموال التي كانت فوائد على حسابات العملاء في البنوك التقليدية، لشراء سلع خاصة كالمعادن ويبيعها ليحقق أرباحاً تضاف شهرياً إلى حسابات العملاء بدلاً من الفوائد.
ويقدم البنك كمية مستهدفة بدلاً من دخل على المدخرات، وهناك قواعد لتقسيم وتوزيع الأرباح تشمل غطاء لما يستطيع أن يأخذه البنك. ووتقدم مؤسسة فيش جروب خدمات وساطة في تجارة الأسهم لإرشاد المسلمين إذا كان هذا النشاط يتماشى مع الشريعة الإسلامية، فضلاً عن تجارة الأسهم، فيما تدير «أمانة» محفظة استثمارية لصالح العملاء المسلمين.
إعداد: أشرف رفيق