إذا ما صدقنا نظريات جيل ليبوفتسكي، أحد أشهر علماء النفس الفرنسيين المعاصرين، فإن لا شيء في دنيانا بمعزل عن «التمريك». والتعبير الأخير اشتقاق من الصياغة الفرنسية «ماركة» أو علامة تجارية، بحسب الترجمة العربية الأدق. يريد ليبوفتسكي أن يوهمنا، وربما كل الحق معه.

أن الأمر لن يقتصر بعد الآن على أزيائنا وعطورنا والالكترونيات الاستهلاكية التي نتعامل معها وأسماء المقاهي التي نتسامر على طاولاتها، بل سيمتد الهذيان «بالماركة» إلى كل شيء. في دبي، وحدها بين المدن العربية، بالإمكان التدقيق في نظرية عالم النفس الفرنسي بأريحية وهدوء، كون المدينة أتونا حقيقياً تعتمل فيه صيحات وصرعات وآخر مستجدات التسويق فكرا وتطبيقا.

ولا يحتاج الأمر إلى كثير تدقيق لتبيّن الوطأة الهائلة للعلامات التجارية على سير الحياة في مدينة باتت هي ذاتها علامة تجارية معروفة وجاذبة.ولن يقتصر الأمر بالطبع على السلع ولا الخدمات ولا الأمكنة، فبوسع البشر أيضا أن يتحوّلوا إلى «ماركات» مسجّلة.

قد يكون ذلك معروفا منذ القدم ضمن حركة «النجوم» و«المعجبين»، لكنّ الأمر كان، غالبا، ما يقتصر على الفنانين أو مشاهير العلماء. في دبي أمر آخر: بعض الطهاة، في مطاعم الفنادق الفخمة، يتمتعون بنجومية وصيت ذائعين يجعلان «توقيعهما» على أي طبق يقومان بتوليفه مسببا أساسيا لنجاح الوصفة ورضا الزبون.

وإن تسنى لك تجاذب الحديث مع أحدهم لا بد أن تلاحظ قبل أي أمر آخر ذلك الشغف الذي يتحدث به عن طريقته بإعداد الطعام وعلاقته بكلّ مكوّن أساسي أو تفصيلي. إنه ذلك الشغف ذاته الذي يتحدث به سوناتو فيرساشي عن ماركته أو بيل غيتس عن «مايكروسوفت».

لا فرق هنا، سوى أن الشيف، المهندم غالبا بردائه الأبيض النظيف، يفضّل أن يطلق على نفسه لقب «فنّان» بدل «طبّاخ». فتلك الفئة من الطهاة، التي يطلق عليها تحببا اسم «براند شيف»، أي «طهاة ذوو علامات مسجّلة»، تحرص على تقديم الأطباق الخاصة لنوعية خاصة من عملاء المطاعم الخاصة بطريقة خاصة جدا. نعم، «الخاص» هو كلمة السر والمفتاح الرئيسي.

* «أعرف كل ما يسبح»

يعرفه الجميع باسم «العم ستانلي». إنه «الدينامو» الرئيسي في مطعم «سي فود ماركت» Sea Food Market في فندق «لو مريديان دبي». عيناه الصينيتان الصغيرتان لا تتوقفان عن الضحك طوال الوقت. يجول بين الزبائن كمن يعرفهم منذ زمن طويل. بالفعل، افتتح ستانلي ماركوس المطعم لأول مرة في العام 1992 وكان قبل ذلك يدير مطعم «السي فود» في فندق «إنتركونتننتال» بدبي والذي أسسه أيضا بنفسه.

لديه خبرة طويلة تمتد عشرات السنوات «بكل ما يسبح». له الفضل في إدخال الكثير من الصنوف إلى المطعم الشهير الذي يختص بتقديم المأكولات البحرية غالية الثمن ويذيع صيته في الدولة وخارجها ويأكل على موائده التي تتسع لأكثر من 150 زبونا كبار الشخصيات من الساسة ونجوم المجتمع: «هنا يأكل الشيخ... ورئيس الدولة... والنجم...» يعدد لائحة من الأسماء التي يطلب عدم نشرها «حفاظا على الخصوصية».

في هذا المطعم، الذي يعتبر الأشهر من بين 14 مطعما مختلفا يضمها فندق «لو مريديان» من العادي أن تبلغ قيمة فاتورة إحدى الطاولات أكثر من 27 ألف درهم، فعلى لائحة الطعام نقرأ أن كيلو الكركند الاسترالي يبدأ من 320 درهما، أما كركند بوسطن فهو أرخص بقليل إذا يبلغ الكيلو منه 306 دراهم.

الميزة الأهم في المطعم أن الزبائن يختارون الكركند أو السمك، أو ما يرغبون به من المخلوقات المائية، وهي لا تزال حيّة ترزق، قبل أن تختفي لوقت في المطبخ المكشوف للخارج بزجاج شفاف وتعود في أطباق واسعة مطهوة بطريقة الشيف نيم فات كوا، كبير الطهاة في المطعم، الشهيّة والفريدة من نوعها: «علمتني خبرتي أن الزبون، حين يأتي دور المعدة، لا يسأل كم يدفع لقاء حصوله على طبق شهيّ يستلذّ به».

* آيس كريم الكركند

لا علاقة بين سنّ الشيف «ماتياس دايذر» طاهي المطعم الفرنسي الفخم «لا بي» La Baie في فندق «ريتز كاريلتون» بدبي، وبين خبرته. فهو لا يزال صغير السن، لكنه يقول إنه قد بدأ الطبخ حين كان في الثالثة عشرة من عمره. عمل في مطاعم عالمية ذات أسماء شهيرة، مثل «ميشلين»، قبل أن يتحوّل بذاته إلى اسم شهير يقصده زبائن المطعم للتمتع بذوقه و«نفسه» في إعداد الطعام.

يصف طريقته بالطهو بأنها بسيطة وخفيفة وترتكز على أسس المطعم الأوروبي الأنيق والراقي. يعتقد أن فريق عمله هو سرّ نجاح مطبخه الذي يضع فيه طاولة وكرسيين يستضيف عليهما زبونين كل ليلة: «يجلسان في المطبخ ويقومان بإعداد الطعام معي» ولا يخفي «قلقه» من بعض الزبونات اللواتي يظهرن عن مقدرة عالية في الطهو «فيشتعل التنافس».

كما يقول ضاحكا. يصف فاكهة مطبخه بأنها «حساسة» جدا. في واقع الأمر، ليست الفاكهة وحدها هي الحساسة في مطعم «لا بي» في «ريتز كاريلتون» فالأسعار التي تحويها قائمة الطعام على درجة عالية من «الحساسية» أيضا، إذ هي تتراوح بين 400 و500 درهم للطبق الواحد ويرتفع هذا الرقم بالتأكيد إذا ما قرر الزبون التلذذ بالأطباق الخمسة التي تقدم ضمن عشاء واحد على مدى ساعتين من الوقت:» مطبخنا يقدم ستة أطباق متتابعة تبدأ من البارد إلى الساخن.

مطابخ أخرى، كالألماني مثلا، تقدم تسعة أطباق في الوجبة الواحدة، وهذا كثير باعتقادي». السعر المرتفع أحد أهم خصائص «الماركة» المؤثرة، ودلالة على فخامة المطعم وخصوصيته وكذلك براعة «البراند شيف». ولكن، لماذا يدفع أحدهم أكثر من 400 درهم ثمن قطع طعام قليلة في طبق واسع؟ للشيف نظريته التي تذكر بنظريات بائعي السلع الفاخرة وعبارتهم الشهيرة: «أنت لا تشتري منتجا، أنت تشتري ماركة».

يقول ماتياس: «أنت لا تأكل مجرّد طعام. لن نتكلّم هنا عن المذاق اللذيذ فقط. خلف إعداد هذه النوعية من الأطباق هناك جهد طويل قد لا يتصوره البعض. لقد عملت طيلة 6 سنوات من أجل ابتكار طبق آيس كريم الكركند. وحين أقوم بإعداد هذا الطبق للزبون كل ليلة تستوجب جهوزيته ما لا يقل عن 6 ساعات.

ولا يجب أن ننسى أن هناك مكونات خاصة للوجبات التي نقدمها نستوردها من ألمانيا وفرنسا واستراليا وغيرها». وكما يعرف الزبائن الشيف، فهو أيضا يعرفهم ويستطيع أن يصفهم قائلا: «إنهم فئة من الناس يتذوّقون الطعام بشكل جيّد. يعرفون أسراره وكيف يتعاملون معه. هم ببساطة ذوّاقة»!.

دبي ـ «البيان»