«مفاجآت صيف دبي» للعام الثامن على التوالي. مدهش في كل مكان، لكنّ المدهش أكثر هو ذلك البريق الذي بدأ يتكوّن حول اسم المهرجان والصيت الذي صار ذائعاً في كل مكان، في الداخل والخارج. صدور المسوّقين، على عكس حرارة الجوّ الآخذة بالارتفاع، مثلجة.
فالصيف لم يعد موسم كساد وترويج منتجاتهم، مهما كانت طبيعتها السلعية أو الخدماتية، يجد فرصة ذهبية في هذا الموسم، وهو ما تعكسه الأرقام التي تتفحص نموّاً متحققاً في قطاعات اقتصادية رئيسية بينها الأطعمة والأشربة والمجوهرات والفنادق والصيارفة والخدمات المتنوعة.
خبراء بناء العلامات التجارية وتحليل سطوتها وأثرها وقيادتها لخيارات الاستهلاك بدأوا، من جهتهم، يحكّون رؤوسهم ليخرجوا من مرحلة تأمّل الظاهرة، التي ظلوا حبيسيها في السنوات الماضية، إلى مرحلة التحليل والتدقيق ووضع المقترحات وطرح الأسئلة. السؤال الذي تتداوله «الأوساط التسويقية»، في هذه الأيام التي تشهد بداية دوران عجلة المهرجان.
هو التالي: هل «مفاجآت صيف دبي» أو DSS، كما هو الاختصار الأجنبي، باتت علامة تجارية قائمة؟ Is Dubai Summer Surprises a brand?قد يسأل سائل وما دخل «المفاجآت» بالعلامات التجارية؟ فنحن لا نتحدّث هنا عن اسم سلعة مثل «كوكاكولا» أو «ستارباكس» أو «نايكي».
بل عن حدث موسمي يحشد الناس والشركات في بوتقة من الفعاليات الجذابة. الإجابة في سؤال آخر: من قال إن العلامات التجارية ليست سوى للسلع؟ الكثير من الفعاليات حول العالم تتمتع بأسماء يتمنى الكبير قبل الصغير احتواءها على «تي شيرت» يرتديها أو «ماغ» يشرب فيه قهوة الصباح.
هل يكفي ذكر «الأولمبياد» (Olympics) في هذا السياق؟ ماذا عن «كأس العالم» (world cup)؟ هناك الكثير غيرها من أسماء الفعاليات التي تحولت إلى علامات تجارية بارزة: Montreux Jazz Festival، المهرجان الشهير الذي تحتضنه فرنسا سنويا منذ العام 1967، New Orleans Mardi Gras، كرنفال الشارع الذي تشتهر به ولاية «نيو أورلاينز» الأميركية .
وترجع بداياته الأولى إلى العام 1872 ويستقطب مئات آلاف السواح من دول العالم كافة كل سنة، ولا ننسى German Oktoberferst الحدث الألماني السنوي الشهير.. تلك عيّنة من أسماء لفعاليات صارت علامات تجارية، توصف بالانجليزية بevent brand.
إنها في واقع الأمر «سوبر براند» وليست «براند» عادية. هذا يعني أن ذكر اسم أحدها في أي مكان في العالم يجد من المعرفة والوعي به ما يجعله يستحق تسمية «براند». هل بالإمكان إدارج DSS ضمن هذا التصنيف؟يعتبر هيرمين بيهرينس، خبير بناء العلامات التجارية ومدير مؤسسة Entreprise IG ME، أن أربعة أسئلة تحدد إجاباتها تصنيف DSS كعلامة تجارية أم لا. الأسئلة هي التالية:
هل هناك وعي كامل awareness بمفاجآت صيف دبي من قبل الجمهور المستهدف؟
ماذا تعني كلمة DSS بالنسبة إلى الجمهور؟
هل يحظى DSS، كما العلامات التجارية الأخرى، بقيمة تجارية؟
هل هناك أشخاص مستعدون لإنفاق مبالغ مالية لقاء شراء بضائع عليها لوغو DSS؟
* «إنهم ينادون على مدهش»
لا وجود لعلامة تجارية إذا لم يتوافر عنصر رئيسي وهو وعي الفئة المستهدفة من الجمهور بهذه العلامة وتحديداً بما يعرف «وعد العلامة التجارية» أو brand offer. هذا يعني الآمال والتوقعات التي تخطر على بال الجمهور كل مرة يستدعي فيها ذكر العلامة.
المرح، الصيف المسلي، طرد شبح الملل، الفعاليات المتنوعة، الزهور، الحلويات، الثلج، حسومات الأسعار، الجوائز، وبالطبع ذلك الشكل الكرتوني الظريف الذي يزحف في كل مكان بلونه الأصفر المبهج: «مدهش»®. تلك هي التداعيات العفوية التي ستخطها يدك إذا امتشقت ورقة بيضاء وعنونتها بخط عريض في الوسط ب DSS .
تاركا العنان لفكرك لاستقدام التداعيات بعفوية وتسطيرها في بياض الورقة. الوعي بوعد العلامة متحقق إذا وبدرجة عالية في أرجاء الدولة كافة، حيث ينادي الأطفال، من هم دون الثانية عشرة من العمر تحديدا، على مدهش، رمز العلامة، في كل مكان. في المملكة العربية السعودية، قطر، عمان والبحرين لا تختلف الصورة.
وتشهد على ذلك الأرقام التي تتحدث عن 5. 1 مليون زائر أتوا إلى دبي في الموسم الماضي بينهم 60 إلى 70% من مواطني ومقيمي دول مجلس التعاون الخليجي.ويوافق خبراء العلامات التجارية على أن تلك الحقائق جيّدة لضمان عنصر «الوعي بوعد العلامة»، إلا أنهم يضعون خطا تحت استقلالية علامة DSS عن اسم دبي أو حتى التجربة الملهمة الأخرى DSF:» باعتقادي الخاص.
كلما ابتعدنا عن دائرة دبي باتجاه المنطقة والعالم يضعف الوقع الذي لاسم DSS بوصفه علامة مستقلة، ويصبح الرابط واضحا باسم دبي، فيغدو المهرجان في نظر الناس «مهرجانا صيفيا يحدث بدبي» من دون أن يتذكروا بالضرورة اسمه كعلامة قائمة بذاتها. من جهة أخرى.
اعتقد أن ذلك الوعي لا يتحقق خارج دبي إلا في مواسم المهرجان فقط وليس على مدار السنة، وهو أمر ضروري للحديث عن علامة تجارية راسخة.يقترح الخبراء إذا صيغة ترويجية تجعل من DSS اسما متداولا خارج مواسم المهرجان المعتادة وطيلة أيام السنة، فذلك ضروري لترسيخ بناء العلامة التجارية.
* قياس الولاء العاطفي
من الضروري، في حالة العلامات التجارية، قياس الولاء العاطفي الذي يكنّه الجمهور لهذه العلامة. المرح والإثارة والترفيه هي الرسائل التي تعبّر عنها علامة DSS، أو ما يعرف ب brand promises. وإذا كان الإقبال الكبير على فعاليات المهرجان من شرائح المجتمع المختلفة مؤشر رئيسي على ولاء ما يكنّه الجمهور لهذه العلامة، فمن الضرورة التوقف عند الطريقة التي يتم بها التقاط هذه الرسائل من قبل كل شريحة على حدة:
كيف يفهم الأطفال DSS، هل هناك ذلك الرابط الخفي الذي يجمع بينهم وبين العلامة كما علامات أخرى محببة إلى قلوبهم في دنيا الترفيه واللعب؟ وما هو الرابط بين العلامة وإحساس الأمهات المسؤولات، غالبا، عن السلوك الترفيهي للأبناء والمتطلبات الاستهلاكية الخاصة بهم؟ ماذا عن الآباء، هل يتم التوجّه إليهم من ضمن رسائل العلامة أم أنهم مهملون؟ أسئلة مطروحة للنقاش وإجاباتها، مرة أخرى، معيار رئيسي للتصنيف.
* قوة الاسم
قد يكون من غير المنطق الحديث عن قيمة تجارية للعلامة DSS، أو ما يعرف بالـ Brand Value، وهو ما يعني اعتبار العلامة التجارية مثل الأصول المعنية واحتساب القيمة التجارية التي يمثلها الاسم بمعزل عن النشاطات الاقتصادية المرتبطة به. نقول من المبكر، لأنه لا علامة تجارية في العالم العربي، حتى اليوم، قد خضعت لعملية التقييم تلك.
وبالرغم من كون قوة العلامات، والاعتراف بما لها من تأثير وفعالية في الدورة المجتمعية والاقتصادية، تستند بشكل رئيسي إلى عملية التقييم تلك، إلا أنه لا يجب أن يتم الخلط بين قوة الاسم الاقتصادية وقوة النشاط الاقتصادي الذي يعنونه الاسم. ففي ظل كل الأرقام والمعطيات.
التي تشير إلى النمو الكبير الذي تشهده مختلف المرافق الاقتصادية في الدولة في موسم المهرجان، بالإمكان طرح السؤال التالي: هل كان الناس لينفقوا ذات المبالغ على ذات الفعاليات إذا ما غيبنا اسم DSS عن الحدث؟ الإجابة عن هذا السؤال تساعد في فهم درجة القوة الاقتصادية التي تتمتع بها العلامة.
* اختبار «التي شيرت»
في قواميس التسويق هناك ما يعرف ب«قيمة التي شيرت». هذا يعني القيمة المالية التي لا يأبه زبون لإنفاقها لقاء شرائه «تي شيرت» ممهورة بلوغو معيّن. ذلك نوع من الاختبارات المعنوية التي قد تعكس قوة العلامة وارتباط المستهلك بها. لنفكّر في عدد البضائع (تي شيرت، قبعات، أقلام، أكواب..) التي تباع سنويا في أمكنة مختلفة من العالم وتحمل شعارات فعاليات مثل «فورمولا واحد» و«مهرجان مونترو للجاز» و«الورلد كاب»®. لا شك انها ملايين القطع.
ماذا عن DSS؟ هل نحن مستعدون، خاصة إن كنا فوق الثانية عشرة من أعمارنا، لإقتناء «تي شيرت» أو أي قطعة أخرى تحمل لوغو المهرجان أو شعاره؟ هل نحن مستعدون لشراء هذه «التي شيرت» المفترضة بأي ثمن كان؟ لا شك أن الأطفال قد فرحوا كثيرا بألعاب مدهش وقبعاته، كما فرحوا برؤيته على علب العصائر على الرفوف في المتاجر والسوبر ماركت، لكنّ العلامة التجارية المؤثرة هي التي يشتهي الكبار، قبل الصغار، دمغ مقتنياتهم بها، و«ديزني» خير مثال في هذا السياق.
بناء على كل ما تقدّم، ربما بات بالإمكان تخيّل الإجابة عن السؤال الذي افتتحنا به المقالة: هل DSS علامة تجارية؟ بالتأكيد، لا يزال من المبكر الجزم بالأمر إيجابا أو نفيا، فسيرة العلامات التجارية علمتنا أن الوقت ومراكمة الخبرة ضروريان، إلا أن كل المعطيات.
تشير إلى أن هذا المهرجان ماض ببناء علامة تجارية راسخة، وإن كان ببطء تبرره حداثة التجربة قياسا إلى عراقة المهرجانات العالمية الأخرى، وأنه يمتلك كل المقومات التي يحتاجها لتحقيق ذلك، وأهمها الشغف بتقديم الأفضل والقدرة المستمرة على.. الإدهاش!
كتب إبراهيم توتونجي