قدر عادل الحوسني مدير محفظة استثمارية خاصة عدد المحافظ القيادية في أسواق الأسهم المحلية بـ 10 محافظ تتجاوز إجمالي أصولها 15 مليار درهم، ويأتي حوار الحوسني مع «البيان» في وقت تتصاعد فيه حدة الاتهامات الموجهة لمديري وأصحاب المحافظ الاستثمارية والتي يتهمها صغار المستثمرين بأنها تتلاعب في السوق.

غير أن الحوسني يرى أن المحافظ تحولت إلى ما يسمى بـ «صانع السوق» ويؤكد ان دورها مؤثر في حركة تداولات الأسهم حيث تتجاوز إجمالي أصولها خمسة أضعاف حجم التداولات اليومية للسوق في أنشط أيام تعاملاته. ودعا السلطات المعنية ممثلة في هيئة الأوراق المالية والمصرف المركزي إلى سرعة وضع تشريعات وقوانين تنظم عمل صناديق ومحافظ الاستثمار.

لتوفير الحماية لصغار المستثمرين الذين يتوقع لهم الحوسني ان يتكبدوا خسائر باهظة على حد قوله في حال ظل الوضع على ما هو عليه وتصاعدت حدة المضاربات في السوق.

وفيما يلي نص الحوار:

ـ لنبدأ من المقولة التي تتردد على ألسنة الكثير من المحللين الماليين والتي تقول ان سوق الأسهم في الإمارات تحول إلى ساحة للمضاربة يتحكم فيها المضاربون؟

ـ بداية لابد من الاعتراف بأن سوق الأسهم لم يعد كما كان في التسعينات سوقا بسيطاً مبنياً على استثمار كلاسيكي يتمثل في شراء الأسهم والاحتفاظ بها لفترة بهدف الحصول على عائد، وكان سوقا تقليدياً لا يختلف عن سوق العقار ورأسماله قليل جدا، لكن تغيرت الصورة تماما منذ بداية عام 2003 .

ومع وجود هيئة الأوراق المالية والسلع كجهة رقابية على الأسواق المالية الرسمية ومع وجود شركات مالية واستثمارية متخصصة اضافة إلى محافظ وصناديق استثمارية متعددة ومتنوعة تابعة لمجموعات أو لأفراد أو لبنوك وشركات تأمين إضافة إلى دخول المستثمرين الأجانب مع إعلان العديد من الشركات عن السماح لهم بتملك 20 ـ 49% من أسهمها.

وثمة عامل آخر له دور في تغير طبيعة عمل الأسواق المالية المحلية ويتمثل في إقدام البنوك على تقديم تسهيلات ائتمانية كبيرة سواء لشراء الأسهم أو للاكتتاب في الإصدارات الجديدة.والأهم من ذلك أنه صار هناك اهتمام دولي للاستثمار في الولايات كمنطقة جذب للاستثمارات الأجنبية .

خصوصاً وأن معدلات النمو المتحققة ارتفعت خلال السنوات الماضية ليس فقط في الإمارات لكن أيضاً في العديد من دول المنطقة ومنها قطر التي حققت نمواً قياسياً عالمياً العام الماضي بلغ 22%. ولذلك يتوقع أن تستقطب أسواقنا المحلية وكذلك أسواق المنطقة جزءاً كبيراً من الاستثمارات الأجنبية خصوصاً وأن أسعار البترول لا تزال عند معدلاتها المرتفعة ويتوقع أن تقفز إلى 75 ـ 80 دولاراً للبرميل خلال السنوات المقبلة.

إذن لا خلاف على أن المرحلة المقبلة ستكون مختلفة تماماً عما شاهدناه في السابق، وهذا يتطلب إعداد قوانين وأنظمة لمواكبة هذا التغير والنظرة العالمية لأسواقنا وأن نكون مستعدين لاستقطاب مثل هذه الاستثمارات بحيث تكون انعكاساتها إيجابية على اقتصادنا.

عوامل النمو متوفرة ولا مبرر للتشاؤم

ـ لكن كثيرين يرون أن الطفرة التي تشهدها أسواق الأسهم في الإمارات والمنطقة استثنائية ولن تستمر طويلاً؟

ـ القضية أن هؤلاء ينتمون إلى مدرسة تقليدية في دراسة الأسواق المحلية وأصحاب هذه المدرسة من المحللين الماليين يمتلكون نظرة لا تتواكب مع التطور الحادث في الأسواق، وهؤلاء قبل عامين كانوا يتحدثون عن انهيار في الأسواق ومع ذلك رأينا العكس وشهدت الأسواق معدلات نمو زادت على 100%.

وهؤلاء المحللون أيضاً لا ينظرون إلى أوضاع سوق المال نظرة شمولية تأخذ في الحسبان المتغيرات الاقتصادية العالمية، والبعض منهم لا يزال يقارن بين ما يحدث الآن في السوق وبين ما حدث عام 1998 مع العلم أن هناك فارقاً كبيراً حيث لم تكن لدينا وقتها أسواق مالية رسمية ومنظمة .

كما أنه يستحيل المقارنة بين شركة لم يكن لها مقر أو حتى مشروع واحد عام 1998 معها، والتي تتجاوز أرباحها حالياً مليارات الدراهم. وأيا كانت الرؤية فإن التوقعات تشير إلى أن عوامل النمو متوفرة وبقوة أهمها أسعار النفط، وهناك علاقة تاريخية بين أسعار النفط وأسواق المال.

ومع استمرار ارتفاع أسعار النفط فإن حجم النمو في أعمال الشركات والمؤسسات المالية سيظل في ارتفاع، ولا توجد اشارة لحدوث تراجع أو انكماش ناهيك عن استقرار الأوضاع السياسية في المنطقة لذلك فإن كل العوامل تشير إلى استمرار معدل النمو في أسواق المال المحلية والاقليمية.

هوجة الإصدارات الجديدة

ـ لكن ألا تعتقد أن هناك إفراطاً في التفاؤل؟

ـ ردي على ذلك هو ولماذا التشاؤم؟ وأين هي المؤشرات التي تجعلنا متشائمين؟

ربما يكون مبعث التشاؤم عند البعض ذلك الخلط بين الشركات الجيدة وتلك التي جرى تأسيسها على قواعد غير سليمة وانتهى بها المطاف إلى التصفية أو الاختفاء من على ساحة النشاط الاقتصادي، ولكن الخطأ هنا جاء من إدارات هذه الشركات لم تكن على درجة من الكفاءة أو تأسست بشكل اندفاعي في فترة ما قبل 1998.

وربما يكون التشاؤم أيضاً مرده التخوف السائد عند كثير من الناس مما يسمى بهوجة شركات المساهمة العامة والتي ازداد عددها بشكل مخيف خلال الفترة الماضية وأصبح كل من لديه فكرة يسارع بتأسيس شركة مساهمة عامة في استغلال واضح للسيولة الهائلة.

والخطورة ان من بين هذه الإصدارات الجديدة شركات برؤوس أموال ضخمة تتجاوز المليار درهم وربما لا يكون لهذه الشركات جدوى اقتصادية أو إضافة لاقتصاد الدولة. لذلك أدعو السلطات المعنية ممثلة في وزارة الاقتصاد والمصرف المركزي إلى التدخل لوضع الضوابط وعدم التسرع بالموافقة على إنشاء مثل هذه الشركات.

وأقترح في هذا الصدد ان تسارع وزارة الاقتصاد إلى وقف الترخيص لإصدارات جديدة وان يسمح بتمويل الشركات الخاصة التي يمر عليها فترة زمنية تتراوح بين 3 ـ 5 سنوات تحقق فيها ربحية جيدة وعندما يتم إعادة تقييمها من قبل بيوت عالمية وليس من قبل لجنة مشكلة من موظفي الوزارة والدوائر الاقتصادية المحلية .

لأننا نخشى تكرار أزمة الشركات التي تأسست في منتصف التسعينات وثبت عدم جدوى غالبيتها واضطر بعضها إلى إعلان الإفلاس والتصفية. لابد إذن من وقفة حازمة مع الإصدارات الجديدة لأنه لا يعقل ان يتم تغطية اكتتاب شركة من الشركات الجديدة أضعاف أضعاف الناتج المحلي الإجمالي وهو ما أشارت إليه تقارير مؤسسات اقتصادية دولية.

المحافظ وصغار المستثمرين

ـ يرى كثيرون أن المحافظ وكبار المستثمرين يستهدفون إخراج الصغار من السوق لصالحهم؟

ـ هذا غير منطقي لأن السؤال هل سيظل السوق مقصوراً على الكبار فقط؟ نحن نريد حماية صغار المستثمرين، كما يحدث في الأسواق المالية الأخرى، لأن المرحلة المقبلة صعبة حقيقة، فالقوانين المعمول بها في الأسواق تشرع عمليات المضاربة ولا يمكن وضع قوانين تتحكم في عمليات التداول من حيث الحجم والسعر باعتبار أن لدينا سوقاً مفتوحاً.

لذلك أتمنى ألا يفهم كلامي خطأ، ويتم تفسيره على انه يستهدف الإضرار بصغار المستثمرين بقدر ما هو دعوة إلى تنظيم السوق لأن الرابح الأكبر هم مديرو المحافظ. لذلك أدعو إلى سرعة إصدار تشريع لصناديق ومحافظ الاستثمار على غرار ما هو حادث في الأسواق المجاورة مثل سوق مسقط.

لأنه لا يعقل أن يكون سوقنا المحلية الذي يشهد أحجام تداولات ضخمة تقارب الخمسة مليارات درهم، كما حدث في أحد أيام التعاملات ولا يكون هناك تشريع ينظم عمل الصناديق الاستثمارية.

استغلال السيولة

ـ تشهد الأسواق سباقاً محموماً من الشركات لرفع رؤوس أموالها وبعلاوات إصدار مرتفعة، فهل ترى تأثيراً سلبياً على السوق الثانوي كما يقول الغالبية؟

ـ هو بالفعل سباق وأراه أنا «استغلالاً بشعاً من الإدارات التنفيذية في الشركات للحالة التفاؤلية التي تسود سوق الأسهم وللسيولة التي بحوزة المستثمرين، والأغرب أن الشركات تطلب علاوة إصدار أضعاف القيم الدفترية، في حين أن القيمة الدفترية تمثل حقوق المساهمين مقسومة على عدد الأسهم.

وأي ارتفاع في القيمة الدفترية عن الاسمية نتاج قيام الإدارة بتمويل الأرباح التي كان من المستوجب عليها دفعها للمساهمين في السنوات الماضية بهدف الاحتياطيات، وهذا يعني أن إدارات الشركات ظلت طوال السنوات الماضية تتعمد عدم الشفافية مع مساهميها.

لم تتوقف الإتهامات الموجهة إلى المحافظ الاستثمارية وأنها تستهدف الإضرار بصغار المستثمرين وتكبيدهم خسائر باهظة حيث كثيراً ما يفاجأون عندما تتهيأ أسعار الأسهم لمزيد من الارتفاع بتدخل المحافظ بطرح كميات كبيرة للبيع بهدف خفض الأسعار وجني أرباح باهظة على حساب صغار المستثمرين؟

لقد نبهنا أكثر من مرة في حوار سابق مع «البيان» ان السوق اختلف تماماً وعدد المحافظ الاستثمارية تزايد وأصبح لدينا اكثر من 10 محافظ قيادة لا يقل الحد الأدنى لكل واحدة منها عن 3 ـ 5 مليارات درهم أي أن المحافظ في السوق تمثل خمسة أضعاف حجم التداول اليومي في انشط حالاته.

إذن نحن أمام صناع للسوق بالمعنى الاحترافي للكلمة والمحافظ مؤثرة في السوق شئناً أم أبينا لأن مديري المحافظ لديهم القدرة علي التحرك بشكل أكبر من خلال التركيز على أسهم معينة واستيعاب الخسائر. وعلى سبيل المثال فإن محفظة رأسمالها (2) مليار درهم بمقدورها استيعاب خسارة بين 20 ـ 50 مليون درهم.

في حين لا يستطيع المستثمر الصغير تحمل خسارة بسيطة. وهنا أدعو المسؤولين في وزارة الاقتصاد للتدخل واتخاذ موقف حازم من مسألة علاوة الاصدار التي تقررها ادارات الشركات.

لكن هناك من رؤساء الشركات من يرى ان الوقت الحالي مناسب لتغطية اكتتابات زيادة رؤوس الأموال حيث السيولة متوفرة والسوق نشط والدليل في سنوات ركود السوق فشلت شركات عديدة في تغطية رأسمالها؟

هناك فارق كبير بين اختيار الوقت المناسب لزيادة رأس المال والتوسع وفق خطط مدروسة وبين استغلال الحالة التفاؤلية التي تسود السوق كما أن وزارة الاقتصاد مطالبة بالعودة إلى المعادلة السابقة لإقرار علاوة الإصدار والتي جرى تعديلها قبل عامين والتي تحدد علاوة الإصدار بـ 50% من القيمة الاسمية وليس بنسب فلكية

والسؤال هنا: لماذا الاحتكام في علاوة الإصدار بشكل رئيسي إلى القيمة السوقية للسهم؟

الارتفاع في القيمة السوقية للسهم يأتي نتاج توقعات المستثمرين لأداء الشركات وأنها ستوزع أسهم منحة نتيجة لارتفاع أرباحها مقارنة مع رأس المال إضافة إلى التوسع في القاعدة الرأسمالية، لذلك لا يجب أخذ السعر لسوقي كمقياس لعلاوة الإصدار، خاصة في ظل القفزة في أسعار الأسهم .

لأنه يمكن أن تقرر الشركة علاوة إصدار مبنيّة على ارتفاع نسبته 30% في سعر السهم خلال 6 أشهر كما هو متبع الآن ثم قد يحدث فور الانتهاء من اكتتاب زيادة رأس المال وبعلاوة إصدار فلكية أن تحدث عملية تصحيح سعري حادة وينخفض سعر السهم بقوة تصل إلى 50%. هنا من سيكون المسؤول عن تحمل المساهم لمثل هذه الخسائر؟

علاوة إصدار من دون تأثير سلبي

ـ وكيف ترى على هذا الأساس علاوة الإصدار التي يقترحها مجلس إدارة إعمار والتي تتراوح بين 5 ـ 6 دراهم، على الرغم من أن بيت خبرة عالمياً استشارته الشركة حدد العلاوة بأكثر من 12 درهماً؟

ـ في تقديري أنه يمكن استيعاب زيادة رأس المال رغم ضخامته بسهولة ومن دون تأثير، إذا جرى توزيعه على أكثر من مرحلة أقترح أن تكون بين 3 ـ 5 مراحل ولتكن موزعة بواقع 30% في المرحلة الأولى وبعلاوة إصدار 3 دراهم، إضافة إلى درهم القيمة الاسمية للسهم، وتوزع نسبة 30% نهاية العام كأسهم منحة.

وهذا يعني أنه ستتوفر للشركة سيولة تتراوح بين 9 ـ 10 مليارات درهم من الآن وحتى نهاية العام، وهو مبلغ كافٍ لتلبية احتياجات الشركة من السيولة لتنفيذ مشاريعها الجديدة، أما النسبة المتبقية من الاكتتاب والمقدّرة بنحو 40% فيمكن تحصيلها في النصف الثاني من العام المقبل، ناهيك عن أنه بمقدور شركة كبيرة مثل إعمار اللجوء إلى إصدار سندات وبأسعار فائدة متدنية أفضل من اكتتاب زيادة رأس المال.

وفي رأيي أن مثل هذا الاقتراح من شأنه ألا يؤثر في اكتتاب زيادة رأس المال على السوق الثانوي، خصوصاً ان هناك شركات عدة ستبدأ هي الأخرى في فتح باب الاكتتاب لزيادة رؤوس أموالها، إضافة إلى الإصدارات الجديدة وكلها مصادر تسحب السيولة من الأسواق.

ـ لكن هناك من يقول إن علاوة الإصدار المقترحة من مجلس إدارة إعمار مناسبة للغاية إذا ما قورنت بتلك التي أقرّها بنك الخليج الأول (9) دراهم، وبنك الاتحاد الوطني (7) دراهم؟

ـ رأسمال بنك الخليج الأول محدود مقارنة برأسمال إعمار، فهو لا يتجاوز الـ 400 مليون درهم، كما انه قام بتحويل السندات إلى أسهم مما رفع القيمة الدفترية إلى 5. 4 دراهم، وعندما طلب علاوة الإصدار 9 دراهم ضاعف فقط القيمة الدفترية، ناهيك عن أن 85% من أسهم البنك مملوكة لخمس مجموعات.

وبالتالي فإن تأثير علاوة الإصدار سيكون محدوداً على المساهمين وعلى السوق. وتقديري أن مجلس إدارة إعمار سيدرس الأمر بدقة وستكون كل الأمور مطروحة والهدف سيكون في النهاية مصلحة المساهمين والشركة والسوق.

حوار: عبدالرحمن اسماعيل