يعتقد محللون غربيون أن الاقتصاد التركي ظاهرة فريدة مليئة بالمفارقات. فبعد ان وقعت البلاد في كساد عقب أزمتين في عامي 2000 و2001، تمكنت من الخروج منه متعافية. وسجل إجمالي الناتج المحلي التركي عام 2004 نموا بنسبة 8.9% وهو من أعلى المعدلات عالميا.
وقالت صحيفة «فاينانشيال تايمز» إن هذا النمو كان مدفوعا بسياسة التقشف المالي وإعادة هيكلة قطاع البنوك وقطاعات أخرى، مما ساعد على العودة إلى طريق النمو الاقتصادي. والنتيجة هي انخفاض معدل التضخم وأسعار الفائدة بشكل كبير، واللذين يواصلان الانخفاض، حيث بلغ معدل التضخم 8.7% الشهر الماضي.
ومن العناصر التي ساعدت على عودة تركيا إلى طريق النمو والاستقرار الاقتصادي خلال فترة الصدمات الخارجية (العراق وارتفاع أسعار البترول) هو تغيير السياسة النقدية الاميركية نحو رفع أسعار الفائدة والأضرار المحتملة التي قد تصيب السياسة الخارجية التركية الرامية إلي الانضمام الى الاتحاد الأوروبي.
ويقول مسؤولون حكوميون إذا كانت هذه الظروف وقعت في ظل حكومة أخرى لكان خراباً اقتصاديا أصاب تركيا. لكن هذه التطورات السلبية لم تؤثر على المسيرة الاقتصادية للبلاد في العام الجاري والأعوام المقبلة أيضاً.وقال سرحان جفيك الخبير في مؤسسة مورجان ستانلي في لندن ان الابحاث الأخيرة تشير الى ان الاستقرار الاقتصادي في تركيا يرجع الى الاصلاحات والسياسات الاقتصادية الكلية خلال السنوات الماضية.
وقال إن صناع القرار في تركيا خفضوا درجة المخاطرة الاقتصادية وبالتالي درجة تعرض البلاد لاهتزازات مالية أو اقتصادية.ومن الصعب أحياناً تصديق أن الاقتصاد التركي يسجل نمواً بهذا المعدل لأن هذا لم ينعكس على مستوى المعيشة والثروة.
ومعدل البطالة يبلغ 12% حسب الأرقام الرسمية لكنه قد يكون اعلى من ذلك حقيقياً خارج المدن الكبرى ولا تزال البطالة المقنعة تمثل مشكلة.
كما ان الاقتصاد غير القانوني في البلاد يقدر بنحو 50% من الاقتصاد الرسمي الكلي، ويعني ذلك ان نصف النشاط الاقتصادي لا يدفع ضرائب وغير مسجل رسمياً رغم ان بعض هذا الاقتصاد يدخل في اجمالي الناتج المحلي من خلال التغيرات في الأرقام.
والفارق بين الآن وفترة التسعينات هو الاستقرار وحسن إدارة الاقتصاد واستطاع البنك المركزي ان يسيطر على معدل التضخم منذ الفترة ما بين 1994 و2001، عندما تعرضت تركيا لانخفاض قيمة العملة القسري واخفاق البنوك والانخفاض الشديد في دخل الطبقة المتوسطة وارتفاع الديون الخارجية، كما خفض البنك المركزي الفائدة كخطوة أولى لانعاش النشاط الاقتصادي.
ومن الواضح ان الاقتصاد التركي في حاجة إلى نمو أسرع لعدة سنوات لرأب الفجوة بين الدخل ومستوى المعيشة بين تركيا وحتى أفقر الدول في الاتحاد الأوروبي لكن الهيكل الاقتصادي الحالي القائم على الزراعة والمنسوجات والصناعات الثقيلة لا يحتمل ان يوفر قوة الدفع لتحقيق هذا النمو.
ويقول محمود كايا رئيس الأبحاث فرجارانتى للأوراق المالية ان صناعة المنسوجات قد تضررت بالفعل بسبب ارتفاع تكلفة العمالة والوقود وحروب المنسوجات الدولية.
ورغم ان تكلفة العمالة في تركيا منخفضة، فان متوسط الأجور مرتفع نسبياً (نحو 275 يورو شهرياً) ونظام التعليم لا يتوافق مع متطلبات السوق من العمالة الماهرة .
ورغم تقدم تركيا في صناعة السيارات، وكثير من الشركات المحلية تصدر الآن للخارج وتجمع مصانع في تركيا غالبية أجهزة التلفزيون التي تدخل البيوت الأوروبية فتركيا في حاجة إلى مستوى اعلى من الصناعة التحويلية لتوفير الوظائف المطلوبة وخفض معدل البطالة. وهذا هو أحد التحديات طويلة المدى التي تواجه تركيا ومن أقوى أسباب الحاجة إلى تشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وهناك عناصر قصيرة المدى أيضا تلقى بظلالها على النمو الاقتصادي، مثل تشديد السياسة النقدية الأميركية التي غالبا ما تؤثر على الاقتصاديات الصاعدة.
والعنصر الثاني هو رؤية الاتحاد الأوروبي، فان رفض فرنسا وهولندا للدستور الأوروبي الموحد لن يؤثر على بدء مفاوضات تركيا مع الاتحاد للدخول فيه لكن كايا يقول ان هذا الرفض نذير شؤم على المدى القصير والطويل. فإذا لم تؤمن أنقرة بانها ستنضم إلى الاتحاد الأوروبي لن يكون هناك حافز لتنفيذ الإصلاحات الهيكلية.
ترجمة: أشرف رفيق
