يعاني الاتحاد الأوروبي حالياً من أزمة اقتصادية وسياسية في الوقت نفسه، وزاد من عبئها الضعف الشديد الذي تمر به ألمانيا. فقد ظلت أوروبا طوال القرن الماضي مبهورة ومسكونة بقوة ألمانيا وأخيراً ضمتها إليها في تحالف اقتصادي سياسي للاستفادة من هذه القوة،والآن بدأت تشعر بان ضعف ألمانيا هو شوكة في خاصرتها.
ويتبادل قادة أوروبا طلقات كلامية لاذعة حول مستقبل الاتحاد الأوروبي، والمتوقع ان تلعب ألمانيا دورها التقليدي وهو رأب الصدع بين الأقطاب المتناحرة في كل من فرنسا وبريطانيا وفتح الدفاتر القديمة إذا اقتضى الأمر وبدا ان هناك تهديداً للمشروع الأوروبي.
ألمانيا مثقلة بالديون والكساد الاقتصادي فلا تستطيع ان تتحمل ان تلعب دور الأب في الاتحاد الأوروبي.
وهي على وشك ان تواجه متاعب سياسية خاصة بها، حيث يمكن ان تعصف الانتخابات المقبلة بالمستشار جيرهارد شرودر وتعرض للتساؤل عن أساس المبادئ الاقتصادية والاجتماعية التي صاحبت نمو ألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية. فقد تحولت ألمانيا الآن من قوة داعمة لأوروبا إلى عبء ثقيل على كاهلها.
ويقول جوزيف جوف مدير تحرير مجلة دالي زيت الأسبوعية فيما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» ان قوة ألمانيا السياسية نبعث دائماً من قوتها الاقتصادية، لكن ألمانيا الآن هي مريض أوروبا. وقال دانييل جروس مدير مركز دراسات السياسات الأوروبية في بروكسل ان الأوروبيين ينظرون إلى ألمانيا على أنها جسم بلا عمود فقري وليس جندياً بروسيا يسير في رتل القوات الأوروبية.
ولا تستطيع ان تتحمل أوروبا ان تكون أكثر الدول سكاناً وأقواها اقتصادياً (حسب العرف) ان تكون مجرد مخلوق بحري هلامي بدلاً من محارب قادر على الحماية. لذلك في الوقت الذي تجادل فيه أوروبا حول المستقبل الذي تريده في أعقاب رفض دستورها الموحد من أكثر من دولة والصراع حول ميزانيتها هناك جدل مواز حول مستقبل ألمانيا،.
وهناك تشابه بين الاثنين من جانب كانت فرنسا من الناحية التاريخية هي التي تحرك سياسة الاتحاد الأوروبي وبدعم تقليدي من ألمانيا وهي الآن المدافع المتحمس عن السياسات الأوروبية القديمة، سواء الدعم للمزارعين أو حماية الوظائف أو الدور الرئيسي للدولة في الاقتصاد الوطني.
ومن جانب آخر تؤيد بريطانيا رفع الدعم الزراعي لأنه يوجه الأموال بعيداً عن استخدامات أفضل وأن التغيرات الاقتصادية في أوروبا لمواجهة ضغوطات المنافسة العالمية ليست كافية، ويذكر ان بريطانيا تتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي الشهر المقبل .
وتتحدى النظام المالي الأوروبي ولكل دولة قائد مقيد بالتزامات ومسؤوليات وجدول أعمال شخصي، لكن كلا من توني بلير رئيس وزراء بريطانيا وجاك شيراك رئيس فرنسا، لن يواجه الانتخابات، هذا العام، لكن ألمانيا التي تعاني معدل بطالة 11% واقتصاداً راكداً ومستشاراً غير محبوب من يسار الوسط ومنافساً محافظاً، سوف تواجه الانتخابات في سبتمبر المقبل والكل يتحدث الآن عن الدور الألماني في الاتحاد الأوروبي.
فقد نشرت صحيفة «بلير الالمانية» صغيرة، القطع مقالاً على لسان توني بلير مؤخراً، يدافع فيه عن نفسه ضد اتهامه بأنه السبب في إخفاق مفاوضات الميزانية الأوروبية. وقال بلير ان أوروبا في حاجة الى انتهاج سياسة موجهة مستقبلياً، وأضاف «لابد ان نستثمر في الابتكار والتعليم.
وليس لإعطاء كل بقرة يوروين (2 يورو) يومياً» ورد شرويدر الذي قد يفقد مستقبله السياسي بسبب تشوهات سوق العمل في بلاده بأن الذين يصفون السياسة الانجلوسكسونية الاقتصادية بأنها علاج لأمراض أوروبا يسببون أقصى الأضرار لرغبات وحقوق الأجيال المقبلة.
ويسوق الحزب الديمقراطي الاشتراكي الذي يرأسه شرويدر دعاية انتخابية يائسة بالترويج لنفس الفكرة حيث يصفون المستثمرين الأجانب بأنهم جراد ينكب على الأصول الألمانية ليختلسوها ويلقون بالعمال إلى الشارع.
ويعتقد البعض أن الجدال بين أنصار النظام البريطاني والنموذج الأوروبي هو صورة هزلية لا تأخذ في الاعتبار تعقيدات أوروبا. وقالت كاتنيكا باريش الخبيرة الاقتصادية في مركز الإصلاح الأوروبي في لندن إنها ترى تقابلاً أو اتفاقاً على نموذج أقل تحرراً من الذي أيدته مارجريت تاتشر، لكنه أقل صرامة ومحافظة من الذي يؤيده جاك شيراك.
والسؤال الآن هو ماذا تعتقد أنجيلا ماركيل التي يتوقع كثيرون ان تفوز على شرودر في الانتخابات المقبلة. المعروف عن ماركيل أنها لا تلتزم بأي معايير ثابتة أكثر من صعودها لصهوة الحزب المسيحي الديمقراطي المحافظ الذي يسيطر عليه الرجال ويرأسه هيلموت كول المستشار الألماني السابق.
ويعتقد كثيرون أنها تحمل بين جنباتها سياسات إصلاحية وقليلاً من الخبرة لتنفذ ما تريده عندما تتولى زمام السلطة. فهل ستقلل ماركيل من أهمية العلاقات الألمانية الفرنسية التي يحرص عليها كل من شرودر وشيراك، لصالح الحلفاء الآخرين مثل بريطانيا وأميركا.
ويقول مساعدو ماركيل إنها تحترم نداءات بلير للاتحاد الأوروبي برفع الدعم عن المنتجات الزراعية الذي لا يفيد إلا المزارعين في فرنسا. السؤال الأكبر كم من الألمان سيغضون الطرف عن التخلي عن سياسة بلادهم التقليدية.
ويقول جوف مدير تحرير داي زيت بدأ الألمان يفهمون أن ما يقوله شرودر وشيراك لهم غير صحيح، بأنه إذا تحولت أوروبا إلى خط دفاعي مثل خط ماجينو ضد العولمة سوف يشكل ذلك حماية لهم.
ترجمة: أشرف رفيق