سجل الدين العام في مصر ارتفاعاً كبيراً خلال النصف الأول من السنة المالية الحالية حيث بلغت قيمته الإجمالية 495 مليار جنيه.وتأتي خطورة تزايد الدين من أنه يستنزف أية موارد تدخل الخزانة المصرية في وقت يتزايد فيه عجز الموازنة نتيجة بعض الإجراءات الإصلاحية التي اتخذتها الحكومة في مجال الضرائب والجمارك.
وتمثل الديون المحلية وحدها نسبة 4,63% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي فيما تمثل الديون الخارجية 4,38%. وتكمن الخطورة الأكبر في تزايد الدين المحلي بمعدلات كبيرة تجاوز فيها الحدود الآمنة، بما يعتبره الخبراء تهديداً بانفلات التضخم الذي يحتاج لمجهودات حكومية إضافية، للسيطرة على عجز الموازنة العامة للدولة.
خاصة وأن هذا الدين زاد عن العام الماضي بنحو 4,17% وفقا لبيانات البنك المركزي المصري. وينقسم الدين المحلي الإجمالي إلى ديون حكومية، وديون للهيئات الاقتصادية، وديون لبنك الاستثمار القومي وقد جاءت الزيادة الكبيرة في الدين المحلي من زيادة الديون الحكومية المباشرة وديون بنك الاستثمار القومي.
يؤكد د. جودة عبدالخالق أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة أن الدين العام قد تنامى منذ أوائل الثمانينات بشكل متسارع، مشيرا إلى تجاوزه حدود الأمان حيث تقدر حدود الأمان وفقا لمعيار «ماستريخت» ألا يتعدى الدين (محلي وخارجي) نسبة 60% من الناتج الإجمالي .
وقال إنه تجاوز في مصر نسبة 95%، مضيفا أنه لابد من توقع تكلفة في المستقبل في جانب عدالة التوزيع بين الأغنياء والفقراء أو بين الجيل الحالي والأجيال القادمة من ناحية أخرى، مؤكدا أن الرأي الرسمي في مصر كثيرا ما يهون من أثر هذه الظاهرة بالقول إن هذا الدين يوجد ما يقابله من أصول مملوكة للدولة.
وقال إن سياسات الإدارة الاقتصادية في مصر تحاول الجمع بين ثلاثة مستحيلات وهي تحرير المعاملات الرأسمالية، استقلالية السياسة المالية، استهداف استقرار سعر الصرف، وأوضح أن تراكم الدين العام لم يأت نتيجة عجز الموازنة ولكن نتيجة تزايد سعر الفائدة.
وأشار إلى أن تخطي سعر الفائدة الحقيقي لمعدل النمو الحقيقي في الناتج المحلي الإجمالي يترجم في زيادة نسبة الدين العام إلى الناتج العام وبالتالي فإن ازدياد نسبة العجز الأولى في الموازنة العامة وتخطى سعر الفائدة المطبق لمعدل النمو الحقيقي للناتج في وقت واحد ينعكس في زيادة أسرع لنسبة الدين العام إلى الناتج.
ويرى جودة أن إدارة الدين العام لا يمكن أن تتم إلا بترك سعر الصرف يرتفع وينخفض طبقا لحركة رؤوس الأموال ووضع ضوابط على حركة رأس المال لضبط التقلبات في الاقتصاد المصري موضحا أنه في عام 2002/ 2003 دخل سوق الأوراق المالية نحو 3,6 مليارات دولار خرج منها 7,2 مليار دولار، كما أشار إلى أهمية تخفيض الإنفاق العام الجاري من خلال تنفيذ برنامج للتقشف الحكومي، وربط سعر صرف الجنيه بسعر سلة من العملات، استهدافا لاستقرار سعر الصرف الحقيقي.
كما أشار د. جودة إلى خطورة الدين الخارجي الذي يمثل سداده عبئا على الحكومة وقال إنها أصدرت سندات دولارية بـ 5,1 مليار دولار بسعر فائدة 5,7%.
وقال إن وزير المالية أشار إلى أن هذه السندات ليست لسد عجز ولكنه اقتراض للشهرة في الأسواق المالية وتساءل عبدالخالق عن تكلفة هذه الشهرة وهل تتناسب مع زيادة نسبة الدين العام للناتج المحلي؟!
كذلك أكد الدكتور مصطفى السعيد وزير الاقتصاد السابق أن الدين العام الداخلي والخارجي تجاوز حدود الأمان، متوقعا أن يزداد عبء الدين الداخلي بما سيكون له أثر على إدارة السياسة المالية.
وقال إن عجز الموازنة العامة يزيد على 50 مليار جنيه أي نحو 5,10% تقريبا من حجم الناتج القومي في وقت بلغ فيه الدين الحكومي وحده ما يقرب من 266 مليار جنيه ليبلغ هذا الدين ما يزيد على 350 مليون جنيه إذا أضيف إليه دين الهيئات الاقتصادية العامة ليبلغ عبء خدمة الدين السنوي نحو 52 مليون جنيه في وقت يزيد فيه الإنفاق العام بمعدل 11% - 12% سنويا بينما لا يزيد معدل الإيرادات على 6%، 7%.
ويرى أنه لابد من تحقيق سياسات اقتصادية تعمل على كفاءة الدولة وبالذات كفاءة وزارة المالية في مباشرتها لاختصاصها على جانبي الإيراد والإنفاق ويوضح أنه لا مانع من أن تلجأ الدولة إلى مزيد من الاقتراض محليا ودوليا مادامت هذه القروض سيتم استخدامها لتحقيق المزيد من الاستثمارات وإيجاد طاقات إنتاجية جديدة.
بينما يرى أحمد النجار الخبير الاستراتيجي أن ارتفاع نسبة الدين المحلي قد يؤدي إلى تهديد الاستقرار الاقتصادي بالنسبة لدولة نامية مثل مصر وقد يؤدي إلى إعادة معدلات التضخم في مصر إلى مستوياتها التي كانت سائدة قبل برنامج التثبيت الذي بدأ عام 1990 وتمكنت مصر من خلاله من إنهاء حالة التضخم في الاقتصاد المصري.
ويبدي النجار دهشته من أن الحكومة التي أدركت أن الدين المحلي قد تجاوز الحدود الآمنة ولم تحاول أن تضغط الإنفاق العام أو تعمل على زيادة الإيرادات وبالذات من الضرائب على الأثرياء ورجال الأعمال الذين لا يدفعون ضرائب في العادة بل إنها أكدت أنها ستقترض بدون فائدة من حساب الحكومة المجمد لدى البنك المركزي والبالغ نحو 80 مليار جنيه .
وهو حساب غير مملوك للدولة وإنما هو عبارة عن أقساط الديون المسددة في مواعيدها من قبل جهات محلية والذي سمح اتفاق صندوق النقد الدولي مع مصر للحكومة المصرية بالاحتفاظ بها لحين حلول أجل سدادها الجديد بغير جدولة سعر لديونها مع الدول والمؤسسات المالية الدائنة لها.
ويؤكد مخالفة الحكومة لكافة الأعراف الاقتصادية في حالة مبادلة جزء من الدين العام المحلي ببعض الممتلكات الحكومية التي تدر عوائد قادرة على سداد ديونها وخاصة في القطاع العام وبعض المشروعات التابعة للهيئات الاقتصادية ويوضح أن ذلك يعني بيع الأصول الرأسمالية من أجل تمويل الإنفاق الجاري.
وفيما أشار النجار إلى خطورة الدين العام المحلي فإنه أكد أن الديون الخارجية مازالت في الحدود الآمنة لكنه حذر من التزايد السريع فيها منذ عام 2001 وحتى الآن الأمر الذي قد يحولها إلى مشكلة مديونية كبيرة في وقت قريب إذا لم تعمل الحكومة على حفز وإنعاش الادخار المحلي وتتوقف عن الاقتراض من الخارج أو تجعل هذا الاقتراض في حدود ضيقة على الأقل.
اختلفت رؤية الدكتور أحمد جلال المدير التنفيذي ومدير البحوث بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية حول خطورة الدين العام، مؤكدا أنه ليس خطيرا ولكنه وصل لمرحلة مكلفة، مشيرا إلى أن بعض الدول تعرضت لأزمات وبينما مستوى الدين مقارنا بالدخل القومي لم يزد عن 25% وذلك لقدرة هذه الدول على السداد فيما بعد، وأشار إلى أن استدانة الاقتصاد المصري ليس بغرض تقليل تكلفة الدين ولكن لتنشيط الاقتصاد.
وقال يجب ألا يكون موقفنا من الدين سالبا، المهم أن يكون لدينا مقدرة على الاستدانة وتسديد الاستدانة وذلك في حالة أن يوظف الدين في جلب عوائد اقتصادية وأن يكون لدى السياسة المالية القدرة على المرونة في بند المصروفات والإيرادات.
القاهرة ـ ماجدة خضر: