الاحد 17 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 18 مايو 2003 لم يكد يمر وقت طويل على بدء عصر العولمة، وظهور اقتصاد المعرفة وهيمنة المعلومات التقنية ووسائل الاتصال على العالم، حتى برزت على ساحاته احداث كبيرة عن فشل جسيم في الاعمال، وفساد مالي وقصور واضح في الادارة والرقابة، وقد أودت هذه الاحداث الجسام بالاوضاع المالية لعدد من الشركات العملاقة في الولايات المتحدة الاميركية ودول اخرى، وادت الى تداعي الانظمة الرقابية والمحاسبية فيها. وربما كان ذلك من نتاج العولمة ومن آثارها. ان العولمة هي ظاهرة تعبر عن هيمنة النظام الرأسمالي الذي تتزعمه الولايات المتحدة الاميركية، ومعها الدول الصناعية الكبرى على النشاطات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها في العالم بحيث باتت هذه الدول الصناعية تتربع على عرش الاقتصاد العالمي. والمعروف ان النظام الرأسمالي يعتمد على التصارع المحموم لقوى السوق وعلى حرية المعاملات التجارية والمنافسة، وسيطرة القوي على الضعيف من خلال نفوذ رأس المال والمصالح، وفي نفس الوقت يُعنى هذا النظام بالشفافية والانفتاح وذلك ضمن مسيرة اقتصادية متسارعة ولاهثة حافزها جني الربح في المقام الاول. وقد بذلت الجهود والمساعي خلال سنوات طويلة من العمل على تطوير وبناء الثقة في مهنة المحاسبة، عن طريق وضع أطر تنظيمية تعتمد الاستقلالية والمساءلة والشفافية والقابلية للمقارنة، وتهدف الى الحرص على مصالح الجمهور والارتقاء بتقديم خدمات ذات قيمة مضافة وتطوير وتدريب المهارات والعناية بالتعليم المهني المستمر مدى الحياة. بالرغم من هذه الجهود المبذولة الاّ ان العولمة في اندفاعها المتسارع نحو التغيير قد ذهبت بالقيم والاخلاقيات الادارية والاجتماعية والمهنية، واضعفت الرادع الوجداني في نفوس القائمين على ادارة الاعمال في الشركات حتى تطاولوا على اموال الشركة التي ائتمنوا على ادارتها، وذلك من خلال تضخيم الارقام والتلاعب فيها واظهار نجاحات غير حقيقية او نسب نمو وهمية للشركات التي يديرونها، في محاولة لرفع اسعار الاسهم في الاسواق المالية او للمحافظة عليها مرتفعة، ضمن نشاطات الاقتصاد الجديد الذي بدأت شركاته في الايلولة الى التراجع تدريجياً، وبات ينكشف للعيان خطل بعض مفاهيمه وفرضياته. لقد تبين ان مهنة المحاسبة تحتاج الى مزيد من التطوير واحكام التنظيم، وان للعولمة مطالب اخرى لابد من تلبيتها. وانه على مدققي الحسابات ان يطوروا اعمالهم لتتناسب مع النشاطات والاحتياجات للشركات، وان يقدموا خدمات متخصصة فيها قيمة مضافة تلبي توقعات واحتياجات كل عميل وكذلك متطلبات اطياف المجتمع المختلفة. من المعروف ان هنالك عدداً من الافكار والمقترحات للتطوير والتنظيم كانت تراود اذهان القائمين على الشئون المحاسبية والتدقيق في دول العالم الغربي، غير ان نفوذ الشركات الكبيرة حال دون ابرازها لحيز الواقع، فجاءت كوارث الانهيارات لتؤكد مرة اخرى على ضرورة الاصلاح المهني، وتنظيم المهنة واعادة النظر في الخدمات التي تقدمها من جهة والتركيز على انظمة التحكم المؤسسي وسلوكيات الادارة من جهة ثانية. مسئولية التعثر المالي مع استشراء ظاهرة العولمة وتوسع الاسواق المالية وزيادة الاهتمام بتنظيم مهنة المحاسبة فان التحدي الذي يواجه المدققين لم يكن يوماً اكثر خطورة مما هو عليه في هذه الايام. ولا شك ان هنالك عوامل كثيرة تضافرت على بروز الفساد المالي في الشركات في العالم وساعدت على انهيارها، ولكن قبل ذلك اراني ملزماً بالتأكيد على مفهوم مستقر، ينسجم مع منطق الامور، ويستند الى القانون والاعراف السائدة ومفاده ان مسئولية اعداد البيانات المالية للشركة والتي تظهر الوضع المالي ونتائج الاعمال وغير ذلك من المعلومات المالية تقع على عاتق مجلس الادارة، وان مسئولية مدقق الحسابات تقتصر على ابداء الرأي في هذه البيانات. وقد جاءت المعايير الدولية للتدقيق والمراجع المهنية والقانونية المختلفة والمتعلقة بهذا الموضوع كي تبين أن مسئولية مجلس الادارة تشمل: ـ اختيار ووضع السياسات المحاسبية المقبولة والمتعارف عليها والتي تتناسب مع عمليات الشركة. ـ وضع قواعد واجراءات للرقابة الداخلية في الشركة ملائمة مع حجم وطبيعة اعمال الشركة من اجل حماية موجوداتها من الضياع او الاحتيال او غير ذلك. ـ الاحتفاظ بقيود وسجلات مناسبة، تؤدي الى استخراج بيانات مالية موثقة ويمكن الاعتماد عليها. ان مجلس الادارة هو الذي يضع الهيكل التنظيمي للشركة والانظمة والتعليمات المتعلقة بالامور المالية والادارية والمحاسبية واجراءات الرقابة الداخلية وادارة المخاطر وغير ذلك وهو الذي يحدد خطوط التفويض والصلاحيات، وواجبات المدير العام ومسئولياته في سبيل تنفيذ اعمال الشركة وفقاً للسياسات والخطط التي يضعها مجلس الادارة. وتقسم في العادة مسئولية مدقق الحسابات الى: ـ مسئولية مدنية: ناشئة عن الاخلال او التقصير في تعاقده مع عميله. ـ مسئولية تأديبية: ناشئة عن مخالفته لاخلاق المهنة وآدابها ـ مسئولية جنائية: ناشئة عن افعال جرمها القانون. ولا بد من الاشارة الى ان الادارة مسئولة عن منع واكتشاف الاخطاء او الاحتيال، وان المدقق ليس مسئولاً ولا يمكن ان يكون مسئولاً عن منع الخطأ والاحتيال ولكنه مسئول عن تخطيط التدقيق الذي يقوم به اخذاً في الاعتبار احتمالاً معقولاً لوقوع الخطأ او الاحتيال. ولكن تدقيق البيانات المالية للشركات لا يعفي مجالس ادارتها من مسئولية الخطأ او الاحتيال. واذا تمكن مجلس الادارة من اخفاء الحقائق او المعلومات والتغرير بالمدقق فان المجلس هو الذي يتحمل المسئولية من جراء ذلك. وهذا لا يعني بأي حال من الاحوال ان مدقق الحسابات منزه او معصوم عن التقصير في عمله او عن عدم قيامه بالتدقيق وفقاً للمعايير المتعارف عليها، وتبعاً لذلك يتحمل المسئولية. وفي ظل الرقابة الحكومية فان الجهات التنظيمية والرقابية الحكومية مسئولة عن القيام بواجباتها التي حددها القانون، للتأكد من ان ادارة الشركة لم تخالف القوانين والتعليمات ولذلك فهي ايضاً تتحمل المسئولية عن هذا الامر. التعثر المالي ينجم التعثر المالي بشكل رئيسي عن سوء ادارة الشركة او التلاعب في حساباتها او التطاول على موجوداتها او استغلالها لمصلحة خاصة مما يطلق عليه عادة الفساد المالي. وقد يتم هذا الفساد نتيجة قيام الشركة باخفاء الخسائر من بياناتها المالية او استبعاد مطلوبات او اظهار موجودات مخالفة للواقع في بياناتها المالية او تضخيم ايراداتها او تقليل مصاريفها عن طريق اجراء معالجات محاسبية خاطئة او اظهار موجودات او مطلوبات خارج الميزانية العامة بدلاً من ادخالها في الميزانية العامة. وقد تلجأ الشركة الى مثل هذه التصرفات من اجل التأثير على سعر السهم في السوق المالي. وقد تعمد الشركة الى تقليل ارباحها واخفاء جزء منها تهرباً من تسديد الضرائب المتوجبة عليها. وقد يساعد في عمليات التعثر المالي والفساد فشل مدقق الحسابات بالقيام بالواجبات المنوطة به وفقاً لمعايير التدقيق المتعارف عليها او نتيجة اخفاء الحقائق عنه او نتيجة تآمر او تواطيء الادارة عليه، فيصدر تقريراً للمساهمين والاطراف الاخرى المستخدمة للبيانات المالية مخالفاً للواقع مما يعرضه للمسئولية. وقد يكون اشراف جهات الرقابة الحكومية على الشركات غير كافٍ او ان يجري اخفاء معلومات عنها مما يسمح بنشر بيانات مالية غير متفقة مع واقع الحال. وغني عن القول ان هنالك اسباب اخرى للتعثر المالي ناجمة عن طبيعة اعمال الشركة منها مشاكل الادارة او التسويق او الجودة للسلع والخدمات التي تقدمها او غير ذلك من اسباب. واذا ما نظرنا الى الساحة العالمية نجد ان ظاهرة الفساد قد انتشرت في عدد من الشركات الكبيرة في اميركا والدول الاخرى، حتى وصلت الصين، وتميزت بتلاحق حالاتها وضخامة الشركات التي تمت فيها، مما كان له اثار مدمرة، وادت الى افلاس تلك الشركات، فعلى سبيل المثال تجاوزت موجودات شركة انرون حوالي ستين بليون دولار اميركي في حين تجاوزت موجودات شركة ورادكم ماية بليون دولار اميركي. ومما يلفت الانتباه ان اكثر من نصف موجودات شركة ورادكم يمثل موجودات غير ملموسة اي موجودات معنوية وهي تكاد تعادل قيمة حقوق المساهمين في الشركة المذكورة، ومع ذلك وبالرغم من ضخامة هذه الموجودات غير الملموسة والتي يفترض انها تحقق ربحاً غير عادي الاّ ان صافي ربح الشركة لم يتجاوز مئتي مليون دولار، مما يعني ان قيمة هذه الموجودات متدنية. لاشك ان بيئة الاعمال المحمومة في الولايات المتحدة الاميركية قد ساهمت في ايجاد ضغط كبير على المدراء ومجالس الادارة في الشركات لاظهار ارباح تتزايد باستمرار خلال السنة وعبر السنوات المتتالية، ويأتي هذا الضغط من التوقعات غير الحقيقية للاسواق في المستقبل، يضاف الى ذلك ان تضخيم الارباح مرتبط بمكافآت وحوافز كبيرة ستحصل عليها الادارة. واعتقد انه كان للبيانات المالية الفصلية التي تقدم في الولايات المتحدة الاميركية اثراً ما على هذه الحالات ولذلك فان اعداد البيانات المالية الفصلية يلقى الان معارضة في بريطانيا. ويعزي التعثر المالي للشركات في الفترة الاخيرة الى اسباب عديدة منها: ضعف التحكم المؤسسي في الشركات، وضعف الرقابة الحكومية على الشركات، وتنظيم مهنة التدقيق واستقلاليتها وجودة عمل المدققين مهنة المحاسبة والرقابة الحكومية أدت المشاكل المحاسبية والمهنية واثارها على الاسواق المالية وتدخل هيئة الاوراق المالية الى القيام باجراءات رادعة في الولايات المتحدة الاميركية اعلنها الرئيس الاميركي ويمكن ان تؤدي الى تغيير كبير في تنظيم المهنة واعمال المدققين، وتتناول هذه الاجراءات القصور او الفشل في اعمال التدقيق او تلاعب مجالس الادارة، وتفرض احكاماً بالحبس على المسئولين عن ذلك قد تصل الى عشر سنوات. ومن جهة اخرى تم تأسيس مجلس اعلى للرقابة على المهنة والمدققين يتألف من اعضاء من غير المدققين يقوم بملاحظة ومراقبة السلوك المهني واداب المهنة، ويتولى مراجعة اعمال واوراق عمل المدققين سنوياً بالنسبة للشركات المدرجة في الاسواق المالية، كما يشرف على مكاتب التدقيق، وفي نفس الوقت حظر على المدققين القيام بأعمال استشارية معينة للشركات التي يدققونها. وتم فرض عقوبات صارمة على جرائم التلاعب والاحتيال وسوء الائتمان والتزوير وغير ذلك. ومن حيث تطوير المعايير المحاسبية وسد الثغرات فيها، فقد تم دراسة المشاكل المحاسبية للوحدات ذات الاغراض الخاصة والمشتقات المالية لقاء السلع وخيارات الاسهم للمدراء، في الوقت الذي دعت فيه مكاتب التدقيق الكبرى الاربع «خمس مكاتب سابقاً» في الولايات المتحدة الاميركية الى تحسين معايير المحاسبة وتطوير معايير التدقيق لتواكب المسيرة الاقتصادية في البلاد. وقد اصدرت هيئة الاوراق المالية في الأردن تعليمات تطلب فيها من المدراء التنفيذيين والمدراء الماليين بان يحلفوا اليمين بان البيانات المالية السنوية والمرحلية للشركة لا تحتوي على معلومات غير صادقة، او انه استبعد منها اي حقيقة هامة، وان المعومات المالية تظهر بصورة عادلة من كل النواحي الهامة، وانهم مسئولون عن تصميم وتطبيق وتقييم الرقابة الداخلية وانهم قدموا الى المدقق الخارجي والى لجنة التدقيق معلومات حول الرقابة الداخلية و اي تغييرات عليها. بقلم : نعيم سابا خوري