الاحد 17 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 18 مايو 2003 هل يستفيق العرب من سباتهم العميق ويدركون حقيقة الواقع وينتفضون على ذاتهم المستكينة ويواجهوا الاخطار المحدقة بهم؟ هل يدرك العرب بان خلافاتهم وصراعاتهم الداخلية والاقليمية قد اوصلتهم إلى وضع مزر وأوقعتهم في مؤخرة الامم وجعلت منهم أمة تعيش زمن القرون الوسطى فيما العالم يتسابق ويسير في ركاب التقدم والازدهار؟ وهل يقبل العرب في ظل وضعية التخلف هذه ان تفرض عليهم وصاية أميركية تستنزف ما بقى لديهم من مقدرات ومن مصادر وقوة اقتصادية واجتماعية وسياسية؟ واذا كانت الولايات المتحدة الاميركية قد اعلنت تحديها للعالم وشعوبه، وللمنظمات الدولية ووجهت صفعة شديدة لهذا العالم وبما فيه اوروبا العجوزة «روسيا وألمانيا وفرنسا» وغزت العراق لتفرض هيمنتها ولغتها وسياساتها ليس على العراق فحسب وانما على العالم بأسره، فانها ما كانت لتفعل كل هذا إلا حينما ايقنت من صمت العرب وضعفهم وحاجاتهم للدولار الاميركي، وبأنهم «خارج التقدم الاقتصادي» كما وصفتهم الولايات المتحدة نفسها، واذا كان العرب قد اعتقدوا ان دخول القوات الاميركية - البريطانية العراق انما يعد تحريرا للعراق وللشعب العراقي، ولتنمية العراق، فان هناك الكثير من دول وشعوب العالم يدركون ان اهداف الولايات المتحدة مبنية على استراتيجية طويلة المدى ربما للعرب يفتقرون النظر إليها، وها هي الولايات المتحدة تعلن وصايتها على المنطقة من خلال مشروعها الذي اعلن عنه رئيسها جورج بوش في خطابه الاخير والذي القاه امام طلبة جامعة ساوث كارولينا بولاية كولومبيا والمتضمن اقامة منطقة التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والدول العربية خلال العشر سنوات المقبلة! وإذا كان الرئيس الاميركي يصف العالم العربي بأنه خارج التقدم الاقتصادي، واذا كنا نعترف نحن العرب بأننا متخلفون اقتصاديا حتى النخاع، واذا كان اجمالي الناتج القومي لكل الدول العربية البالغ عددها 22 دولة يقل عن الناتج القومي لاسبانيا، وهي افقر الدول الاوروبية، واذا كان هذا الناتج المحلي الاجمالي لمجموعة الدول العربية لم يتجاوز 700 دولار فقط! واذا كانت حصة الدول العربية مجتمعة من مجموع الاستثمارات الخارجية المباشرة في العالم في عام 2001 والبالغة 735 مليار دولار لم تتجاوز الواحد في المئة! واذا كان الاقتصاد العربي يعاني من الفساد الاداري والمالي والتخلف في هياكله الانتاجية وكذلك تخلفنا في التنمية البشرية ومناخاته الاستثمارية، وان البيئة الاقتصادية في ظل هذا التخلف اصبحت بيئة طاردة لرؤوس الاموال العربية وللعقول المتميزة التي هربت إلى خارج الوطن. اذا كان هذا يحدث في اقتصادنا العربي فهل مهدت هذه البيئة لاعلان الوصاية الاميركية على الاقتصاد العربي وبالتالي على الوطن العربي سياسيا واجتماعيا وثقافيا، وهل يعتبر العراق نموذجا للوطن العربي الكبير، اي ان العراق الذي يعد البلد الاغنى والاقوى اقتصاديا حاصرته الولايات المتحدة لمدة ثلاثة عشر عاما، حتى اصبح الوضع الداخلي اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا ضعيفا ومهلهلا فسهلت مهمة الولايات المتحدة في اختراق العراق، والهيمنة عليه وفرض وصايته عليه وتجيير كل موارده وتاريخه لصالحها! ان مشروع اقامة منطقة التجارة الحرة بين الولايات المتحدة الاميركية والدول العربية ما هو إلا شكل اخر من اشكال الهيمنة والسيطرة الاميركية على الاقتصاد العربي والمجتمع العربي فأصبح النموذج العراقي يتسع الان ليشمل الوطن العربي بأكمله، انها تركة الغزو الاقتصادي الذي مارسته الولايات المتحدة ضد العرب، وقد يعتقد بعض العرب بأن هذا المشروع يشكل مساعدة أميركية للعرب لانقاذ اقتصادهم وتنمية شعوبهم واستقرار منطقتهم. ان هذا المشروع يأتي في سياق تحسين صورة الولايات المتحدة لدى الشارع العربي والشرق الاوسط بعد ممارساتها العدوانية ضد افغانستان، ثم غزوها الغاشم للعراق، ثم لموقفها السلبي من العدوان الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، ثم يأتي من اجل تعزيز الاستقرار الامني والاقتصادي «لاسرائيل» في المنطقة، ثم لتتيح الولايات المتحدة فرصة كبيرة «لاسرائيل» كي تتمدد اقتصاديا على حساب الاقتصاد العربي والمجتمع العربي، ومن خلال «اسرائيل» وهذا التمدد الاسرائيلي يمكن الولايات المتحدة من فرض هيمنتها اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، ويجعل المنطقة العربية سوقا استهلاكية للسلع والبضائع الاميركية - الاسرائيلية، والموارد والثروات الطبيعية المتوفرة في الاقتصاد العربي وملكا خالصا للولايات المتحدة وربيبتها «اسرائيل»! وفي اطار الصراع الدولي المحتدم على موارد العالم وثرواته الاقتصادية ولاسيما بين الولايات المتحدة من جهة واوروبا وباقي دول العالم من جهة اخرى، وفي ضوء نزعة الولايات المتحدة نحو السيطرة على العالم وفرض نفوذها على العالم فانها ومن خلال هذا المشروع تعمل على اقامة حلف استراتيجي مع دول عربية معينة مهدت له من خلال اتفاق للتجارة الحرة بينها وبين الاردن ثم سعيها لابرام اتفاق مماثل مع المغرب، ثم سعيها الحثيث إلى توقيع اتفاقية للتجارة الحرة مع العراق وباقي دول الخليج العربية، وهكذا سعت الولايات المتحدة في اطار تحقيقها لاهدافها الاستراتيجية في المنطقة ومن اجل تحقيق الاستقرار الكامل «لاسرائيل» إلى ربط العرب تجاريا واقتصاديا من خلال مشاريع واتفاقيات ثنائية تمهيدا لمشروع التجارة الحرة مع كامل المنطقة العربية والشرق الاوسط، وسوف تعمل على تسويق هذا المشروع الجديد من خلال المنتدى الاقتصادي العالمي المقرر عقده في الاردن في يونيو المقبل. ان مشروع التجارة الحرة هذا انما تسعى الولايات المتحدة من خلاله إلى فرض وصايتها الحقيقية على الاقتصاد العربي وبالتالي الانفراد بالقرار الاقتصادي والسياسي في المنطقة العربية، وقد كان العراق هو مفتاح هذه السيطرة ومن خلال محاصرة العراق وغزوه ثم السيطرة عليه، تزايدت النزعة لدى الولايات المتحدة وسعيها الحثيث نحو السيطرة وفرض الهيمنة الاميركية على منطقة الشرق الاوسط عامة والمنطقة العربية فالاوضاع الاقتصادية العربية المتخلفة يبدو انها تساعد الولايات المتحدة على اختراقها للمنطقة وفرض وصايتها عليها، ويبدو ان مشروع الولايات المتحدة هذا يأتي الاعلان عنه متزامنا مع توسيع مشروعها الاستراتيجي من خلال توسيع حلف شمال الاطلسي بانضمام سبع دول من اوروبا الوسطى والشرقية اليه والذي صادق عليه مجلس الشيوخ الاميركي وبالاجماع يوم الخميس الموافق الثامن من مايو الجاري وذلك في اطار الاستراتيجية الجغرافية الاقتصادية في مواجهة اوروبا العجوز «فرنسا، والمانيا، روسيا» لاسيما وان اقتصادات تلك الدول السبع تملك ثروات وموارد طبيعية كبيرة وتحتاج إلى استثمارات مالية سوف تجد الولايات المتحدة ضالتها في هذه الدول في تحقيق اهدافها الاقتصادية الاستراتيجية ومنها محاصرة اوروبا العجوز! واذا ما التزمت الولايات المتحدة بمشروع منطقة التجارة الحرة مع العرب فماذا يظن العرب فاعلون، ماذا لديهم من صناعات ومنتجات يمكن ان يدخلوا بها إلى تلك المنطقة، واذا كان العرب رغم كل مشاريع الوحدة الاقتصادية العربية وقرارات القمة العربية لم يفعلوا شيئا في اطار تنمية التجارة البينية فيما بينهم، واذا كانت صناعات العرب ومنتجاتهم تتسم بالازدواجية وضعف الجودة ومحدودية الانتاج فهل يستطيع العرب من الصمود في منطقة التجارة الحرة التي جاءت الولايات المتحدة من بعيد لكي تقدمها لهم وكأنها تقدم لهم الحلم الذي طال انتظارهم له! هل يدخل العرب هذه المنطقة كمنتجين ام كعادتهم مستهلكين، هل سيدخلون المنطقة بصناعاتهم المتطورة والقادرة على المنافسة، أم انهم سوف يدخلونها كبائعين لمواردهم الطبيعية في هيئتها الاولية فحسب، أي بمعنى يقايضون مواردهم كبائعين لمواردهم الطبيعية بسلع وبضائع استهلاكية وكمالية، هكذا نخشى ان تصبح هذه المنطقة سوقا لبيع ثروات الاجيال المقبلة ومواردها الطبيعية ولاسيما تلك القابلة للنضوب. بقلم: نجيب عبدالله الشامسي