الاحد 10 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 11 مايو 2003 توحي الأنباء الاقتصادية منذ نشوب الحرب في العراق بأن أميركا لا تزال تحت قبضة ما دعوه بـ «الركود الجديد». إنها فترة انتكاس محيّرة. فنحن لسنا في سقوط اقتصادي عمودي متسارع، وفي الحقيقة ان معظم الأميركيين ينعمون بازدهار يكاد يكون غير مسبوق. لكن في المقابل هناك أيضا حالة تزعزع متنامية (في الوظائف وأسعار الأسهم) وانخفاض متواصل في الانفاق الحكومي الاجتماعي وأرباح الشركات على حد سواء. الناس يتوقون للوضوح والثقة، فيما يقدم لهم الركود الجديد الشك والمتناقضات. دعونا ننظر في بعض أوجه التباين، فمنذ أواخر عام 2000، بلغ متوسط معدل النمو السنوي 5،1% (بالمقارنة مع 4% ما بين 1996 و2000). ولا يكاد هذا الرقم يتجاوز معدل النمو السكاني. ووفقا لأحد التقارير الحكومية، فقد تلاشى حوالي 1،2 مليون وظيفة. والبورصة فقدت حوالي 40% في قيمتها منذ أن بلغت ذروتها في اوائل عام 2000، وذلك طبقا لتقرير صادر عن مؤسسة «ويلشاير اسوشييتس» لكن معظم الناس يعيشون أحوالا جيدة أو معقولة. لا يزال هناك 130 مليون وظيفة ما عدا أعمال المزارع. ومتوسط أسعار المنازل الحالية ـ التي تعتبر أكبر أصول مالية لدى معظم الأميركيين ـ ارتفع بنسبة 1،7% العام الماضي. وكانت اليابان رائدة عهد الركود الجديد. ففي التسعينيات انهار اقتصادها، وارتفعت معدلات البطالة فيها تدريجيا. لكن معظم الناس هناك كانوا يعيشون حياة كريمة. وكان الازدهار ـ إذا لم نقل النمو ـ واسع الانتشار. لم يكن هناك أي انذار بالخطر. كان اليابانيون واثقين بأنفسهم إلى حد الغرور. أو لم يتخطوا الولايات المتحدة اقتصاديا؟ الجميع أقر بوجود «فقاعات» في سوق الأسهم وسوق العقارات. لكن ما ان تمر توابع الزلزال الاقتصادي، حتى يعود الاقتصاد للانتعاش بصورة بارعة. لكن ذلك لم يحدث. فمنذ عام 1992، بلغ متوسط النمو الاقتصادي في اليابان 1% (بالمقارنة مع 8،3% في الثمانينيات). نحن لسنا اليابان ـ لكننا قد ننزلق في نفس الشرك. فبعد فورة نشاط التسعينيات، يعتقد الاميركيون ان اقتصادهم لا يمكن ان يبقى هابطا لفترة طويلة. والتشخيص الرائج الآن هو ان الاقتصاد عانى من انتكاسات مؤقتة: فقاعة الاسهم، 11 سبتمبر، فضائح الشركات الكبرى، وأخيرا الحرب في العراق.. سوف تضمحل آثار تلك الانتكاسات تدريجيا، ويعود الاقتصاد للانتعاش. ربما يحدث ذلك. منذ الحرب، انخفضت اسعار النفط، وارتفعت ثقة المستهلك. لكن هذا التشخيص القياسي يقلل من شأن نقاط الضعف الأعمق. أولا، تبعات فورة الازدهار: لم يقتصر الأمر على الأسهم وحسب، فالمستهلكون انغمسوا في فورة انفاق قوية، وبطريقة مشابهة غاصت الشركات في فورة استثمار في التسعينيات. واليوم يوجد فائض هائل في الطاقة الانتاجية، فإنفاق المستهلكين واستثمار الشركات يشكلان 80% من الاقتصاد، واذا كانا ضعيفين لا يمكن للاقتصاد ان يكون قويا. ثانيا، أوروبا واليابان. ركودهما يؤدي الى تعميق الركود العالمي. ألمانيا، أكبر اقتصاد في القارة الاوروبية، تعيش حالة من الفوضى الاقتصادية. بنوكها ضعيفة، معدلات البطالة فيها وصلت الى 9%. واليابان وأوروبا معا تشكلان 30% من الاقتصاد العالمي و30% من سوق الصادرات الاميركية ولو كانا نابضين بالحياة، لخفضا التباطؤ الاميركي. ثالثا، التجارة القاسية. التجارة العالمية هي قوة خير عادة. فالبلدان تتخصص وتنفق في الخارج (عبر الواردات) ما تكسبه في الخارج (عبر الصادرات). ومن المؤسف ان معظم البلدان الآسيوية ـ وعلى رأسها اليابان ـ تناضل من أجل تحقيق فوائض تجارية دائمة. وهذا يضعف الاقتصاد العالمي من خلال كسر سلسلة الانفاق. في عام 2000، حققت آسيا فائضا في الحساب الجاري بقيمة 30 مليار دولار. وتلعب الصين دورا متزايد الاهمية في هذه العملية. هذه الشياطين الضارية تلتهم النمو الاقتصادي ـ وتلتهم معه الجهود المبذولة لاحيائه. دعونا نتذكر ما يلي: منذ أوائل 2001، قام بنك الاحتياطي الفيدرالي الاميركي بين ليلة وضحاها بخفض اسعار الفائدة من 3،6% الى 25،1%. وفي هذه الاثناء دفعت تخفيضات بوش الضريبية والاقتصاد الضعيف الميزانية الفيدرالية باتجاه «المنبّه». فالفائض الذي بلغ 236 مليار دولار عام 2000 تحول إلى عجز بقيمة 157 مليار دولار عام 2000 تحول إلى عجز بقيمة 157 مليار في عام 2002. التخفيضات الضريبية عززت القوة الشرائية. واسعار الفائدة المتدنية مكنت ملايين في مالكي البيوت باعادة جدولة رهوناتهم العقارية القديمة. وبالرغم من هذا كله، لا يزال الاقتصاد ضعيفا. ولقد دفع الركود المزمن بعض الاقتصاديين ـ على رأسهم ستيفن روتش من مؤسسة مورغان ستانلي ـ الى التخوف من حدوث انكماش، أي انخفاض عام في الاسعار. قبل بضع سنوات كانت مثل هذه المخاوف تبدو منافية للعقل. أما الآن فقد تغير الوضع. والحالة واضحة الآن. الطلب العالمي لا يزال ضعيفا الطاقة الانتاجية الفائضة عن الحاجة تثني اصحاب رؤوس الاموال عن ضخ استثمارات جديدة، والتخمة تضعف الاسعار. وقد يكون الانكماش خطرا: فانخفاض الاسعار يمكن ان يقلص الارباح ويضعف الاسهم، وقد تمنع الاسعار المتدنية الشركات المديونة من تسديد قروضها، مما يؤدي الى تخلفات في سداد الديون واخفاقات مصرفية. وكلما ضعف الاقتصاد على نحو غير متوقع، يخبروننا ان ذلك مجرد «توقف مؤقت». ربما، لكن الازمة الاقتصادية الراهنة ربما يساء فهمها تماما كلما أسيء فهم فورة الازدهار السابقة. وربما تقف مستعصية على العلاجات الموصوفة في الكتب. إنها أزمة عالمية، وليست أميركية فقط. وهي لا تتبع النماذج الموصوفة في الكتب، لذلك فإنها ربما لا تستجيب للعلاجات الموصوفة في الكتب أيضا. في اليابان، لم تنجح اسعار الفائدة المتدنية والعجوزات الكبيرة في الميزانية في انعاش النمو. ونقاط الضعف الاوروبية واليابانية تعكس في جوهرها الافضليات الاجتماعية والسياسية. فالرغبة في الحمايات الاجتماعية قيدت النمو الاقتصادي بالقوانين والضرائب. أما بالنسبة لاميركا فان الانتعاش يحتاج الى الصبر. والطاقة الانتاجية الفائضة عن الحاجة يجب ان تغلق أو يتم امتصاصها. ويجب خفض مستويات الديون. ما الذي يمكن فعله؟ سؤال جيد. إن المشاكل غير المألوفة قد تتطلب استجابات غير مألوفة. واذا تفاقمت الامور بشكل دراماتيكي، فربما يؤدي ذلك الى تركيز الانتباه والاهتمام. في اليابان، قلما اثيرت مسائل عويصة لان التباطؤ الاقتصادي التدريجي لم يظهر قط بمظهر الازمة الواضحة. وخطر «الركود الجديد» هو ان اشاعة شعور زائف باقتراب الانتعاش دائما، والشيء ذاته ربما يحدث هنا.