الاحد 10 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 11 مايو 2003 تحت شعار «عالم جديد.. آفاق جديدة.. أسس جديدة» احتضنت دبي خلال الفترة من 35 مايو الجاري فعاليات المنتدى الدولي للاستثمار والذي نظمته هيئة دبي للاستثمار والتطوير. واستقطب المؤتمر كوكبة من رؤساء مجالس إدارات ومسئولين تنفيذيين في كبريات الشركات العالمية ومحللين ومفكرين وقياديين اقتصاديين في عدد من دول العالم، وفيما سعى كل متحدث للتسويق لفرص الاستثمار في وطنه، أو استعداد شركته للقيام بخدمات أو مشاريع في دول عربية ومنها خليجية، فإن المؤتمر ترك الباب مشرعا أمام الاجتهادات والمبادرات والتفسيرات لا سيما وان البيان الختامي قد حدد شروط ومسوغات الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة وذلك في رسالة واضحة إلى كافة دول العالم النامي ومنها دول عربية تطمح باقتناص حصة في كعكة الاستثمار الدولي حتى ولو من خلال عقود بالباطن بتنفيذ مشاريع الاعمار في العراق. لقد احتوت رسائل الشركات الأميركية ووكالات الاستثمار الدولية شروطا صعبة وربما تعجيزية أمام الشركات والدول الأخرى ومنها الدول العربية التي ربما كانت تأمل في أن تجد فرصة سانحة في هذا المنتدى، وإذا كانت هناك دول ومنها دول عربية تبدي استعدادا كبيرا لتقديم تسهيلات واغراءات وتنازلات لجذب رؤوس الأموال الأجنبية اعتقادا منها بأن تلك الاستثمارات الأجنبية تشكل لشعوب ومجتمعات هذه الدول طوق نجاة من الأزمات والأوضاع الاقتصادية المتردية، فإن الدول الصناعية خاصة والتي تسعى بدورها للتنازع على حصص الاستثمارات الدولة سوف تملي شروطا قاسية وظالمة على الدول العربية ومنها الخليجية مستغلة حالة اللا توازن التي أحدثتها الأحداث الأخيرة في العراق والتي ربما قلبت موازين القوى الاقتصادية وتراجعت الأولويات وأدت إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية في عدد من الدول العربية التي يبدو انها على استعداد تام اليوم للتنازل عن قيمها وقناعاتها وسيادتها الاقتصادية وربما السياسية لانقاذ مجتمعاتها وربما الأنظمة السياسية من الانهيارات والتصدعات. لقد أصبحت دول مجلس التعاون وفي ظل الظروف والتطورات المستجدة طرفا رئيسيا في حركة الاقتصاد العالمي، وضلعا مهما في السياسة والاستراتيجية الاقتصادية العالمية. واذا كان نظام صدام حسين قد انهار في العراق فإن ذلك ربما يكون فرصة سانحة أمام دول المجلس واقتصادياتها لالتقاط أنفاسها بعد أزمات متتالية وفي فترة قياسية، وربما حملت تلك الفرصة مؤشرات ايجابية فيما إذا استطاعت هذه الدول أن تغتنمها وتستفيد منها. فإذا كان نظام صدام حسين يشكل مصدر قلق وتهديد وتوتر بالمنطقة، وكان سببا في المأزق الاقتصادي والمالي لحكومات دول المجلس، ولهجرة رؤوس الأموال والاستثمارات الوطنية وتدفقها للخارج والتي تقدر بنحو 7،1 تريليون دولار، وإذا كان هذا النظام سببا في احجام رؤوس الأموال الأجنبية عن الاستثمار في منطقة (التعاون) فإن هذا النظام قد انهار وسقط بل ربما فتح المجال أمام الاستثمار الخليجي في العراق، ومن هنا لم يعد هناك مبرر أمام حكومات دول المجلس والقطاع الخاص في هذه الدول من تفعيل الاستثمارات ورؤوس الأموال لتحقيق تنمية اقتصادية حقيقية بدول المنطقة وذلك بعد سنوات صعبة وحرجة شهدت حروبا وأزمات عسكرية واقتصادية. اليوم يشهد العالم الكثير من المتغيرات سواء على صعيد الدول أو المجموعات، ويشهد الكثير من التكتلات الاقتصادية بين الشركات متعددة الجنسية، كما يشهد العالم اليوم اعادة ترسيم الخريطة الاقتصادية في العالم الأمر الذي يجعل دول المجلس ذات الاقتصاديات الناشئة والصغيرة أمام مفترق طرق!! من هنا فإنه وفي ضوء ما تمخض عنه منتدى الاستثمار الدولي من توصيات ورسائل موجهة خاصة إلى الدول العربية فإنه يجب أن تكون قراءتنا لتلك التوصيات دقيقة وصريحة تحدد دلالاتها وتستشف معانيها جيدا ونتعامل معها بشكل يحقق مصالح شعوبنا ويحصن مجتمعاتنا ويرمم اقتصادياتنا ومن هنا فإن القراءة الصحيحة والدقيقة والأمينة تحتم على أصحاب القرار الاقتصادي في دول المجلس استيعاب مضمون تلك التوصيات واتخاذ خطوات حقيقية نحو الاصلاح الاقتصادي والمالي مستفيدين من فرصة الاستقرار الأمني بالمنطقة والاستقرار الاقتصادي في ضوء استقرار أسعار النفط وتحسنها حيث من المتوقع أن تتحسن الأسعار خلال السنوات المقبلة، الأمر الذي ينعكس بشكل ايجابي على الأوضاع المالية ومعالجة العجز المزمن في موازنات دول المنطقة، كما ان القطاع الخاص يمكنه التخلي عن دوره المتسم بالتطفل إلى المشاركة الفاعلة في إحداث التنمية في ظل افساح المجال أمامه من قبل القطاع الحكومي والعام بدول المنطقة، كما ان الاستقرار الأمني والاقتصادي من شأنه جذب رؤوس الأموال الوطنية التي هاجرت وتدفقت إلى أسواق عالمية لتستقر هناك لسنوات طويلة، إذ يمكنها العودة إلى موطنها بدول المجلس لتساهم في إحداث تنمية اقتصادية حقيقية وتحقيق عائد جيد لا سيما إذا أعطيت لها الأولوية على رؤوس الأموال الأجنبية، كما ان رأس المال الأجنبي يمكنه أن يجد في اقتصاديات المنطقة فرصة جيدة في ظل هذا الاستقرار ورغبة دول المنطقة في استكمال مشاريع التنمية ثم وجود تشريعات وقوانين خاصة بالاستثمار الأجنبي وتحتوي على اغراءات وتسهيلات ومزايا مشجعة للغاية سواء في الملكية أو الفرص الخصبة المتوفرة في المنطقة. ولكن كل ما سبق مرهون بإحداث اصلاحات اقتصادية واستثمارية حقيقية، تسهم في خلق مناخات استثمارية وبيئة استثمارية محفزة ومشجعة للاستثمار الوطني والاجنبي على السواء شريطة أن تكون هذه الاصلاحات نابعة من ذات المجتمع الخليجي، واعتمادا على قدراته الذاتية وشريطة التخلي عن القيم التقليدية التي تحكم الاقتصاد والتنمية في دول المجلس ومن تلك الاصلاحات افساح المجال أمام القطاع الخاص الوطني وعدم مزاحمته، لأخذ فرصته في إحداث التنمية، ثم تحرير الأسواق شريطة وجود ضوابط تحصن تلك الأسواق والاقتصاديات من محاولات التخريب، ثم ترجمة بنود الاتفاقية الاقتصادية الموحدة التي مضى عليها أكثر من عقدين دون ترجمة حقيقية، وذلك بفتح الأسواق المحلية المتسمة بالضيق ومحدودية الفاعلية كي تصبح مشرعة أمام حركة رؤوس الأموال الاجنبية والايدي العاملة الخليجية ولا سيما الفنية منها، ثم حرية التملك لأبناء دول المجلس وتأسيس الشركات، وهذا يجب أن يسبق اصدار قوانين وتشريعات للاستثمار الأجنبي كما فعلت كل من السعودية، الكويت وسلطنة عمان، كما يجب على هذه الدول وفي اطار الاصلاحات الاقتصادية هذه إحداث اصلاحات في البيئة الاستثمارية وتحقيق اصلاحات إدارية بالتخلص من البيروقراطية والروتين والفساد الإداري والمالي مع أهمية الالتزام بمعايير الجودة في الأداء والشفافية في التقييم لا سيما في المؤسسات المالية والمصرفية، مع أهمية اعتماد دراسات جدوى اقتصادية قبل تنفيذ المشاريع الخاصة والعامة، ثم تطوير القدرات البشرية والتقنية والمعلوماتية ونشر المعرفة النوعية بانتهاج سياسات تعليمية والاهتمام بالتنمية البشرية والاجتماعية، ثم وعلى صعيد آخر خلق كيانات وتكتلات اقتصادية من خلال اندماجات بين المؤسسات المالية والاقتصادية والمصرفية سواء على صعيد الدولة الواحدة، أو مجموعة دول المجلس وذلك بهدف تعزيز القدرات المالية والرأسمالية والإدارية والفنية لتلك المؤسسات لتصبح قادرة على امتصاص الصدمات والأزمات، ثم تتمكن من الصمود أمام المنافسة الأجنبية الشرسة من قبل الشركات الأجنبية في ضوء تحرير الأسواق الخليجية وجعلها مشرعة أمام الشركات الأجنبية لا سيما بعد أن أصبحت معظم دول المجلس أعضاء في منظمة التجارة العالمية (W.T.O). من ناحية أخرى تتطلب فرضيات الاصلاحات هذه اعادة النظر في تركيبة سوق العمل في المنطقة والحد من الهيمنة الأجنبية ومعالجة البطالة بين العمالة المواطنة وامتصاص العمالة الأجنبية وابعادها عن سوق العمل لا سيما تلك العمالة غير الفنية والتي تنتمي لبيئات متخلفة في انتاجيتها ومستوياتها التعليمية وذلك لتحصين مجتمع المال والاقتصاد من أية تهديدات أو محاولات التخريب.