المشاركون يشيدون بالمبادرة الثلاثية ويعتبرونها نواة لتجمع أكبر، المنتدى الدولي للاستثمار يواصل أعماله وسط مناقشات ساخنة حول الاصلاح الاقتصادي

الاثنين 4 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 5 مايو 2003 تحت رعاية الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع، واصل أمس المنتدى الدولي للاستثمار أعماله في دبي حيث تناولت مناقشات الجلسة الأولى من اليوم الثاني للمنتدى مجموعة من الموضوعات الهامة المتعلقة بالمناخ الاستثماري في المنطقة العربية حيث استعرض المشاركون الخطوات اللازمة لتعزيز فرص المنطقة في استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وسط اشادة واسعة من المشاركين بالمبادرة الاماراتية السعودية البحرينية لاقامة جمعية عربية لاستقطاب الاستثمارات. وفي بداية جلسات أمس، تحدث بيتر ساذرلاند رئيس مجلس ادارة شركة بريتش بيتروليوم ورئيس مجلس ادارة شركة جولدمان ساكس انترناشونال، حيث قدم محاضرة حملت عنوان «ازالة الحواجز التجارية: العالم العربي، جبهة اقتصادية موحدة» وتناول فيها التطورات التي احدثتها توجهات تحرير التجارة العالمية واستحداث آلية يحكمها القانون تحت مظلة اتفاقية منظمة التجارة العالمية حيث تطرق إلى كيفية تحقيق المنطقة العربية للاستفادة المنشودة من وراء ظاهرة العولمة مع تقليص آثارها السلبية اضافة الى استعراض ايجابيات وسلبيات تكوين «تكتل اقتصادي» أو «سوق موحدة» بما يعزز الموقف التنافسي للمنطقة العربية في عصر الاقتصاد العالمي الجديد. وفي مستهل حديثه، أشاد ساذرلاند بفكرة المنتدى وقال انها تأتي في اطار المبادرات العديدة التي تحرص دبي على اطلاقها بغية تعزيز توجهات النمو الاقتصادي في المنطقة وقال ان هذا الجهد مطلوب في عصر بات فيه من الصعب الوصول الى مستقبل اقتصادي سليم يضمن الرخاء لأصحابه، مستشهدا بالطفرة الاقتصادية التي شهدتها منطقة جنوب شرق آسيا والتي يصفها المحللون بأنها «معجزة اقتصادية» يصعب فهم معطياتها فهما دقيقا، إلا انه على الرغم من هذا الغموض الذي يحيط بتلك الظاهرة أكد على وجود عنصرين أساسيين في عملية التنمية الاقتصادية هما أولا الانفتاح على التجارة والاستثمارات الدولية وثانيا ايجاد سياسات اقتصادية محلية مشجعة للاستثمار. وقد حاول المتحدث تلخيص المشكلات التي تواجه المنطقة العربية على الصعيد الاقتصادي وقال ان ابرز تلك التحديات يكمن في ضعف معدلات التنمية خلال الفترة الماضية حيث عقد مقارنة بين الاقتصاد المصري واقتصاد كوريا الجنوبية وقال ان متوسط الدخل الفردي في مصر خلال عقد الخمسينيات كان يوازي متوسط الدخل الفردي في كوريا الجنوبية أما الآن فإن الفارق أصبح في صالح كوريا الجنوبية حيث أصبح متوسط دخل الفرد هناك يوازي خمسة أضعاف متوسط دخل الفرد المصري وقال ان معدل النمو الاقتصادي في منطقة جنوب شرق آسيا قد تراوح حول معدل 7.4% خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية مقارنة بمعدل 3.3% لمجمل الدول العربية مجتمعة. وضرب رئيس مجلس ادارة شركة بريتش بتروليوم مثالا بانخفاض معدلات تدفق الاستثمارات الاجنبية المباشرة على المنطقة كأحد الدلائل المبرهنة على ضعف الأداء الاقتصادي العربي وقال ان غياب تلك الاستثمارات يشكل مصدرا للقلق في ظل وجود تيارين احدهما يدفع بمسئولية رؤوس الاموال الاجنبية عن حالة التردي التي تعاني منها اقتصادات الدول الفقيرة، والآخر تيار قومي يرفض تواجد رأس المال الأجنبي وشغله حيز من اقتصاده حيث أعرب المتحدث عن اعتقاده بأن العراقيل التي تواجه التدفقات الاستثمارية الاجنبية تمثل العائق الأكبر أمام جهود التنمية الاقتصادية في المنطقة. وقال بيتر ساذرلاند ان أهمية الاستثمارات الاجنبية المباشرة لا تنحصر فحسب في قيمتها المباشرة في تقديم مورد اضافي لرأس المال ولكنها تمتد أيضا إلى آثار قد لا تكون ملحوظة ولكنها على قدر كبير من الأهمية مشيرا الى دخول الاستثمارات الدولية متعددة الجنسيات الى دول المنطقة يتيح لها فرصة نقل المعرفة كما يفتح أمامها فرص غير مسبوقة للوصول الى أسواق عالمية جديدة وهما فائدتان جوهريتان في اقامة بناء الاقتصاد العالمي الجديد. وأوضح ان المنطقة العربية لم تنجح في تحقيق استفادة حقيقية من طفرة الاستثمارات الاجنبية المباشرة التي بدأت منذ عقد الثمانينيات وقال انه في الوقت الذي حققت فيه بعض دول شمال القارة الافريقية تحسنا نسبيا في استقطاب تلك الاستثمارات مؤخرا، إلا ان الصورة العامة في المنطقة تبقى بعيدة عن الاهداف المنشودة حيث انخفض نصيب المنطقة العربية ككل من التدفقات الاستثمارية المباشرة الى أقل من مليار دولار على الرغم من ان حجم سكان المنطقة يكاد يضاهي حجم سكان القارة الاوروبية مجتمعة. وألمح المتحدث الى أهمية دور الاصلاح الاقتصادي في إحداث تغير نوعي نحو استقطاب الاستثمارات الاجنبية المباشرة وضرب مثالا بالصين التي نجحت في استقطاب أكثر من 5.2 مليارات دولار خلال العام 2002 حيث أرجع ساذرلاند هذا النجاح الكبير الى اصلاح الصين لنظامها الاقتصادي بما في ذلك انضمامها الى منظمة التجارة العالمية حيث أسهم اصلاح القواعد والنظم الاستثمارية في زيادة معدل تدفق الاستثمارات الاجنبية المباشرة على الصين الى أكثر من 50% سنويا. وشدد بيتر ساذرلاند الذي يرأس أيضا مجلس ادارة شركة جولدمان ساكس انترناشونال على أهمية عنصر الانفتاح على التجارة العالمية وقال ان هذا العنصر كان له الأثر الأكبر خلال العقد الماضي في دفع عجلة النمو الاقتصادي والقضاء على الفقر في العديد من دول العالم من بينها الصين وأوغندا وفيتنام، حيث ساعد الانخراط السريع لتلك الدول في النظام التجاري العالمي على تحقيق أسرع معدلات النمو وتقليص لمساحة الفقر، في حين نفى الرأي القائل بأن الدورات العديدة التي شهدها العالم في مجال تحرير التجارة لم تأت بنفع يذكر على الدول النامية بينما تركزت منافعه على اثراء العالم المتقدم وقال ان النصيب التجاري للدول التي تبنت توجهات وسياسات العولمة قد زاد زيادة ملحوظة. وقال المتحدث ان توجهات تحرير التجارة العالمية تواجه منعطفا خطيرا مع وجود العديد من التحديات حيث أعرب عن أمله في أن تفلح الجولة المقبلة من محادثات تحرير التجارة العالمية في الدوحة في ايجاد حلول للمسائل المتعلقة متمنيا أن يساعد الاتحاد الاوروبي على تحقيق ذلك من خلال التوصل الى قرار مبكر في خصوص اجراءات الاصلاح الزراعي. وأكد ساذرلاند على أهمية دور اتفاقات الاقليمية والثنائية لتحرير التجارة ولكنه نبه الى ان تلك الاتفاقات لا تعوض عن الاتفاقات متعددة الاطراف حيث ان الاولى لا توفر فرص الاستفادة التي من الممكن الوصول اليها من خلال الاطار التعددي كما نبه الى الكلفة الناجمة عن تعديل الاوضاع الاقتصادية بما يتواكب مع توجهات تحرير التجارة والناجمة عن تضرر بعض الفئات مع انتقالها من ظل الاجراءات الحمائية القوية الى ساحة المنافسة العالمية المفتوحة. وقال انه من الخطأ بمكان ان تعتقد بعض الدول الفقيرة ان تراجعها عن الانضمام الى اتفاقية التجارة العالمية الحرة قد يفيدها استنادا الى ذريعة مؤداها ان انضمامها الى هذه الاتفاقية لن يكون مصدر فائدة لها معربا عن قناعته بأن عزوف بعض الدول عن اتخاذ مثل هذه الخطوة قد يكون أحد المسببات الرئيسية في تراجع معدلات التنمية بها. من ناحية أخرى ألمح الى الاثر المحتمل لاتفاقات تحرير التجارة الاقليمية في اعاقة عملية تحرير التجارة على المستوى متعدد الاطراف وقال ان مثل تلك الاتفاقات الاقليمية قد يكون من شأنها اقامة حواجز حمائية أمام التدفق التجاري القادم من خارج دول الاقليم مشيرا الى ان تلك الظاهرة بدت ملامحها في دول الاتحاد الاوروبي نتيجة للعقلية الاوروبية الحمائية. وتطرق بيتر ساذرلاند الى اتفاقات تحرير التجارة الثنائية والاقليمية داخل المنطقة العربية والتي دفع بعدم تحقيقها لأية نتائج اقتصادية كبيرة خلال الفترة السابقة وذلك مع تدني مستوى التبادل التجاري العربي مقارنة بمستوى الناتج الاجمالي المحلي لدول المنطقة مشيرا الى تمسك العديد من دول المنطقة بفرض رسوم جمركية كبيرة وحواجز اخرى متعددة تحول دون تحقيق معدلات التبادل التجاري القوية المنشودة. ولفت ساذرلاند الى ضرورة الجمع بين الانفتاح على الخارج والاهتمام بوضع سياسات اقتصادية في الداخل وقال ان العنصرين سويا يشكلان وصفة النجاح وقال ان تجربة الازمة الاقتصادية الطاحنة التي شهدها العالم في عامي 1997-1998 خير دليل على الأثر السلبي للانجراف مع تيار النمو الخارجي واهمال السياسات الداخلية. وقال المتحدث ان ظاهرة التكافل الاجتماعي تلعب دورا هاما في تعزيز جهود اصلاح الهيكل الاقتصادي الداخلي في المنطقة حيث تساعد تلك الظاهرة على تخفيف حدة الفقر وتفاوت الدخل بين طبقات المجتمع وأشار الى ان غياب هذا البعد الاجتماعي، ودعم الطبقات الكادحة سواء من قبل الحكومات أو المؤسسات الخيرية، كان سببا رئيسيا في فداحة أثر الازمة الاقتصادية في آسيا. وتطرق بيتر ساذرلاند، رئيس مجلس ادارة شركة بريتش بتروليوم ورئيس مجلس ادارة شركة جولدمان ساكس انترناشونال، الى اهمية دور الحكومات في توفير البنية الاساسية التي تتعدى مجرد اقامة الطرق والجسور وشبكات الكهرباء الى ابعاد اعمق من ذلك وتحديدا الى اقامة البنية الاساسية للاتصالات، وقال ان مدينة دبي للانترنت تعتبر خير مثال على هذا الجهد الحكومي المنشود في مجال توفير البنية الاساسية التقنية راقية المستوى وخدمات الدعم اللازمة لها الامر الذي كان له انعكاسه في استقطاب مجموعة من أكبر الاسماء العالمية لاقامة مقارها الاقليمية بالمدينة. على صعيد آخر أشاد المشاركون بالمنتدى بالمبادرة الاماراتية السعودية البحرينية لاقامة جمعية عربية لاستقطاب التدفقات الاستثمارية الاجنبية واعتبروها نواة لتجمع عربي أكبر يساهم في جذب الاستثمارات وأكد المشاركون حاجة المنطقة لمثل هذا التجمع وطالبوا بتوسيعه.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات